الأربعاء، 16 فبراير، 2011

بزوغ القوة الكونية للولايات المتحدة

 ترجمة بثينة الناصري*
نشرت المقالة في 25 نيسان 2004

بعد قرون من استعباد الافارقة وذبح الهنود الحمر والاستيلاء على اراضي المكسيكيين ، لم تعد امريكا البيضاء قادرة على العيش في مجتمع متحضر ، او قيادة العالم بالتأكيد . لقد ساعدت الانتصارات السهلة والرخيصة على الضعفاء او الاسرى او الاعداء في الدول النامية على تعليم امريكا دروسا خاطئة وخلق قيم اجتماعية امريكية فاسدة.

كان التفكير بأن الثروات غير المحدودة في جنوب العالم الموجودة هناك من اجل نهبها والاستيلاء عليها والحقول الخصبة التي تنتظر عمالا لاتدفع لهم اجورا ، والدول الجنوبية الضعيفة التي تغري بالتحرش بها بهدف المتعة او الغنائم . . كل ذلك كان مثل شعير متخمر يطيح بتوازن سكير عمره اربعمائة سنة .


ويتلبس رجال بوش الاحساس الامريكي الابيض بأن لهم الحق في الحصول على كل شريحة لحم يستطيعون انتزاعها من جيب او جسد من هو غير جدير بها . ومنذ ان وجد شيء اسمه الثقافة الشعبية الامريكية ، كان الاهتمام ينصب على النهب والافتراس : رعاة البقر القتلة والجنود القتلة والشرطة القتلة ورجال الاعمال القتلة . وقد لعب جون وين كل هذه الادوار ولهذا كان اشهر ممثل امريكي ابيض . فالسهولة التي كان يسيطر بها على خصومه صارت مثل ارث يتم تداوله من جيل الى جيل من المهاجرين البيض الجدد.

وهناك حقيقة تاريخية تبرز بشكل مبالغ به في الثقافة الشعبية الامريكية وهي ان الناس حول الامريكان البيض هم الذين يموتون دائما ، فالامريكان البيض لهم حق العيش وبرفاهية ، اما الاخرون فليس لهم هذا الحق . الاخرون هم دائما غير البيض في امة ابتكرت البياض الذي يمزج ويذيب كل اجناس اوربا في حين يفصل الاخرين باعتبارهم غير جديرين بسبب لونهم .

وحتى تاريخ قريب كان محظورا حظرا شديدا التجاوز على هذا الواقع المفروض وكان الاعدام يطبق بشكل تلقائي على اولئك الذين ينتهكون الامتيازات الطبيعية للامريكان البيض .

الامتياز والافتراس

كما يحدث في التطور البيولوجي فإن الذاكرة الجمعية الاجتماعية تحتفظ بالسلوك والرأي الذي يفيدها ويحقق مصلحتها . فالاعتداءات على الهنود الحمر سكان امريكا الاصليين افادت المستوطنين الاوربيين . . منحتهم اراض شاسعة مجانا ، واستعباد الاخرين جعلهم ملوكا وملكات وامراء واميرات واغنياء ، والغزو الخارجي للشعوب المستضعفة وذات البشرة الداكنة اكسبتهم احتراما . لم يأسفوا على حرب الا على الحرب الاهلية بينهم مع ان القليل من الامريكان البيض كانوا ضحايا تلك الحرب
.
اذن . . كان الافتراس والنهب نهجا جيدا افادهم كثيرا .

ومنذ اليوم الاول الذي وطأت فيه اقدامهم سواحل شمال امريكا كانوا مسلحين وفي غاية الخطورة واضعين نصب اعينهم الهدف السريع للاستحواذ على كل مايخطر في خيالهم ، ومنذ ذلك الحين تعلم (الامريكي الابيض) ان الناجين من مذابحهم يعجبون بهم . لقد عرفوا ذلك من احدهم الاخر . جيلا بعد جيل . . واي رأي آخر يهم سوى آراء بني جلدتهم . ادركوا بأنه طالما لم يستطع احد الوقوف بوجه سلاحهم القاهرة والفتاك فإن ذلك دلالة على تفوقهم . ومن يستطيع ان يناقش ذلك ؟

ومن خلال تداول آرائهم الضيقة هذه في حلقة مغلقة ، تطورت نظرتهم الى العالم ونمت في وجدان الامريكي الابيض حتى صارت اسلوبا اساسيا في التفكير قائما على الافتراضات التي تخدم الذات ، و هي تعدل بشكل آلي كل المعلومات التي لاتتفق مع هذا النمط من التفكير ورفض كل الحقائق (غير المناسبة) . أي حقيقة خارج العقلية الامريكية لاتهم وبالتالي لاتسجل

وبسبب بعض الظروف الخاصة جدا الناتجة عن الحرب العالمية الثانية ، تقدمت الولايات المتحدة الى وسط المسرح العالمي بكل هذه الافكار المسبقة معززة باسلحة نووية واقتصاد قوي بحيث اصبح الدولار هو العملة الكونية . فالنفط الخام يقيم بالدولار ويستخدم كوقود للنمو العالمي الذي اعقب الحرب ومعظم فوائده تذهب مباشرة الى الولايات المتحدة . و ما أن حلت الخمسينات من القرن الماضي حتى اعلن رئيس العالم بأن القرن العشرين هو القرن الامريكي .

بعد خمسين سنة ، ذكر تقرير مكتب طوكيو لشركة بلومبرغ للخدمات المالية في تقريره مايلي : لقد القت شركة بيرتامينا (شركة النفط الاندونيسية الحكومية ) قنبلة مؤخرا . لقد قررت استبدال الدولار باليورو في تجارة النفط والغاز .

وكان العالم منشغلا حينها في الاستعداد للحرب على العراق وانتشار مرض سارس في آسيا ، فلم ينتبه الكثيرون لهذا الخبر الذي قد يكون له تأثير كبير على اكبر اقتصاد في العالم

وكانت مبررات اندونيسيا : ان الدولار قد يكون عملة العالم الاحتياطية ولكنها اصبحت متقلبة بسبب قيام امريكا بشن الحروب هنا وهناك . ويبدو ان آسيا تحاول بمساعدة قادة اوربا على تقليل التأثير الامريكي في المنطقة . ونموذج طوكيو وجاكارتا وكوالالامبور مثل على العزوف العالمي عن الولايات المتحدة.

تبدلات في القشرة الارضية

هناك اشياء اخرى تحدث تحت السطح ولاتذكرها تصريحات رؤساء الوزارات . ان المشكلة الامريكية ليست في سوء السلوك ولكن في عدم الجدارة . ولايمكن لأي مجتمع عاقل ان يضع ثرواته ومستقبله في ايدي امة تشكلت من شعب لايرى أي حقيقة خارج ذاته

وقد قرر الكثير من دول العالم ان الدولار اصبح مثل الزائدة التي يجب قطعها ، ومما يثير السخرية ان رجال بوش انتهكوا النظام العالمي الذي ميز الولايات المتحدة لعدة اجيال من اجل اجهاض التغيير الى اليورو الذي قام به بعض منتجي النفط العرب وفنزويلا

ومما هو جدير بالملاحظة ان سياسة امريكا الراهنة والساعية الى الهيمنة على العالم قد سارعت بالاتجاه الذي كان يمكن ان يأخذ عقودا من السنين حتى يتطور وينضج . لقد اصاب الامم رعبا وصدمة بسبب الخطر الذي تشكله امريكا على الاستقرار العالمي فسارعت تنشد الامان بعيدا عن امريكا بدلا من ان تطلب حمايتها .

وكما كتبنا في مقالة سابقة :

كل خطة ومشروع يتبناه افراد او امم سوف يأخذ في الحسبان مشاهد امريكا العنصرية وهي تمطر نارا على شعب اضعف بابتهاج وزهو بهذه الجريمة .

وليس معنى هذا ان الولايات المتحدة كانت في أي وقت حارسا امينا للرأسمالية قبل ان يستولي القراصنة على السلطة في يناير 2000 ، لأن الحكومات الامريكية المتعاقبة ساعدت على اضعاف الثقة الدولية بعملتها (الدولار) من اجل اهداف سياسية واقتصادية قصيرة المدى ، مغفلة المصائر المتشابكة مع الدول الاخرى بضمنها الصفوة المتحالفة ، وقد وصفت واشنطن رئيس وزراء ماليزيا بأنه ( غير متزن) في ان العكس هو الصحيح .

كتب الصحفي وليام بيزيك يقول : ان احد اسباب تفضيل قادة مثل محاضير محمد في ماليزيا اليورو هو ان هذه العملة ليس لها اجندة محلية فواشنطن اعتادت على تصعيد وتخفيض الدولار اعتمادا على احتياجاتها الاقتصادية . في بداية التسعينات كانت تفضل دولارا منخفض القيمة لتحفيز التنمية ، ثم بعد سنوات فضل البيت الابيض دولارا مرتفع القيمة لجذب رؤوس الاموال الاجنبية ، وبما ان 12 دولة اوربية تستخدم عملة واحدة فإنها اقل عرضة لاستخدامها في اجندة سياسية لايمكن التكهن بها . كما ان البنك المركزي الاوربي هو الذي يتحكم في العملة وليس السياسيين .

اما في امريكا فإن رئيس هيئة الاحتياطي الفيدرالي آلان جرنيسبان اعتاد ان يتلاعب بالعملة حسب رغبات الادارة الامريكية الموجودة لأن اللعب بعملة العالم يحسن مظهر الساكن في البيت الابيض في عيون الناخبين الامريكيين.

وهكذا ساعد سلوك امريكا على خلخلة نظام التجارة العالمي . ولكن المخططين الاقتصاديين والبنوك المركزية في العالم يسعون نحو الاستقرار قبل كل شيء فلا احد يحب المشاكل التي يمكن ان يسببها شيء من الابتعاد عن الدولار او مايمكن ان يجلبه ذلك من انتقام امريكي ، فالولايات المتحدة معروفة بكونها امة تقتل من اجل ان تقضي على كل مالا يناسبها . وقد ادرك العالم الان ان رجال بوش جادون حقا في موضوع القرن الامريكي الجديد ، وان عصبة بوش / تشيني / رامسفيلد ليس سوى نموذج اخر من (الفتوات) ورعاة البقر الاغلاظ وان الهوس الامريكي بعد 11 ايلول/سبتمبر كان اشبه بالهمجية منها صرخة ألم قومية.

لقد اصبح حديث اليورو اكثر انتشارا بعد قول بوش (معنا او ضدنا) في تشرين الثاني /نوفمبر 2001 وما أعقبه من اعلان الحرب على محور الشر . وقد بدأ المصرفيون الدوليون الحذرين يتحدثون عن تجارة النفط بموجب سلة عملات . ولكن الولايات المتحدة كانت مصممة على ان يكون الدولار هو العملة الدولية الى الابد ، وهكذا قرر القراصنة ان الاستحواذ على حقول النفط في الشرق الاوسط وتدمير العراق سوف يعلم العالم الا يعبثوا مع الدولار مرة اخرى .

الصراخ بالحقيقة

لقد كان القراصنة على خطأ . ان التمرد على الدولار يكاد يصبح حركة رفض عالمي ويترجم بسرعة في ردة فعل دفاعية موحدة ضد المجانين في البيت الابيض . ان اندونيسيا وماليزيا يتحدثان بصراحة اكثر من الدول الاخرى .
ولكن هيهات ان يفهم رجال بوش ان اعتداءاتهم على الاستقرار الدولي ستجلب لهم بلاء سوف يأتي كالصاعقة في صدمته وترويعه .

تقول كوندليزا رايس ( عاقبوا فرنسا ، تجاهلوا المانيا ، وسامحوا روسيا ) وهكذا تضمن ان تتسارع هذه الدول في خطتها لعزل الولايات المتحدة .
وينبح القرصان المؤسس وليام كريستول ( انتهزوا التأثير النفساني في فترة تنفس الصعداء مابين اعتداء مسلح وآخر ) ويصرخ مايكل ليدين ( استمروا في الهجوم السياسي ) على سوريا وايران .

ويعتقد رجال بوش ان هذه هي الدبلوماسية وان العالم يجب ان يكون ممتنا لهم . والمجتمع الدولي الذي لم تعد الولايات المتحدة عضوا حقيقيا فيه وانما حضورا خطرا عليه يناضل للدوران حول الامريكيين بخلق هياكل جديدة للتجارة والتعاون .

يعتقد القراصنة انهم يحملون ورقة الكوتشينة الرابحة : نصف جيوش العالم تحت ادارة واحدة فائقة التكنولوجيا ، ولكنها اداة مثلومة ذات استعمالات ضيقة ، فالقنبلة الحقيقية تقبع تحت عتبة امريكا وسوف يتمزق الدولار عندما يشرع ملايين الافراد والمؤسسات في الهرولة الى الاتجاه الاخر.

ان الاستقرار هو الذي جلب رأس مال العالم الى الولايات المتحدة ، والان لقد حول رجال بوش الولايات المتحدة الى ماكنة رهيبة من عدم الاستقرار، والقراصنة يصرخون بالتهديدات على كرة الجليد فوق قمة الجبل وسوف يدهشون عندما تسقط الكرة من القمة على رؤوسنا.


المصدر : موقع blackcommentator

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق