الثلاثاء، 15 فبراير، 2011

كيف تبيع الحرب إعلاميا

بقلم : جيفري سانت كلير

ترجمة: بثينة الناصري

المقالة مقتطعة من كتاب كوكبرن وسانت كلير الجديد "زمن النهاية : موت السلطة الرابعة"

لن نتذكر كيف شنت الحرب على العراق بقدر تذكرنا كيف تم تسويقها. كان حرب بروباغندا ، حرب ادارة الوعي، حيث تقذف اطلاقات الجمل المثقلة بالايحاءات مثل "اسلحة دمار شامل" و "دولة مارقة"  على الجمهور المستهدف : نحن.

من اجل ان تفهم حرب العراق لا تحتاج ان تستشير جنرالات ، ولكن نساجي القصص ومديري العلاقات العامة الذين نصبوا المسرح تمهيدا للحرب من اروقة واشنطن حيث يتعايش جواسيس السياسة والاضاليل والحرب النفسية.


تأمل رحلة دوسيه العراق الذي تشبث به توني بلير ، من موقع طالب جامعة الى عملية قص ولصق في الخطاب الفخيم لرئيس الوزراء امام مجلس العموم. وقد دفع بلير العنيد وذلق اللسان ثمنا لمبالغاته الحمقاء . اما بوش الذي سرق فقرات كاملة من خطاب بلير من اجل تقديم قضيته بببلاهته المعتادة ، فقد انزلق بمهارة عبر العاصفة . لماذا ياترى ؟

على عكس بلير ، لم يسع فريق بوش الى تقديم قضية قانونية لتبرير الحرب. لم يكن لديهم الدافع لدعم اتهاماتهم ضد العراق بما يجعلها تتماسك كدليل يعتد به. كان الجهد الحقيقي موجه الى تصعيد مزاج الحرب لدى الرأي العام باستخدام سايكولوجية الخوف .

لم تكن الحقائق شيئا مهما في نظر فريق بوش.  كانت شذرات يسهل التخلص منها متى شاءوا واستبدالها باي مبرر يميل كفة الاستفتاءات الى ميزانهم . فالحرب كانت بسبب اسلحة الدمار الشامل في اسبوع وبسبب القاعدة في الاسبوع التالي . وحين لايؤثر اي من المبررين على الارض ، يصبح المبرر المقابر  الجماعية (وكثير منها يعود الى الحرب العراقية الايرانية التي كانت الولايات المتحدة تناصر العراق فيها ) للدلالة على ان صدام حسين كان رجلا شريرا يستحق الاطاحة به . كان شعار ماكنة العلاقات العامة البوشية هي : تجاوزوا واستمروا . لا توضحوا . قولوا اي شيء لاخفاء بشاعة الدوافع الحقيقية للحرب. لا تنظروا الى الخلف ابدا. اتهموا المشككين بانهم خونة للوطن. وفي النهاية حتى وولفوفتز الحذر اعترف بان  المبرر الرسمي للحرب اصطنع خصيصا لجعل  الغزو سائغا وليس لتبريره .

كان المطبلون لبوش من صقور المحافظين الجدد ينظرون الى حرب العراق كمنتج وبالضبط مثل موديل جديد من احذية نايكة ، تحتاج الى حملة دعاية من اجل اغراء المستهلكين . استخدمت نفس الاساليب (وعادة نفس اساطين العلاقات العامة)   في تسويق السجائر والسيارات رباعية الدفع و مقالب النفايات الذرية ، كذلك  لتسويق حرب العراق . من اجل بيع الغزو، عيّن دونالد رامسفيلد وكولن باول وبقية الزمرة اشهر مستشاري ا لدعاية في مناصب عليا في البنتاغون والخارجية. وسرعان ما اصبح لهؤلاء المضللين القول الفصل في كيفية اختلاق مبررات  الحرب على العراق، بدلا من وكالات الاستخبارات والدبلوماسيين المحترفين . فإذا كانت  المعلومات الاستخباراتية لا تناسب النص، يمكن تغييرها او طمسها .

خذ مثلا ، شارلوت بيرز التي اختارها باول وكيلة لوزارة الخارجية في عالم مابعد 11/9 . لم تكن بيرز دبلوماسية . بل لم تكن حتى سياسية . كانت اسطورة في الدعاية والاختلاق وكانت تسمى في صفحات البنزنس والاشاعات "ملكة ماديسون افينيو" . وقد صعدت على اكتاف حملتين دعائيتين احداهما عن رز ( انكل بين) والاخرى عن شامبو (هيد اند شولدرز) ضد القشرة ، مثل صاروخ الى قمة عالم الدعاية والاعلان  رئيسة لدارين عملاقتين من دور الدعاية : اوغليفي و ماذرز اضافة الى جي والتر تومبسون .

في وزارة الخارجية ، عملت بيرز التي التقت باول في 1995 حين عملا معا في مجلس ادارة شركة جلف ايرستريم gulf airstream ، وكما يقول باول في "صياغة سياسة خارجية امريكية جديدة" وقد انتزعت اكثر من 500 مليون دولار من الكونغرس من اجل "حملة وسمة امريكا – brand America  " التي كانت تركز بشكل كبير على بث البروباغندا  الامريكية في العالم الاسلامي وموجهة على الاخص الى مراهقيه.

كانت بيرز تقول " ان الدبلوماسية العامة هي ذراع حيوي جديد سوف يقاتل الارهاب مع الوقت . فجأة نجد انفسنا ملزمين باعادة تعريف من هي امريكا ليس فقط لانفسنا وانما للعالم الخارجي." لاحظوا الاهتمام الذي توليه بيرز لاستغلال الوعي والادراك على عكس مثلا  السعي  لإحداث تغيير حقيقي في السياسة الامريكية.

ان الدبلوماسية العتيقة تتطلب اتصالات مباشرة بين ممثلي الامم وعملية اخذ وعطاء مثيرة للجدل ، مغلفة عادة بالخداع (انظر ابريل جلاسبي) ولكنها تظل عملية تبادل آراء على اية حال. اما الدبلوماسية العامة كما تعرّفها بيرز فهي شيء مختلف تماما . انه طريق باتجاه واحد ، دعاية امريكية من جانب واحد تبث مباشرة الى الجمهور الداخلي والدولي ، نوعا من القصف الكثيف غير الرسمي .

كانت افكار حملاتها بلهاء ومهلهلة مثل المؤتمرات الصحفية لبوش. غزو امريكا لافغانستان والعراق هو لسبب وحيد : تحرير المقهورين.  ومن هنا اطلاق تسمية "عملية حرية العراق" على الحرب الامريكية حيث صورت صواريخ كروز كأنها رموز التحرير . حتى بوش نفسه فسر معادلة بيرز في جوهرها العجيب "هذه حرب   من اجل السلام ".

وقد استقالت بيرز بهدوء من منصبها قبل  اسابيع قليلة  من دك بغداد بصواريخ توماهوك . من وجهة نظرها كان الانتصار قد تحقق في الحرب بالاعلام  اما الالعاب النارية للصدمة والترويع فهي مثل ملاطفات مابعد العملية الجنسية.

وفي البنتاغون جند دونالد رامسفيلد فكتوريا (توري) كلارك مديرة للشؤون العامة . وكانت كلارك تعرف كيف تلعب بالخيوط  داخل المؤسسة السياسية في واشنطن. وقبل ان تصبح بوقا لرامسفيلد كانت على رأس احدى اعظم شركات سمسرة السلطة في العالم : مكتب واشنطن لشركة هيل و نولتون Hill and Knowlton (الشركة التي لفقت قصة حضانات الاطفال المتبسرين والبطة الغارقة بالزيت وقصة نيرة وغيرها في حرب الكويت – المترجمة)

وحالما استقرت في منصبها ، عقدت كلارك اجتماعات دورية مع مجموعة منتقاة من افضل مستشاري العلاقات العامة والدعاية وجماعات الضغط في واشنطن لتطوير خطة تسويق لحروب النبتاغون المرعبة القادمة  . كانت المجموعة تتكون من شخصيات الوزن الثقيل من كلا الحزبين . وكانت تسميها "مجموعة رامسفيلد" وفيها شيلا تيت مديرة علاقات عامة وكاتب الاعمدة الصحفية رتش لوري والمستشار الجمهوري السياسي ريتش غالين .

ومن ذوي الفكر كان في المجموعة تومي بوجس الديمقراطي شقيق كوكي روبرتس في اذاعة NPR وابن نائب لويزيانا هيل بوجس . وفي الوقت الذي كان فيه بوجس يناقش مع اعلى مسؤولي البنتاغون حول كيفية الدعاية للحرب على الارهاب ، كان يعمل بحماسة مع العائلة المالكة السعودية. في عام 2002 وحده دفع السعوديون لشركة كورفيس للعلاقات العامة مبلغ 20.2 مليون دولار لحماية مصالحهم في واشنطن. ففي اعقاب التغطية الصحفية المعادية بعد الكشف عن هوية مختطفي الطائرات في احداث 11 ايلول ، كانت العائلة المالكة تحتاج الى كل ما تستطيع شراؤه من المساعدات المناسبة. ويبدو ان اموالهم لم تذهب هباء . فيمكن لتسويق بوجس الفعال ان يفسر سبب اسقاط الاتهامات عن السعوديين بتمويل القاعدة من التقرير الكونغرسي الاخير حول التحقيقات في فشل الاستخبارات في تفادي 11 ايلول.

طبقا لمطبوعة "بي آر ويك " التجارية ، ارسلت مجموعة رامسفيلد "استشارة " للبنتاغون تقول لكلارك ورامسفيلد بانه من اجل تسويق الحرب على الارهاب  للرأي  العام الامريكي ، عليهم ان يقترحوا صلة لدول وليس فقط لجماعات مثل القاعدة. بكلمات اخرى ، يحتاجون الى ايجاد هدف ثابت للحملات العسكرية ، اماكن بعيدة لاسقاط صواريخ كروز والقنابل العنقودية . واقترحت المجموعة  فكرة (كانت تطوف  اصلا في ذهن رامسفيلد) اعتبار ما تسمى الدول  المارقة على انها  المخطط الحقيقي للارهاب. وهكذا خلق (محور الشر) ، وفي الواقع لم يكن محورا ابدا طالما ان اثنين من هذه الدول : ايران والعراق تكره احداهما الاخرى ولم تكن لأي منهما علاقة مع الثالثة : كوريا الشمالية .

سفحت عشرات الملايين من الاموال الفدرالية على شركات العلاقات العامة والاعلام من اجل تلفيق واذاعة الخطاب البوشي الذي يقول انه من الضروري اقتلاع صدام قبل ان يفجر العالم  باسقاط قنابل كيماوية ونووية من طائرات مسيرة بعيدة المدى. الكثير من هؤلاء رؤساء شركات العلاقات العامة ومستشاري الدعاية كانوا اصدقاء   قدامى للحلقة الضيقة حول بوش . وبالتأكيد كانوا محاربين قدماء مثل تشيني وباول في الحرب السابقة ضد العراق ، وهي كانت ايضا حربا قائمة على الاكاذيب .

على رأس القائمة جون ريندون رئيس شركة في واشنطن اسمها ريندون جروب . ريندون كان واحدا من اقوى الضاربين في واشنطن وهو (بتاع كله) الذي لم يكن يسمح بأي ارتباط حزبي يقف في طريق اي مهمة . ريندون خدم كمستشار اعلامي لمايكل دوكاكيس وجيمي كارتر اضافة الى ريغان وبوش الاب. كلما اراد البنتاغون ان يشن حربا ، يعرض خدماته مقابل سعر . خلال عاصفة الصحراء كسب ريندون 100 الف دولار بالشهر من العائلة المالكة الكويتية.  وأتبع ذلك بعقد قيمته 23 مليون دولار مع السي آي اي لانتاج بروباغندا مضادة لصدام في المنطقة .

وكجزء من مشروع السي آي اي هذا ، خلق ريندون وسمى المؤتمر الوطني العراقي واقترح صديقه احمد الجلبي ، المصرفي المريب، لرئاسة المنظمة.

بعد 11 ايلول بوقت قصير ، سلم البنتاغون لشركة ريندون مهمة دعائية كبيرة اخرى لقصف افغانستان . وقد انغمس ريندون في التخطيط والدعاية للحرب الوقائية ضد العراق رغم ان كلا من ريندون والبنتاغون رفضا الافصاح عن تفاصيل عمل الشركة في هذا المجال.

ولكن ليس من الصعب اكتشاف لمسات ريندون خلف الكثير من احداث الحرب على العراق الدرامية بضمنها اسقاط تمثال ساحة الفردوس (بواسطة القوات الامريكية وجماعة الجلبي) و تصوير عراقيين مهللين يحملون الاعلام الامريكي حين كانت فرقة المشاة الثالثة تمر امامهم . وكان ريندون قد فعل الشيء نفسه في الحرب الاولى حين اعطى الكويتيين اعلاما امريكية وقاد قطيع مراسلي الاعلام لتصوير التظاهرة المدبرة. قال ريندون عن ذلك في 1991 "من اين تعتقدون انهم اتوا بالاعلام الامريكية ؟ تلك كانت مهمتي "

وقد تكون شركة ريندون قد لعبت دورا في دفع المعلومات المزيفة التي اصبحت مثل لعنة على ادارة بوش . في كانون الاول 2002 كتب روبرت درايفوس بان الحلقة الضيقة في البيت الابيض كانت تفضل المعلومات الصادرة عن الجلبي ورفاقه من تلك التي يقدمها محللو وكالة المخابرات المركزية.

اذن كانت مهمة ريندون وامثاله تقديم نوعا جديدا من الحرب النفسية خارج الدائرة الرسمية ، اي خصخصة البروباغندا الرسمية ويقول عن نفسه " انا لست محلالا للامن القومي او تكتيكي عسكري . انا سياسي واشخص يستخدم الاتصالات لتلبي اهداف السياسة العامة او لصناعة اهداف السياسة . في الواقع انا محارب معلوماتي و مدير الوعي"

ماهي بالضبط ادارة الوعي ؟ البنتاغون يعرفها كالتالي "اجراءات لتوصيل  و /او اخفاء معلومات منتقاة ومؤشرات للجماهير الاجنبية للتأثير على عواطفهم ودوافعهم و ادراكهم المحايد" بتعبير آخر الكذب حول مقاصد الادارة الامريكية . وفي عرض نادر للصراحة على الملأ سمح البنتاغون بتسريب خطته التي طورها ريندون من اجل تأسيس وكر على مستوى عال داخل وزارة الدفاع لادارة الوعي. وقد اطلق عليه "مكتب التأثير الستراتيجي" ومن بين مهامه العديدة زرع قصص كاذبة في الصحافة.

لاشيء يحرك الاعلام السائد في غضبة للكرامة مثل مذكرة حكومية رسمية تتبجح حول كيفية استغلال الاعلام لتحقيق اغراض سياسية. وهكذا فإن نيويورك تايمز وواشنطن بوست اثارتا زوبعة حول مكتب التأثير الستراتيجي . فقام البنتاغون بانهاء العملية ، وانتفخت اوداج الصحافة بهذا النصر . ومع ذلك فقد ابلغ رامسفيلد فريق صحافة البنتاغون بانه رغم اقفال المكتب ولكن نفس العمل سوف يستمر "يمكنكم ان تستلموا الجثة . يمكنكم ان تأخذوا الاسم ، ولكني سوف استمر بعمل كل ما نحتاج عمله . وقد فعلت".

وعلى المستوى الدبلوماسي ، ورغم البنادق المؤجرة والقصص المزروعة فإن صورة الحرب قد ضاعت. فقد فشلت في اقناع حتى اشد الحلفاء حماسة والدول العميلة لامريكا بان العراق كان يشكل خطرا . وفشلت في احراز مباركة الامم المتحدة وحتى الناتو ، وهو تابع لواشنطن. وفي نهاية الامر ، تشكل حلفاء الراغبين من بريطانيا واسبانيا وايطاليا واستراليا وبعض دول الاتحاد السوفيتي السابق. وحتى مع ذلك كانت شعوب تلك الدول تعارض الحرب .

في الداخل كانت الحكاية مختلفة. اصبح الشعب  المذعور بتهديدات الارهاب والاقتصاد المتردي فريسة سهلة لقصف بوش الاعلامي بان العراق دولة ارهابية ترتبط بالقاعدة و انها على وشك شن هجمات على امريكا باسلحة الدمار الشامل.

وقع  الامريكان ضحية نصب ذكي يسنده قصف يومي من تضخيم الخطر والتشويه و الخداع والاكاذيب، ليس حول تكتيكات او ستراتيجية او خطط الحرب وانما حول مبررات الحرب. لم تكن الاكاذيب تهدف الى ارباك نظام صدام حسين وانما الشعب الامريكي . مع بداية الحرب كان 66% من الامريكان يعتقدون ان صدام حسين كان وراء احداث 11 ايلول و 79% يعتقدون انه كان على وشك الحصول على سلاح نووي.

وبالتأكيد كان  اقرب شيء وصله العراق بخصوص امتلاك قنبلة نووية هو طارد غاز صديء مدفون لمدة 13 سنة في حديقة مهدي العبيدي وهوعالم عراقي متقاعد. لم يكن في العراق اية اسلحة كيماوية او بيولوجية فاعلة . في الواقع ، لم يكن يملك حتى اي صواريخ سكود رغم روايات البنتاغون حول صواريخ سكود التي اطقت على الكويت.

لم تكن هذه الاستعرضات ستنجح لولا كتائب الصحافة المتواطئة . وقد وصفت فكتوريا كلارك التي طورت خطة البنتاغون للصحافة المرافقة للجيش ، ذلك  بوضوح قبل عدة اسابيع من الحرب :" سوف تشكل  التغطية اعلامية لأية عملية مستقبلية الوعي  الشعبي الى حد كبير"

خلال حرب الفيتنام ، ساهمت صور الجنود المعوقين والقرى المضروبة بالنابلم  في دعم المعارضة للحرب وساعدت في تسريع  انسحاب  الجيش الامريكي . وقد قصدت عصابة بوش على قب ظاهرة فيتنمام رأسا على عقب باستخدم التلفزيون كقوة لدفع الولايات المتحدة في حرب لا يريدها احد في الواقع.

ماكان البنتاغون يسعى اليه هو نوع من حرب الصالونات حيث يمكن السيطرة على الصور التي يتفرج عليها الامريكان بدلا من صور الجنود القتلى والاطفال العراقيين الموتى ، والى حد كبير السيطرة على محتوى الاخبار . وبعملية ارفاق المراسلين مع فرق معينة من الجيش ، كانت كلارك تعتقد ان البنتاغون يستطيع بهذه الطريقة ان يعتمد على ان يقيم المراسلون  علاقات انسانية مع القوات الى حد الشعور بالاعتماد في حياتهم وأمنهم عليهم.  وقد نجحت الفكرة بطبيعة الحال . احد المراسلين لشبكة التلفزيون الوطنية قال ان الجيش الامريكي هو "حامينا" . وقد اعترف المراسل الراحل ديفد بلوم في ان بي سي ، على الهواء بانه مستعد " لعمل اي شيء وكل شيء يطلبه الجيش منه ".

وهكذا حين احتاج البنتاغون الى قصة بطولية ، قامت الصحافة بالواجب . واصبحت جيسيكا لينج اول نجمة فورية للحرب .كانت اسطورتها : امرأة شجاعة اصيبت في معركة شرسة واسرها عدو لايعرف الرحمة ولكن   فريقا من منقذين ابطال ضحوا بأرواحهم لانقاذها من الموت . وكانت الصورة التلفزيونية تنقل فرسان مدرعين ويضعون نظارات الرؤية الليلية . وقد اتضح فيما بعد ان كل تفاصيل مغامرتها البطولية كانت كاذبة وملفقة . ولكن محنة الجندية لينج التي هيمنت على الاخبار لمدة اسبوع  كانت صالحة للغرض الذي اطلقت من اجله : تحويل الانتباه عن حملة عسكرية متعثرة بدأت تبدو  اخطر مما  صورتها الادارة الامريكية للشعب الامريكي .

وقد تلقفت الصحافة النهمة قصة لينج ضمن عملية بنتاغون اسمها (كاميرة قتالية) وهي شبكة مصوري الجيش والمحررين الذين كانوا يرسلون 800 صورة و 25 لقطة فيديو في اليوم الى الاعلام .  وكانت مهمة المحررين في عملية(كاميرا قتالية) combat camera  يراجعون الافلام لعمل مونتاج يناسب البنتاغون حاذفين مشاهد غير مريحة مثل الاضرار الثانوية (الضحايا العراقيين ) و القنابل العنقودية والاطفال والجنود القتلى و ضربات النابالم والقوات المتذمرة.

وقد تنبأت اللفتنانت جين لاروج مديرة (كاميرا قتالية) في العراق "الكثير من صورنا سوف يكون لها اثر كبير على الرأي العالمي). وكانت محقة في ذلك . ولكن حين تحولت الحرب الساخنة الى احتلال اشد سخونة ، سعى البنتاغون ، رغم خطاب حاكم الاحتلال بول بريمر حول اقامة مؤسسات ديمقراطية مثل الصحافة الحرة ، الى تشديد القبضة على احتكار تدفق الصور الخارجة من العراق . اولا حاول اغلاق قناة الجزيرة القناة الاخبارية العربية . ثم  اعلن البنتاغون انه يود طرد كل فرق الاخبار التلفزيونية الاجنبية  من بغداد.

ونفخت بعض الصحف في التهديد الذي تمثله اسلحة الدمار الشامل العراقي كما فعلت الواشنطن بوست .  في الاشهر السابقة للحرب ، كانت نسبة الافتتاحيات في البوست المؤيدة للحرب الى المناهضة هي 3 الى 1 .

وعديد من الصحفيين القارعين طبول الحرب على العراق كانوا قبل سنوات يقفون موقفا مناقضا . خذ مثلا الكاتبة لورا ميلروي التي تصر على ان العراق كان وراء تفجير مبنى اوكلاهوما في 1993.

كيف تغيرالزمان ! في 1987 كانت ميلروي تشعر بالتعاطف مع صدام وقد كتبت مقالة في "نيو ريبابلك" بعنوان (العودة الى العراق: حان الوقت لتغيير السياسة الامريكية في الشرق الاوسط" وقد جادلت فيها ان على الولايات المتحدة احتضان نظام صدام العلماني كحاجز امام الاصولية الاسلامية في ايران . وكان المؤلف الذي شاركها هذا الرأي هو دانيال بايبز الذي يعتبر اليوم اشد المصابين الامريكيين بمرض الاسلام فوبيا.  وقد كتبت مالروي وبايبز " تشمل الاسلحة الامريكية التي يمكن ان يستخدمها العراق ، الالغام المضادة للبشر و الرادار الكاشف للمدفعية. ويمكن للولايات المتحدة ايضا زيادة المعلومات الاستخباراتية التي تزود العراق بها "

في التحضير للحرب ، ظهرت ميلروي في كل الوسائل الاعلامية للحض على غزو العراق. كانت تظهر غالبا في قناتين او ثلاث في نفس اليوم . كيف يمكن للمراسل ان يصل الى هذا الانجاز ؟ كانت تساعدها الينا بينادور نجمة الاعلام التي تدير رابطة بينادور . منمواليد بيرو ، وضعت بينادور مهارتها كلغوية في مهنة مربحة مثل تسهيل العلاقات الاعلامية لصفوة السياسة الخارجية في واشنطن . وهي ايضا تشرف على منتدى الشرق الاوسط وهو طاحونة فكر صهيوني . ومن زبائنها بعض اهم صقور الامة مثل مايكل لدين وتشارلس كروثامر وال هيج وماكس بوت ودانيال بايبز وريتشارد بيرل وجودي ميلر. وخلال حرب العراق كانت مهمة بينادور زرع هؤلاء المتحسين للحرب في وسائل الاعلام ، وفي برامج الحوارات وصفحات الرأي .

ولم تكتف بينادور بذلك وانما كانت هي التي تقترح المواضيع وتراقب لئلا يخرج الضيوف عن النص . وتقول عن ذلك :" هناك بعض الاشياء ، عليك ان تقولها بشكل مختلف ، مختلف قليلا واذا لم تفعل ذلك سيفزع الناس " سيفزعون من نوايا حكومتهم .

كان يمكن للاعلام  ان يتناول قضية الحرب بشكل مختلف ، كأن يفضح  ثقوب نسيج بيت العنكبوت الذي غزلته الادارة الامريكية  في تبرير الحرب ، ولكن بدلا من ذلك تصرفت الصحافة الامريكية مثل شركات النفط ، فقد سعت للتربح من حرب العراق والاستفادة من الغزو . لم يكن هاجسهم الوقائع غير المريحة او تقديم اصوات معارضة.

لاشيء يوجز هذه المقاربة بشكل كاشف فاضح مثل طرد   فيل دوناهيو مقدم احد برامج الحوارات الحرة  في   MSNBC عشية الحرب.  وقد استبدلت الشبكة برنامجه (عرض دوناهيو) ببرنامج اسمه (العد التنازلي:العراق) وهو يقدم الشكل المعهود من تحليلات العسكريين المتقاعدين ومسؤولي الامن وآخرين من المطبلين للغزو . وقد وضع رؤساء الشبكة اللوم في الغاء برنامج دوناهيو على قلة مشاهديه . في حين ان الواقع يقول شيئا مخالفا ، فخلال حياة البرنامج كان عدد المشاهدين اكثر من اي برنامج آخر على الشبكة. وقد توضح  السبب الحقيقي لهذه الضربة الوقائية على دوناهيو في مذكرة داخلية رؤساء شبكة ان بي سي القلقين . تقول المذكرة ان دوناهيو  يقدم واجهة صعبة للشبكة في زمن الحرب فيبدو انه يستمتع باستضافة ضيوف مناهضين للحرب ومناهضين لبوش ويسودهم التشاؤم والتشكك بدوافع الادارة الامريكية."

وقد حذرت المذكرة من ان برناج دوناهيو يعرض الشبكة لخطر وصمها باللاوطنية  وانها "مكان لاجندة الليبراليين مناهضي الحرب في نفس الوقت الذي يلوح به منافسونا بالعلم في كل مناسبة" وهكذا وبدون نظرة ثانية ، ركلت الشبكة دوناهيو ورفعت علم  المعركة.

ان مبيعات الحرب تكسب .

ولكن لابد من التحذير منعا سوء الفهم : هذه البضاعة  لا تسترجع ولا تستبدل . .



جيفيري سانت كلير مؤلف كتاب "كان اللون بنيا لفترة طويلة حتى ليبدو خضر في عيني : سياسات الطبيعة" وكتاب "السرقة الكبرى : البنتاغون" وكتابه الاحدث "زمن النهاية: موت السلطة الرابعة" بالمشاركة مع المؤلف اليكساندر كوكبرن

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق