الثلاثاء، 15 فبراير، 2011

سقوط الامبراطورية الامريكية (3-3)

 الجزء الثاني هنا
بقلم: يوهان غالتونج
ترجمة بثينة الناصري

نشرت الترجمة في 20 كانون الثاني 2004


لماذا واين ومتى وكيف وعلى يد من تنهار وتسقط الامبراطورية؟
7- والانهيار والسقوط؟

انظر الى التناقضات الاربعة عشر ثم انظر الى تعريف الامبراطورية . ان طريقة حل هذه التناقضات التي تقضم قلب النظام بسيطة جدا :
للتناقضات الاقتصادية الثلاثة : قلل او حتى اوقف الاستغلال!

للتناقضات العسكرية الاربعة : قلل او حتى اوقف القتل!

للتناقضين السياسيين : قلل او حتى اوقف الهيمنة!

للتناقضات الثقافية الثلاثة : قلل او حتى اوقف الطرد!

للتناقضين الاجتماعيين : قلل او حتى اوقف المذكوراعلاه!

مع كل تقليل ، وحسب التعريف ، تنهار الامبراطورية الامريكية. وعند كل توقف تتساقط الامبراطورية الامريكية. اوقف كل الاربعة ، وتختفي الامبراطورية الامريكية، ورغم ان بعضها يظل يعيش ولكن كفضالة مثل الامبراطورية الروسية في الشيشان والامبراطورية البريطانية في العراق. واكثر الامثلة الحديثة دراماتيكية هو انحلال الامبراطورية الفرنسية: كان ديغول من العظمة بحيث ينهي هو بنفسه الامبراطورية (ماعدا وجودها في الباسيفيكي واماكن اخرى) ومثلما حدث مع الامبراطوريتين الروسية والبريطانية ، ولد عدد من الدول المستقلة. ومن رحم الامبراطوريات الغربية ولد عالم جديد في الستينات و من الامبراطورية الروسية في التسعينات.

ليس سوى الاغرار هم الذين يعتقدون ان العالم الجديد سيكون الجنة على ا لارض. ان انظمة جديدة تظهر ولكنها تحمل تناقضاتها. وقد استنتج حكام الامبراطوريات البريطانية والفرنسية والسوفيتية ان التكاليف اكثر من الغنائم. والبعض قد يستنتج ان تكاليف السقوط بضمنها الاطراف تتجاوز المكاسب. وهذا طبعا يعتمد على النظام الذي يعقبها ، البديل. ان هذا الكاتب يفضل القيادة العالمية للامم المتحدة وليس امبراطورية الاتحاد الاوربي. ولكن هذه قصة اخرى.

اعتمدت الامبراطوريتين البريطانية والفرنسية على مستعمرات (ماوراء البحار) اما الامبراطوريةالسوفيتية فقد اعتمدت على اتحاد قيصري/ بولشفي متجاور والامبراطورية الامريكية تعتمد على ماقاله مخطط البنتاغون ، واطراف الامبراطورية غير الامريكيين هم الدول (المستقلة). وهذا يربك الذين يرتبط مفهوم الامبراطورية لديهم بـ (المستعمرات) وليس الدول المستقلة. وآخرين ممن يرتبط المفهوم لديهم بمناطق (ماوراء البحار) وليس المجاورة. وآخرون قد يصابون بالحيرة لأن ثلاثة من هذه المراكز هي دول ديمقراطية غربية فوق شبهة ارتكاب اخطاء كبيرة. ان التعريف الذي افتتحنا به هذه المقالة يعتمد على علاقة تبادل غير متكافيء بين المركز والاطراف، وليس على جغرافية او قطبية المركز.

ان التبادل غير المتكافيء المقسم الى اربعة مكونات، هو التناقض الجذري للامبراطورية كنظام. ومن التناقضات العميقة الاربعة تنبثق التناقضات السطحية الاربعةعشر، وهي الواضحة للجميع وعادة ماتكون موضوعا للصحافة. بعكس التناقضات العميقة. اذن النموذج الاساسي الذي ناقشناه حتى الان هو :

4 تناقضات عميقة توحي بـ 14 تناقض سطحي.

واثناء نضوج هذه التناقضات الاربعة عشر وتزامنها وتكاتفها ، قد يرخي المركز قبضته على الاطراف في حركة واعية متنورة كما فعل ديغول او نشاهد انحلال الامبراطورية ببطء كما حدث مع بريطانيا او بسرعة كما في الاتحاد الاسوفيتي. اذن ايتها الولايات المتحدة الاميركية : اختاري مايناسبك !

ولكن الولايات المتحدة الامريكية تتصرف الان مثل فيل مجروح تضرب في كل الاتجاهات. هذه هي مرحلة غليان التحلل حيث العواطف تعيق التفكير العقلاني حول الواقع ومايجب فعله، وسوف يعقب هذه المرحلة ، مرحلة التجمد و (التخلي) كما فعل الاتحاد السوفيتي او كلينتون. ومن خصائص التحلل انه يتأرجح قبل ان يتوقف.

يمكن الان ان نتوسع في النموذج اعلاه :

(4) تعني (14) تعني انحلال تعني -(4 ) تعني -(14) . التناقضات الاربعة العميقة تؤدي الى التناقضات الاربعة عشر السطحية والانحلال وهذا يؤدي الى التخلي عن الامبراطورية وتفكك التناقضات الاربعة عشر. على اية حال : التناقضات الاربعة قد تكون لها جذور اعمق. اذن من اين يأتي الظلم؟ من رأسمالية محررة بلغت من الظلم انها تحتاج الى بعض الحماية العسكرية. ولكن من اين تأتي الرأسمالية ؟ وكل ذلك العنف ؟ من عقدة التفوق الثقافي وحق وواجب التبشير وبدون الاحساس بواجب تفهم الثقافات الاخرى وقد يتعلق هذا باحساس (شعب الله المختار) و(بلاد الله المختارة). ولكن من اين اتت هذه الفكرة ؟ وهكذا الى مالا نهاية. ان التناقضات الاربعة التي تعرف الامبراطورية الامريكية لم تأت من فراغ. يمكن ان يحدث هذا من خلال تلاشي الايمان بصلاحية الامبراطورية كنظام او بتعبير آخر : انحلال.

ويمكن ان يكون للتناقضات الاربعة عشر جذور اخرى . ان التناقضات الاقتصادية تأتي من الرأسمالية، كانت الولايات المتحدة عنيفة قبل الامبراطورية، قد يكره بعض اعضاء الاتحاد الاوربي الولايات المتحدة لأنها تقف عثرة في طريق طموحاتهم ، ونفس الشيء ينطبق على الثقافات المتنافسة مثل الاسلام الذي يريد توسيع (دار الاسلام) ، بعد الانتصار في المعركة (دار الحرب). ولكن البعض يقول ان العالم تحت الولايات المتحدة افضل من ان يكون تحت الاتحاد الاوربي او الاسلام.
وربما يكون في هذا شيء من الحقيقة ولكن المشكلة ليس في حصة الولايات المتحدة من كعكة العالم الرأسمالية ولكن ماتخلفه من قتل وهيمنة وطرد. وهذا ما يجب ان ينهار ويسقط ويختفي .
واذا اختفت الامبراطورية الامريكية ، سيظل هناك صراعات الطبقات والاجيال والجنس والامم ولكن اليوم تلك هي المشكلة الرئيسية.

قد تقوي التناقضات الاربعة عشر العزم على الحفاظ على الاربعة. في البداية واحدة بعد اخرى. نعم . قد تضاف مساحيق التجميل، وتجرى تسويات ويتم اسكات الناس الذين يشيرون الى التناقضات او الهزء بهم او مطاردتهم وقتلهم. ومن خصائص التناقضات بين الامم المقهورة والامم القاهرة انها تبرز مرة اخرى وتجد منافذ جديدة. ان المقهورين يواجهون قوة وحشية ولكن مايزيد عزمهم هو حلمهم بوطن يمكن تحقيقه وهو حلم لم يختبر ولم تغشاه التناقضات بعد بعكس الامبراطورية التي أختبرت ووجدت انها غير قابلة للتطبيق والاستمرار. ان الانحلال قد لايلغي التناقضات الاربعة . و مانتحدث عنه هنا هو تلاشي الايمان بقابلية تطبيق نموذج الامبراطورية الذي يبدأ بمظاهر الغضب الشديد اولا ثم بالتخلي عنها طواعيا او لا اراديا. اما ان يرخي المركز قبضته بارادته ، او تنزلق الاطراف من القبضة التي يعتريها الوهن. وفي كلا الحالتين يحدث الانهيار والسقوط.
على اية حال ، بعد مرحلة من الانحلال ، تقرر طبقة سياسية جديدة ان تتشبث بدلا من ارخاء القبضة كما تفعل الولايات المتحدة حاليا. ولكن كما هو معروف من ان دوام الحال من المحال ، فهذا من شأنه تأجيل المحتوم فقط.

ان إبطال الاربعة لايعني بالضرورة إبطال الاربعة عشر. وكما اسلفنا، هناك جذور كثيرة لكثير من التناقضات. وربما تجد تناقضا يخفي آخر. وقد يزدهر الاخير حين يذوي السابق. ولكن هذه المعرفة لن تمنع التناقضات من النضوج. اما فيما يتعلق الامر بالامبراطورية فهناك ضوء في نهاية نفق طويل وملتو. ولكن بعد ذلك النفق هناك انفاق جديدة.

8- عن التناقضات عموما:

المفهوم بحد ذاته يحوي تناقضات بمعنى الاجهاد بين المعاني. والعنصر المشترك هو نظام بعنصرين فاعلين والاجهاد يكون بين القوى. ولانفترض قوتين فقط وليس بالضرورة قوتين متضادتين او بنفس الحجم. والقانون الثالث لنيوتن مكتوب بهذه الطريقة : التعبير عن تناقض. ولكن هذه حالة خاصة .

قبل ان نناقش وجود قوتين او اكثر ، دعونا نفحص حالتي (0) و(1).

حتى مع حالة ابهام (القوة) فمن المنطق ان نضفي صفة (ميت) على نظام بلا قوة او حركة او ميول . والاعتراض هو انه هناك الكثير مما يحدث للجثة المدفونة : نعم (للـ) وليس (داخل). ان القوى هي من خارج النظام وليس من داخله كما يحدث في الكائن الحي.

دعنا نرى مثال الجري. الجسم يبذل طاقة والقوى المضادة تسرع بالاعلان عن نفسها بشكل تعب في محاولة لتغيير الحركة الى لا حركة نطلق عليها اسم (راحة). والنظير الميكانيكي يأتي بفكرة (ر) وهو محصلة قوة متغيرة تعكس حجم واتجاه كل القوى. وسوف يتحرك النظام او يتوقف مع محصلة القوة. (ر< 0) تعني تحرك و (ر = 0) تعني توازن و (ر >0) تعني نقص الراحة.

هل القوة تصاحبها دائما قوة مضادة؟ هل لابد من رد فعل على الفعل؟ وفي الانظمة صاحبة الرؤى المستقبلية هل يمكن ان يكون هناك فعل مؤيد لكل فعل متوقع؟ وفعل مؤيد للمؤيد؟ لقد وجدت هذه البديهية مفيدة جدا في تحليل الانظمة الاجتماعية والفردية. ولكني لا ارى سببا لافتراض ان رد الفعل والفعل المؤيد هما بالضرورة متضادان. فمن الممكن ان يكونا على خط واحد مع الفعل ،على الاقل ، دعم الفعل.

ان فكرة توائم (القوة - القوة المضادة) قد تؤدي بنا الى عدد قوى زوجي لأنها تأتي ازواجا وليست فرادى ولانقول ان الواحدة تؤدي الى او تولد الاخرى لأن ذلك قد ينتج اعدادا لامتناهية. وانما نفترض انها متزامنة: اي (تنشأ معا) كما قد تسميها نظرية المعرفة البوذية بدلا من قوة تولد التالية وهذه تولد التي بعدها وهكذا الى مالانهاية. ويمكن ان نشبهها بحزمة قوى تسبب بشكل ما الاجهاد داخل النظام .

ولكن دعونا ننتقل من الحديث العام عن (الانظمة) و(القوى) الى انظمة اجتماعية وفردية معينة. وقريب منها فكرة (الصراع) كاجهاد في الانظمة الساعية للاهداف بسبب انعدام الانسجام بين الاهداف. ويمكن بعدئذ ربط الاهداف بالحياة . اذا كانت الاهداف غير المنسجمة في نفس النظام فلدينا معضلة هنا. واذا في انظمة مختلفة فلدينا صراع هنا. اذا كان حامل الهدف واعيا بالهدف فهو لاعب اما اذا لم يكن واعيا فهو طرف. وهذا يأتي بنا الى الفرق الرئيسي بين التناقضات الذاتية (subjective) والموضوعية (objective).

يمر التناقض الذاتي وينعكس من خلال العقل البشري، مثل الفكرة/الوعي، والكلام/ النطق، والحدث/التحريك. ولكن ليس بالضرورة بهذا التتابع. وهذا مايفعله الفيلسوف الذي يتأمل ثم يكتب ثم - قد لايفعل شيئا. ومن الافضل ان نفترض التتابع المعكوس: اللاعب يتحرك للفعل حسب ما اعتاد عليه ثم يقول مايشعر انه يفكر به ثم يفكر مايشعر به. او اي تتابع اخر، ولكن في كل الاحوال يظل الوعي حاضرا.

بوجود هدفين يكون لدينا قوتان تسعيان للاهداف هما (أ) و(ب) وثلاثة احتمالات لمحصلة القوى ( ر = أ ) أ يكسب أو (ر = ب) ب يكسب او( ر= 0 )، او توازن وسط بين هذا وذاك وهو مانسميه (تسوية).

عند هذه النقطة ينهار التناظر ، ولاتنهي الحالات الثلاثة الاحتمالات. ولا تقضي على التناقض ، وفوز (أ) و(ب) لايعني ان الخاسر لم يعد لديه نفس الهدف اوهدف آخر غير منسجم مع هدف الرابح. مايزال التناقض موجودا تحت غطاء مرجل المهزوم. وقد تؤدي التسوية الى عدم رضاء الاثنين. فإذا كنا نصف التناقض بأنه (حاد) فإن افضل وصف للتسوية هو انها (مثلومة). ولكن كيف نتجاوز التناقض؟

طالما ان الاحتمالات الثلاثة تؤدي الى اجهاد منطق القوى المضادة داخل نظام ما ، فالجواب هو ( بتغيير النظام) . هذا هو ماواجهه غورباتشوف في حالة التناقض بين الامبراطورية السوفيتية والقوى الاجتماعية الرامية الى التغيير الجذري في المانيا الشرقية ، وهكذا تخلى عن المانيا الشرقية. ثم التناقض بين الشعب وصفوة الحزب في المانيا الشرقية، والذين سلموا لالمانيا الغربية فاحتوتهم. ونتيجة لذلك انهارت وسقطت الامبراطورية السوفيتية. ورغم ان المانيا الغربية قد احتوت المانيا الشرقية ولكن التناقض مازال قائما وان كان يجد له متنفسا بأشكال اخرى.

هذا مالم يستطع خلفاء غورباتشوف ان يفعلوه مع الشيشان. كل الذي فعلوه هو منعهم من الانتصار وليس تجاوز التناقض. ومن اجل تجاوز التناقض عليهم ان يتخلوا عن الشيشان وهو ماسيحدث اجلا او عاجلا.

من اجل تجاوز التناقض ، والتنفيس عن الضغط ، يجب تغيير النظام، وكلما كان التناقض اعمق كان الاحتياج اشد لتغيير النظام. ان الامبراطورية لاتتغير باضطهاد او الانتصار على طرف او حتى لاعب، هذا يجعل الامبراطورية اكثر امبريالية . ان تغير الامبراطورية يحدث عندما تقلل من امبرياليتها. وهذا بالتالي يؤدي ايضا الى انهيار وسقوط الامبراطورية.

ويمكن تخليص مراحل دورة حياة التنناقضات:

(0) تناقض موضوعي لايعتمد على الوعي
(1) تشكيل الوعي من خلال الفكر (داخل الذات)
(2) النطق من خلال الكلام (داخل الذات)
(3) التحريك من خلال الفعل (خاص و/او عام)
(4) الصراع بين اللاعبين المحركين

- عنبف او سلمي
- سريع او بطيء
- بدون او مع وساطة اطراف خارجية
- بمركزية اقل او اكثر

(5) نتائج الصراع

(أ) غلبة او تسوية - رجوعا الى المراحل من (0) الى (4)
(ب) تجاوز= واقع جديد

- تجاوز سلبي تحت لاعب جديد
- تجاوز ايجابي كازدواج جديد

خلال تتابع (1) - (2) -(3) يصبح طرف ما لاعب يسعى نحو هدف بأساليب مناسبة لحد ما ، منتقاة من (4).
و (5أ) لاينهي دورة حياة تناقض ما ، وانما يحكم غطاء فوقه كما اوضحنا في اعلاه.
اما (5ب) التجاوز فهو نهاية دورة حياة التناقض. وهذا لايعني انه نهاية / موت النظام لانه ربما مايزال يحوي متناقضات اخرى في مراحل دورة حياة مختلفة.

ان التجاوز هو خلق واقع جديد :
- التجاوز السلبي (لا هذا ولاذاك) والاهداف غير محققة.
- التجاوز الايجابي (كل من هذا وذاك) الاهداف محققة ، مع انعطاف.

خذ مثالا صراع الاكوادور وبيرو حول مكان رسم الحدود في منطقة متنازع عليها في جبال الانديز تبلغ مساحتها 500 كم مربع. وقد جرت بينهما ثلاثة حروب من اجل تسوية القضية. ان انتصار احد الطرفين والحاق المنطقة بالاراضي الوطنية له هو (غلبة) ، اما رسم الحدود مثلا عند خط وقف اطلاق النار هو (تسوية). اما التجاوز السلبي فهو وضع المنطقة تحت اشراف الامم المتحدة وبذلك خلق واقع اجتماعي جديد. ويمكن ان يكون التجاوز الايجابي منطقة مشتركة للشعبين بدون احتكار دولة لهذه المنطقة . هذا واقع جديد. وكلا الواقعين والنظامين الجديدين يمكن بدورهما ان ينتجا تناقضاتهما الخاصة.

لقد حان الوقت لاستكشاف العلاقات الاجهادية بين التناقضات الذاتية والموضوعية.

ان النظام الاجتماعي يضم اختلافات بين الاصناف - مثل الجنس والاجيال والاعراق والطبقات والقوميات و الاراضي. وتصبح هذه العلاقات فيما بعد علاقات في نظام داخلي الفعل. والتي تصبح فيما بعد خطوط الصدع ، وذلك لأن الفعل الداخلي يعتمد عادة على شروط غير متساوية ، مما يمكن ان يؤدي الى القطبية وهيكل قائم على التمييز العنصري تصاحبه ثقافة تحيز. وكل المجتمعات المعروفة تحتوي على شيء من هذه اللامساواة والظلم.

وتستخدم الامبراطورية مثل هذه الهياكل والثقافات كحجارة بناء ويمكن ان تصبح نظاما ذا طبقيتن او اكثر يربط معا خطوط الصدع الداخلية والعالمية. هناك مركز واطراف في النظام العالمي للدول . داخل المركز وداخل الاطراف هناك ايضا مراكز واطراف ، وكل الانظمة الثلاثة يمكن ان تعتمد على منطق الظلم الرباعي.

ان مسمار دولاب النظام هو التناغم بين المركز (الصغير) في (المركز الكبير) والمركز (الصغير) في الاطراف . والولايات المتحدة حاليا (صيف 2003) تحاول اعادة بناء مركز (صغير) عراقي متناغم مع مركزمصالح الدولة/ الشركات . وينبغي على المركز العراقي ان يؤدي المهام الاربعة محليا ويسلم ثمار تبادل غير متكافيء مثل القيمة الاقتصادية ، والارهابيين المطلوبين والانصياع والتكيف مع المركز الكبير (امريكا وبريطانيا) مع الاحتفاظ بعمولة سمسرة. ويكافأ العراقيون بمستوى معيشة مادي يشابه الموجود في الولايات المتحدة .

ماوصفناه آنفا هو امبراطورية بسيطة تربط ثلاثة انظمة ذات تبادل غير متكافيء اثنان منها محلي وواحد عالمي. ولكن الامبراطورية الامريكية معقدة ، وبكونها مهيمنة على العالم فليس هناك نظام محلي منفصل عن تلك الامبراطورية . الامبراطورية الاوربية تربط 15 (ستصبح 25) دولة (مركز) مع 100 دولة اطراف ولكن بشكل ناعم.

هناك تقسيمات اخرى غير خطوط الصدع في المجتمع المحلي والدولي مثل مابين الاحزاب السياسية في المجتمعات الديمقراطية نوعا ما، ومجموعات الدول في نظام عالمي غير ديمقراطي . ان الحركات الاجتماعية والتناقضات الذاتية الواعية الى حد ما يعبر عنها وتحرك عبر بعض خطوط تقسيم جديدة ، تكون جاهزة لصراع (4) . ولكن من اجل ماذا ؟

ونظريا ، اذا كان في التناقض الموضوعي نقطة خلاف (issue) لم تحل في المركز ، فإنها تتحول بعدئذ الى قضية الحركة(cause ). وهذا يسبب مشكلة اساسية لعدم كفاءة الازدواج بين التناقضات الذاتية والموضوعية وبين القضايا ونقاط الخلاف. وكلاهما جزء من الواقع الاجتماعي. ولكن اذا كانت الحركات تفتقر الى الوعي مما يجعلها تتناول نقاط الخلاف بشكل خاطيء فإن نقاط الخلاف هذه يمكن ان تصبح مثل يتيم ينتظر ان تلتقطه حركة واعية . وقد يكون هناك تناقض بين تناقض الحركة وتناقض نقطة الخلاف وتكون النتيجة سياسة فاسدة وخارجة عن المسار.

وهكذا فإن التناقض الذاتي في ماينمار/بورما بين الحكومة العسكرية الاوتقراطية و حركة ديمقراطية ترأسها امرأة تمثل شعبا في مجتمع متعدد القوميات ، وهي امرأة من طبقة متوسطة عالية في مجتمع فقير جدا ، متزوجة من رجل غربي في بلد يحاول ان تكون له هويته الخاصة ، وقد يكون هذا التناقض غير كاف امام التناقضات الموضوعية للبلاد. ومن وجهة نظر غربية فإن التناقضات الاساسية هي الاوتوقراطية مقابل الديمقراطية (الغربية) والانغلاق مقابل انفتاح دولة امام التغلغل الاقتصادي والثقافي. ان التناقض الذاتي مناسب لنقاط الخلاف. ولكن ينبغي ان يكون الموضوعي والذاتي مرآة بعضهما البعض.

وهكذا كان على غاندي ان يجرد - حرفيا - نفسه من غربيته ومن ممتلكات طبقته العالية المميزة لدى مجتمع الهندوس ويشارك الظروف المعيشية للطبقات الدنيا وطبقة المنبوذين قبل ان يستطيع قيادة شعب الهند نحو الحرية والديمقراطية. ولكن زعيم الهند الحرة جواهر لال نهرو كان غربيا جدا ومن طبقة اجتماعية عالية جدا وعلماني جدا وقد قاد الهند في ذلك الاتجاه. كان غاندي ينشد بلادا مؤسسة على (دوائر المحيط) متمثلة بقرى تحكم وتعتمد على نفسها. اما نهرو فقد كان يريد بلادا حديثة وعلمانية وصناعية واشتراكية. ان التناقض الذاتي مهم.

يميل الليبراليون الى دراسة الحركات الذاتية بينما يفضل الماركسيون دراسة الحركات الموضوعية. والتفضيل هنا هو لـ (كل من هذا وذاك) وخاصة التناقض بين متناقضين.

هذا مثال من النرويج: كان التناقض الموضوعي قبل قرن بين (المرفهين) و(جمهور) الاغلبية. في عناصر المعيشة والتناقض الموضوعي في نظام الحزب. كان جمهور الاغلبية يعيشون من الزراعة وصيد السمك والطرائد الاخرى والوظائف اما المرفهون فقد كانوا يعيشون من الثروة كاصحاب عمل او يملكون مشاريعهم الخاصة. وكانت هناك مناطق رمادية . وقد خلق حزب العمل من خلال عبقرية سياسية تحالفا للمزارعين والصيادين وعمال الصناعة في مقابل المرفهين. وقد فاز التحالف بالانتخابات وحكموا لمدة عقدين من السنوات وخلقوا واقعا اجتماعيا جديدا . هو دولة الرفاهية.

وكان هذا المجتمع يملك تناقضاته الموضوعية الخاصة به حيث كانت هناك اقلية من النساء المتقدمات في السن والعمال الاجانب الضعفاء والمعوقين في مقابل الاخرين. وبما ان التناقض الموضوعي لم تقابله تناقضات ذاتية كافية فقد تعمق هذا التناقض في وسط الوفرة . لم يكن لدى حزب العمل الكفاءة اللازمة. وبقيت المسألة معلقة لم تحل.

الحركات ضد الامبراطورية الامريكية : الواقع الاجتماعي معقد

فقط عندما تتزامن/تتطابق القضية (cause) مع نقاط الخلاف (issue) تكون الحركة عندها وافية بالمراد.

 انتهى

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق