الأربعاء، 16 فبراير، 2011

بزنس الحرب

بقلم: تشالمرز جونسون
ترجمة بثينة الناصري
نشرت الترجمة في 16 شباط 2004

هذا هو المستقبل: حين تصبح الحرب أكثر الأعمال ربحًا، علينا أن نتوقع المزيد منها.

(في أجهزة الحكومة علينا أن نتحرز من تأثير سطوة التحالف العسكري الصناعي غير المشروعة، سواء سعينا أم لم نسع إليها «إن إمكانية التعاظم المشئوم لسلطة وضعت في غير موضعها قائم وسوف يستمر. و ينبغي علينا ألا ندع عبء هذا التحالف يعرض مسيرة حرياتنا وديمقراطيتنا للخطر أبدًا. يجب ألا نقبل بأي شيء كأمرمسلم به). دوايت أيزنهاور 1961

إن الهيمنة العسكرية الدائمة علي العالم عملية مكلفة «في سبتمبر الماضي، بعد إنفاق 79 بليون دولار في العراق وأفغانستان، طلب جورج دبليو بوش من الكونجرس 87 بليون دولار إضافية من أجل إدامة المجهود لمدة سنتين أخريين. وفي خلال ساعات أقر البيت الأبيض بأن هذا الرقم هو تقدير أقل من المطلوب. وقد قال بول بريمر رئيس سلطة الاحتلال المؤقتة في العراق إنه (من المستحيل تقريبا المبالغة) في تكاليف إعادة إعمار تلك الأمة. ومن المحتمل أن يصل إجمالي النفقات العسكرية للسنة القادمة نصف تريليون دولار وهو أكثر مما أنفق في 1968 إبان ذروة حرب فيتنام.

ورغم اعتقاد الكثير من المتكهنين الحالمين في الإدارة الأمريكية بأن حرب العراق لن تكون أكثر من نزهة، لكن بوش نفسه كان حذرًا علي الدوام في وصف رؤيته للالتزامات العسكرية الأمريكية. وكان قد أطلق علي العراق وصف (الجبهة المركزية) في (حرب مختلفة تشن في جبهات عديدة في أماكن كثيرة) وبهذا المعني رفض أن يقدر متي قد تنتهي هذه الحرب الممتدة أو ما هو معيار النصر. لكنه أعلن بدلاً من ذلك أن المعركة ستكون (طويلة ) وستتطلب (التضحيات) من الشعب الأمريكي. وباختصار ألزم البيت الأبيض الشعب الأمريكي بتمويل حرب أبدية مكلفة علي جبهات عدة في العراق وأفغانستان وبلدان أخري سوف يعلن عنها في حينها وحتي أولئك القلة من السياسيين الذين عارضوا غزو العراق يجادلون الآن بأننا يجب أن (نتم العمل) لقد أنجزنا الفعل ويجب أن نصرف المال الآن.

وهكذا فإنه بالنسبة لشركات المقاولات الخاصة التي يتعاظم دورها في تشكيل البني التحتية لقواتنا المسلحة، فقد انهالت عليهم الفوائد من المصائب.

خلال حرب العراق الأولي في 1991، كان واحد من كل مائة جندي أمريكي موظفًا من قبل شركة خاصة. في حرب العراق الثانية اقتربت النسبة إلي واحد من كل عشرة وقد نشرت الواشنطن بوست تقريرا بأن ثلث نفقات حرب العراق الآخذة في الزيادة سريعا تذهب إلي حسابات خاصة في البنوك الأمريكية.
كانت الفكرة الأصلية من هذا التدفق للدولارات الفيدرالية هي توفير الأموال. ففي رؤية دونالد رامسفيلد، سوف تعكس خصخصة الجيش نفس انضباط السوق علي الحرب نفسها في 1995 وقبل عودته إلي واشنطن بوقت طويل، قدم رامسفيلد إلي أمريكا (أفكارا من عالم المال حول تقليص دور الحكومات) وهي دراسة أوحت بها خبرته كرئيس موظفي البيت الأبيض ووزير للدفاع (في إدارة جيرالد فورد) ورئيس مجلس إدارة لشركتين أمريكيتين عملاقتين (جنرال انسترومينت كورب وجي دي سيرل) وقد كتب في دراسته يقول ( إن برامج الحكومة معزولة بشكل كبيرعن اهتزاز السوق ولهذا لايسمح لها بإمكانية الفشل. وأحيانا لاشيء أقل من خصخصة صريحة يمكن أن تعيد الانضباط).

والآن تتحقق رؤية رامسفيلد للحرب المخصخصة وتمتحن. واعتمادا علي مدي استعداد الشعب الأمريكي للتضحية، فإن إمكانية المكاسب الخاصة في صناعة الحرب في الولايات المتحدة، يستحيل تقريبا، إذا استعرنا التعبير، المبالغة بها لقد كانت الحرب مثل منجم ذهب مثلا لهاليبرتون، شركة الطاقة، وبيكتل مقاول البناء رقم واحد في الولايات المتحدة الأمريكية. وكان ديك تشيني رئيس مجلس إدارة بكتل من 1995 حتي2000 وكان وجورج شولتز رئيس بيكتل لمدة ثماني سنوات قبل أن يصبح وزير الخارجية في إدارة ريجان وفي مارس الماضي، منح فيلق المهندسين في الجيش الأمريكي عقدا بمبلغ 7 بلايين دولار لشركة كيوج وبراون وروت وهي فرع من شركة هاليبرتون، لتوفير كافة احتياجات الجيش الأمريكي اللوجستية وأعمال الصيانة في العراق. وفي نفس الوقت منحت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) لشركة بيكتل عقدًا مبدئيا بمبلغ 6ر34 مليون دولار لإعادة بناء مرافق توليد الطاقة الكهربائية في العراق ومحطات الكهرباء ومرافق الماء والصرف الصحي وكذلك المطارات وسوف تطالب بيكتل الحكومة الأمريكية بنفقات تصل إلي 680 مليون دولار لمدة ثمانية أشهر وهذه العقود المفتوحة لم ترس بمناقصة تنافسية وإنما بصفقات من الأبواب الخلفية التي تديرها إدارة بوش. ولا تخضع لأية مراقبة.

وأياً كان ما تغير أو لم يتغير بعد 11/9 فهناك شيء واحد ظل واضحًا: لقد حلت صناعة الذخائر والتربح من الحرب محل صفقات الطاقة والاتصالات التي كان من روادها شركتا انرون وورلد كوم في أواخر التسعينيات من القرن الماضي، باعتبارها أكثرالوسائل كفاءة بالنسبة للرأسماليين لاتخام أنفسهم من المعلف العام. ولهذا فإن وصف هذه الشركات بكلمة (خاصة) هي محض أيديولوجية أن صناعة الذخائر في الولايات المتحدة اليوم لاتعتبر استثمارات خاصة بقدر ما هي اشتراكية الدولة.

فعندما تتحول القضايا السياسية إلي قضايا شركات أعمال، يحدث التغير. فالمسئولية توضع في غير موضعها والآثار تنتشر وتتوسع وهذه الإزاحة للمسئولية لها جذور في ظاهرة أقدم بكثير حين كانت الإمبراطوريات تسعي إلي ( استخدام المرتزقة) لفرض تنفيذ إرادتها السياسية. كان لدي البريطانيين الجورك والسيخ والهنود. ولدي الفرنسيين فيلقهم الأجنبي وكان لدي الهولنديين (الأمبونيون: سكان أمبونيا إحدي جزر مولوكا في منطقة الأنديز الهولندية) والروس قوزاقهم، واليابانيين جيوشهم الدمي من منشوريا والصين وإندونيسيا وبورما أن استبدال جيوش دولة الاحتلال بوقود المدافع المحليين وتأليب جماعة عرقية أو دينية من السكان الأصليين ضد أخري كان دائمًا الوسيلة الأسهل والأرخص لإخضاع شعب ما و(سياسة السيبوي) كانت تتضمن تدريب القوات (المحلية) من أجل الخدمة في فرق الجيش التي يقودها ضباط بريطانيون أو في الفرق الهندية الإمبراطورية التي كان يسود الاعتقاد بموالاتها للعرش البريطاني والتي كانت تتكون عادة من مرتزقة السيخ والجورك. كلمةsepoy) مستقاة ربما من الكلمة الأوردية التي تعني (فارس) أو (جندي)) في 1857، في زمن عصيان السيبوي - والتي يسميها الهنود (حرب الاستقلال الأولي) نشرت بريطانيا 300 ألف جندي في الهند، كان96% منهم من السيبوي. وتبرهن حقيقة تمردهم علي بريطانيا علي إمكانية أن تتحول هذه المقاربة إلي فخ.

في عام 1857 عندما صنع البريطانيون أحد أوائل موديلات البندقية (اينفيلد) أشيع أن الرصاص منقوع بشحم مصنوع من الدهن الحيواني المستخلص من الأبقار والخنازير. والأبقار كما هو معروف مقدسة عند الهندوس والخنازير محرمة علي المسلمين، وكان أحد خصائص ذخائر هذه البندقية هو الحاجة إلي قضم ورقة مطوية علي أحد طرفي الرصاصة قبل استخدامها .وقد انتشرت الروايات بسرعة بين السيبوي بأن البريطانيين يحاولون تحقيرهم بإجبارهم علي انتهاك محرماتهم الدينية. وهكذا عندما أمر أحد الضباط البريطانيين قواته بقضم الرصاصة أطلق أحد الجنود النار عليه، وسرعان ما انفجرت ثورة جابهها البريطانيون بوحشية لامثيل لها. كان السيبوي المقبوض عليهم يلفون بجلود الخنازير أو الأبقار المدبوغة ويطلقون من فوهات المدافع . ومثل ما فعلته الإمبراطورية الرومانية عند قمع ثورة الأسبارطيين، كانت جثث الجنود الهنود المشنوقين معلقة علي جانبي الطريق من كانبور إلي الله أباد. ثم انهت إنجلترا سلطات شركة شرق الهند التي كانت قد وظفت السيبوي وضباطهم، و حكمت بريطانيا البلاد مباشرة لمدة تسعين سنة كمستعمرة من مستعمرات التاج. وقد ألغيت الفرق الهندية وضم جنودها إلي تشكيلات أوسع تشمل جنودًا إنجليز.

وأنيطت مهمات المدفعية بالجنود البريطانيين. وبهذه التغييرات تخلي البريطانيون عن دورهم كتجار في الهند وتحولوا إلي محتلين غير مرغوب بهم في أرض معادية.

لقد جرب الأمريكيون استخدام جنود مرتزقة في فيتنام عام 1962، أرسلوا البيريهات الخضر إلي الهضبات الجنوبية لتدريب المونتاجنارد وهم سكان جبليون يختلفون عرقيا عن الفيتناميين، وحاولوا تنظيمهم في مجموعات دفاع مدنية غير نظامية. ويمكن القول بشكل عام أن هؤلاء قد ساهموا مساهمة ضئيلة في جهود الحرب وكانت مواقعهم عرضة لاجتياح الفيتكونج في أي وقت يخدم ذلك أهدافهم.
وفي أفغانستان بين 1979 و1989 دعمت وكالة المخابرات المركزية جماعات المجاهدين (المناضلين من أجل الحرية) بأسلحة خفيفة تقدر بأكثر من 2 بليون دولار بضمنها منصات صواريخ (ستنجر) المضادة للطيارات ودربتهم علي كيفية استخدامها ضد القوات السوفيتية التي كانت تحتل البلاد حينذاك. لم يكن الأمريكيون يهتمون بالمعتقدات الدينية أو الولاءات السياسية أو وجهات النظر تجاه الغرب لأولئك الذي يوظفونهم ويدربونهم ويسلحونهم. وما أن هزم السوفييت، حتي تركت أمريكا أفغانستان إلي مصيرها وانقلب المجاهدون ومعظمهم من الأصوليين الإسلاميين ضد الولايات المتحدة. كما ساهم نشر الآلاف من القوات العسكرية الأمريكية في السعودية وهي إحدي القبلتين في الإسلام وكذلك دعم الولايات المتحدة لإسرائيل، في زيادة حدة رفضهم لها. وكان رد فعل المحاربين المسلمين خلال التسعينيات بمهاجمة مركز التجارة العالمي في نيويورك عام 1993 والأبراج السكنية للقوات الأمريكية في السعودية عام 1996 وسفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا عام 1998 والمدمرة البحرية (كول) في 2000. وليس بعيدًا أن تكون الهجمات الانتحارية في 11 سبتمبر نسخة معاصرة من تمرد السيبوي.

بعد 11/9 أرسلت الولايات المتحدة عملاء وكالة المخابرات المركزية إلي أفغانستان ومعهم ملايين الدولارات لرشوة ميليشيات أمراء الحرب لإشعال الحرب الأهلية من جديد بعد أن أخمدتها طالبان، مع وعود بدعم جوي في حربهم الجديدة. وهكذا قام أمراء الحرب بمساعدة من الولايات المتحدة بالإطاحة بحكومة طالبان وسرعان ماعادوا إلي سابق عهدهم في الاستغلال لقد أعلنت دعاية البنتاجون الانتصار الساحق للولايات المتحدة في أفغانستان ولكن الحقيقة أن قادة طالبان والقاعدة مازالوا أحرارًا وعادت البلاد أرضًا خصبة لتفريخ الإرهابيين. وكذلك لم تكد تمر سنة واحدة علي تحرير أفغانستان، حتي ازداد إنتاج الأفيون الذي يسيطر عليه أمراء الحرب حلفاء أمريكا ثمانية أضعاف من 185 إلي 3400 طن. وهو نصر آخر للقطاع الخاص.
شكل آخر من أشكال تجنيد المرتزقة هو تجييش وتدريب الدول التابعة للولايات المتحدة والمعتمدة عليها ويمكن تشبيه الأمر بشركة ترجع إلي فروعها لاستكمال احتياجات العمالة. فمنذ 1993 بعد التمثيل بجثة الضابط الأمريكي راندي شوجارت واستعراضه في شوارع مقديشو عاصمة الصومال مما أدي بالرئيس كلينتون بعد أربعة أيام إلي سحب قواتنا من تلك البلاد، والبنتاجون يحاول أن يتجنب الإصابات الأمريكية التي يمكن أن تغير رأي الشعب بخططها. إن موت الجنود الأجانب لايجذب انتباه وسائل الاعلام، وهكذا فإن النية تتجه إلي إعداد جنود أجانب للقيام بعمليات مشتركة تحت قيادتنا. وكما عبر عنها الرئيس بوش في 11 مارس 2002 بقوله (لن نرسل قوات أمريكية إلي كل معركة. ولكن أمريكا سوف تعمل بهمة علي إعداد الأمم الأخري للمعارك القادمة).
وعلي وجه الخصوص ومنذ انتهاء الحرب الباردة، طور الجيش الأمريكي علاقاته مع عدد ضخم من الحكومات وفرق الضباط في ما كان يعرف بالعالم الثالث وبذل جهودا هائلة في برامج تدريب (جيش لجيش) . وقد توصل زعماء الحزبين السياسييين خلال التسعينيات إلي أنه يمكن رعاية الكثير من أهداف السياسة الخارجية من خلال مثل هذه العلاقات بشكل أفضل مما تنجزه الروابط الاقتصادية والدبلوماسية. وأحد البرامج لتنفيذ مثل هذه السياسات وهو برنامج وزارة الخارجية للتعليم والتدريب العسكري الدولي الذي تضاعف أربعة أمثاله منذ 1994 في 1990 كان البرنامج يقدم تعليما عسكريا إلي جيوش 96 دولة.

في 2002 ارتفع هذا الرقم الكبير إلي 133 دولة. وبما أن عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة هو 189، فإن هذا يعني أن البرنامج (يعلم) جيوش 70% من أمم العالم.

إننا ندرب تقريبًا 100000 جندي أجنبي كل عام - معظمهم ضباط يقومون بدورهم بنقل الأساليب الأمريكية إلي قواتهم. وفي عام 2001 علم الجيش الأمريكي 15030 ضابطا وجنديا في أمريكا اللاتينية وحدها.
ويقوم البنتاجون بذلك إما باستقدام هؤلاء المتدربين إلي أحد معاهده التعليمية البالغ عددها 150 في الولايات المتحدة وإما بإرسال مدربين عسكريين يكونون غالبًا من القوات الخاصة إلي الدول المعنية. وقد ضاعفت (الحرب علي الإرهاب) هذه البرامج وفي حالات كثيرة كانت الذريعة التي حلت محل (الحرب علي المخدرات) بدون وجود أي فرق ملحوظ بأساليب التدريب وتقول الولايات المتحدة إن مثل برامج التدريب هذه تشجع القيم الأمريكية ولكن هناك فوائد أخري أيضًا. إن العلاقة القوية بين المدربين الأمريكيين والضباط والجنود الأجانب تفتح سوقًا داخل كواليس الحكومات للولايات المتحدة لبيع الأسلحة فإن وكالة التعاون الأمني الدفاعي التي يرأسها ضابط برتبة فريق، وهي جزء لايتجزأ من وزارة الدفاع، مسئولة عن برنامج المبيعات العسكرية الخارجية، وهو أسلوب حكومتنا المفضل لبيع معدات الدفاع الأمريكية التي تشتريها من المصانع الأمريكية إلي الحكومات الأجنبية. وقد ارتفعت قيمة مبيعات السلاح الأمريكي (من حكومة إلي حكومة) بمقدار 10% في 2001 فأصبحت 3ر13 بليون دولار. وبهذا يكون البنتاجون أكبر مصدر مفرد للسلاح في العالم منذ 1991، وقد صدر من 1997 إلي 2001 من الأسلحة ماقيمته 8ر57 بليون دولار وهو ثلاثة أضعاف ماتصدره المملكة المتحدة ثاني أكبر مصدر للأسلحة في العالم.

إن تجنيد المرتزقة مفيد ومربح أحيانا ولكن الأموال الحقيقية تأتي من العقود الحكومية. وبالتأكيد يعتبر مقاولو الجيش أكثر شركات الأعمال ربحًا في البلاد اليوم وأكبر شركات مقاولات الجيش هي شركة فينيل كوربوريشن من فيرفاكس في ولاية فرجينيا التي حصلت في 2 يوليو علي عقد بقيمة 48 مليون دولار لتدريب جيش عراقي جديد، وشركة الموارد المهنية العسكرية (التي تعرف أكثر باختصار حروفها (MPRI) ومقرها في الإسكندرية بولاية فرجينيا وتملكها شركة لـ3 كوميونيكيشن، وشركة كيلوغ وبراون وروت وهي شركة من تكساس اشتهرت قبل اندماجها مع كيلوغ بالتدعيم المالي للرئيس الأسبق ليندون جونسون وهي اليوم فرع من شركة هاليبرتون، وشركة دينكورب من مدينة ريستون في فرجينيا التي افتضحت أواخر التسعينيات باكتشاف أن بعض موظفيها في البوسنة تورطوا في الاسترقاق الجنسي لقاصرات ثم التجارة بهن من خلال بيعهن إلي دول أخري في أوروبا، وشركة تطبيقات العلوم الدولية من سان دييجو التي كان الخمسة الكبار فيها يقبضون في عام 2001 رواتب تتراوح بين 825000 دولار و 8ر1 مليون دولار وكل منهم لديه أسهم بقيمة 5ر1 مليون دولار. وكذلك شركة بي دي إم الدولية في فيرفاكس ولاية فرجينيا، وشركة أرمور هولدينجز من جاكسونفيل في فلوريدا وشركة كيوبيك ابليكيشن في واشنطن، ودي إف أي الدولية (وكانت تسمي سابقا ديفينس فوركاست) في واشنطن، وإنترناشنال تشارتر بولاية أوريجون.

وهذه ليست مؤسسات صغيرة. فشركة دينكورب لديها 23000 موظف وكيوبيك 4500 وMPRI حوالي 700 موظف مستديم إضافة إلي 10000 عسكري متقاعد علي أهبة الاستعداد لتلبية المهمات متي دعت الحاجة.


وتقدر خبيرة شركات توظيف المرتزقة ديبورا أفانت من كلية اليوت للشئون الدولية في جامعة واشنطن بأن عوائد الشركات العسكرية الخاصة والتي بلغت بمجملها 6ر55 بليون دولار في 1990 سوف ترتفع إلي 202 بليون دولار عام 2010 وهذا يجعلها الصناعة الأسرع نموا في الولايات المتحدة . ولهذه الشركات اسم تجاري خاص بها هو (رابطة عمليات السلام الدولية) وهو اسم كان جورج اورويل(1) سيعتز به كثيرًا.

أسس شركة فينيل كوربوريشن- وهي فرع من شركة أسلحة عملاقة هي نورثروب جرومان - ضابط أمريكي متقاعد ومنذ 1975تعاقدت معها الحكومة لتدريب الحرس الوطني السعودي، المتكون من 100000 جندي لحماية الملكية ولمواجهة أي تهديد محتمل من القوات المسلحة النظامية. في 12 مايو الماضي فجر إرهابيو القاعدة ثلاثة مجمعات سكنية عسكرية في الرياض بالمملكة العربية السعودية مما أوقع أربعة وثلاثين قتيلا بضمنهم ثمانية أمريكيين. وكان أحد الأهداف الرئيسية هو المبني الذي يشغله حوالي سبعين من موظفي شركة فينيل وقد قامت شركة فينيل علي مدي السنوات بتعليم وإدارة وتوظيف وكتابة القواعد لخمسة أكاديميات عسكرية سعودية وسبعة ميادين للرمي ونظام رعاية صحية حكومي كما دربت وجهزت أربع فرق ميكانيكية سعودية وخمس فرق مدفعية . وبالمقابل فقد دفعت السعودية مئات الملايين من الدولارات لشركات الدفاع الرئيسية لتجهيز هذه القوات التي دخلت أرض المعركة في حرب الخليج الأولي لفترة قصيرة حين استعادت مدينة الخفجي السعودية الواقعة علي الحدود الكويتية من القوات العراقية.

وقد تعاقدت الحكومة الأمريكية مع شركة دينكورب لتقديم حماية شخصية لرئيس أفغانستان حامد قرضاي وسوف تتولي تدريب الجيش الأفغاني حالما يترك أصحاب البريهات الخضراء البلاد. كما دربت دينكورب الشرطة في هايتي بعد التدخل العسكري الأمريكي هناك في 1994. وهذا العام فازت بعقد سخي لإنشاء قوة شرطة عراقية وإقامة نظام قضائي وإدارة السجون. وهذا العقد الذي تقدر قيمته للسنة الأولي بمبلغ 50 مليون دولار كان واحدًا من سلسلة عقود استثناها البنتاجون من الاشتراطات الرسمية الاعتيادية بوجود منافسة كاملة ومفتوحة/ و تشمل عمليات دينكورب الأخري إدارة القوة الجوية بكاملها التي تتكون من أسطول واحد من الطيارات والمروحيات الرئاسية وكذلك الرش الجوي لمحاصيل المخدرات في كولومبيا.

وبحلول عام 2002 كانت الشركة علي المرتبة الثالثة عشرة لأكبر مقاولي الجيش وتبلغ عوائدها السنوية 3ر2 بليون دولار، 96% منها عن طريق العقود والمقاولات من الباطن مع حكومة الولايات المتحدة.

خلال أعوام التسعينيات بدأ البنتاجون يتعاقد مع الشركات الخاصة لتوفير كل خدمة يمكن تخيلها في الجيش ماعدا إطلاق البنادق وإسقاط القنابل. ونتيجة لذلك انبثقت شركات كثيرة جديدة يحدوها الأمل في الحصول علي عقود بمبالغ كبيرة وأرباح مضمونة. وقد قامت هذه الشركات بأعمال الصيانة والأمن وبالتالي، فقد ولت أيام قيام الجندي بواجبات الحراسة أو تنظيف المراحيض إلي غير رجعة.


وأفضل مثال علي هذا هو معسكر بوندستيل الفاخر في البلقان الذي تديره شركة كيلوج وبراون وروت. وحدث أنه فور انتهاء حملة قصف يوغسلافيا في يونيو 1999 انتزعت الولايات المتحدة من الملاك ألف هكتار من الأرض الزراعية في يوروسيفاك في جنوب شرق كوسوفو قرب الحدود المقدونية وأقامت عليها في أقل من أربعة شهور معسكر بوندستيل وهو أكبر وأغلي قاعدة منذ حرب فيتنام حيث بلغت تكاليف بنائها حوالي 6ر36 مليون دولار و تكاليف إدارتها 180 مليون دولار سنويا.

وتقوم شركة كيلوغ وبراون وروت بصيانة الثكنات و إعداد الطعام ومسح الأرض ونقل كل التجهيزات وتشغيل أنظمة الماء والصرف الصحي. يعمل لديها حوالي 1000 عسكري أمريكي سابق وحوالي 7000 من الألبان سكان المنطقة. وتوفر الشركة 600000 جالون ماء كل يوم وكهرباء يكفي مدينة من 25000 نسمة وتغسل 1200 حقيبة ملابس وتطبخ وتقدم 18000 وجبة طعام كل يوم. وكان المعسكر مكتظا إلي درجة أن الشركة كانت تنظف المكاتب 4 مرات باليوم والثكنات ثلاث مرات(2) ويقول الجنود العاملون في بوندستيل علي سبيل الفكاهة إن الزي الذي يرتدونه ينقصه باج واحد يقول (برعاية براون وروت) وتقدم الشركة خدمات مماثلة في القواعد بالكويت وتركيا وأوزبكستان.

ويبدو أن معسكر بوندستيل هو قاعدة لما سماه جيمس جالبريث أستاذ العلوم السياسية في جامعة تكساس (مجمع البترول العسكري) الذي يعتبر ديك تشيني الأب الروحي له، فقد كان وزير دفاع عندما بدأت شركة براون وروت تقديم خدماتها اللوجستية للجيش كانت تلك فكرته. وفي عام 1992 دفع البنتاجون للشركة 9ر3 مليون دولار للقيام بدراسة جدوي سرية حول تجنيد مرتزقة من أجل تقليل اعتماد الجيش علي القوات في إنجاز المهام اللوجستية الأساسية ثم أضاف البنتاجون بعد ذلك 5 ملايين دولار إلي العقد ثم اختبر الشركة ذاتها لتنفيذ خطتها التي اقترحتها. والعقد لوجستي صادر من فرقة المهندسين في الجيش ومدته خمس سنوات للعمل إلي جانب القوات في أماكن مثل زائير وهايتي والصومال وكوسوفو والبلقان والعربية السعودية بعد أن أصبح تشيني رئيس هاليبرتون في 1995 فازت براون وروت بعقود من الحكومة قيمتها 3ر2 بليون دولار وهي ضعف مبلغ 2ر1 بليون دولار التي نالتها من عقود الحكومة في السنوات الخمس التي سبقت مجيء تشيني في أواخر التسعينيات أعادت هاليبرتون بناء حقول النفط المتضررة من الحرب مقابل 8ر23 مليون دولار، وهي الحقول التي كان وجود تشيني وزير الدفاع أثناء حرب الخليج الأولي، حاسما في تدميرها!

وقد عين تشيني معه في هاليبرتون العديد من رفاقه أيام البنتاجون منهم ديف جريبن رئيس الإدارة السابق الذي أصبح واحدًا من الكبار في هاليبرتون والأدميرال جو لوبيز وهو آمر سابق للأسطول السادس وشغل منصب نائب رئيس أقدم للعمليات الحكومية في شركة كيلوج وبراون وروت. وخلال إشغال تشيني منصب رئيس هاليبرتون صعدت الشركة من الترتيب الثالث والسبعين علي قائمة العقود الحكومية في البنتاجون إلي المرتبة الثامنة عشرة مع زيادة في عقودها الحكومية بمقدار 91% في أثناء ذلك زاد عدد فروع هاليبرتون في الملاذ الآمن من الضرائب في الخارج من تسعة فروع إلي أربعة وأربعين. وبدلا من أن تدفع الشركة ضرائب قد تصل إلي 302 مليون دولار كما حدث في 1998، إلي أن تسترجع قيمة خصومات في الضرائب تبلغ 85 مليون دولار في 1999، وقد استقال تشيني من الشركة في 16 أغسطس 2000 ليشغل منصب نائب الرئيس ولكن ارتباطاته لم تنته هنا، فطبقا للبيت الأبيض كان إجمالي دخل تشيني المعدل لعام 2000 هو 36086635 دولارًا وتشمل 4333500 دولار بشكل علاوات وتعويضات من هاليبرتون وبطبيعة الحال أن بيان الإقرار المالي لديك تشيني لم يكن دخله الحقيقي ولكنه مجرد بيان صحفي من البيت الأبيض. وبصفته نائب الرئيس استمر تشيني يستلم دفعات حساب من هاليبرتون بزيادة 150000دولار سنوية بشكل تعويضات.

ربما يصعب علينا الآن أن نتذكر أنه في عشية الحرب العالمية الثانية كان جيشنا النظامي مجرد 187000 رجل الآن هناك 1400000 عسكري لخدمات (حفظ السلام) التي تمولها ميزانية دفاع أكبر من بقية الميزانيات القومية الأخري وتتشكل هذه الخدمات من رجال ونساء يعملون في عوالم قواعد منعزلة ومكتفية ذاتيا ترتبط ببعضها البعض من جرينلاند إلي أستراليا. لقد جمع البنتاجون ربع مليون جندي ضد العراق في حين أن هناك بضعة آلاف جندي ينهمكون في مناوشات يومية في أفغانستان، وما لا يحصي من أفراد البحرية يملأون سفنا قرب شواطيء كوريا الشمالية، وبضعة ألوف من المارينز في جنوب الفلبين يساعدون القوات المحلية في محاربة حركة انفصالية إسلامية تمتد جذورها إلي قرن من الزمان، وعدة مئات من (المستشارين) يتعاملون مع ما يمكن أن يكون يومًا ما شبيها بعصيان فيتنام، في كولومبيا (وربما في أماكن أخري من منطقة الأنديز) لدينا وجود عسكري في 120 دولة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة البالغ عددها 189 بضمنها قوات منتشرة علي نطاق واسع في خمس وعشرين دولة. لدينا معاهدات عسكرية أو ترتيبات أمنية ملزمة مع ست وثلاثين دولة علي الأقل.


كل هذا يكلف أموالاً هائلة في وقت تعاني فيه الولايات المتحدة من عجز في الميزانية لقد كلفت حرب الخليج الاولي حوالي 61 بليون دولار دفع حلفاء أمريكا مثل السعودية والكويت والإمارات وألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية حوالي 53 بليون دولار منها، أي مايوازي 80% من المبلغ الكلي تاركين للولايات المتحدة المساهمة بجزء ضئيل هو 7 بلايين دولار. وقد دفعت اليابان وحدها مبلغ 13 بليون دولار ولكن هذا لن يتكرر مرة أخري. في الواقع يبدو أن العالم بأجمعه قد اتفق علي أنه إذا أرادت القوة العظمي الوحيدة الآن، أن تتابع حروبها الوقائية فعليها أن تتدبر حالها. لقد كشف مكتب الميزانية التابع للكونجرس أن العجز الفيدرالي للعام القادم سيصل إلي 480 بليون دولار، وهذا يعني تضخمًا بمبلغ 4ر1 تريليون دولار خلال عشر سنوات، علاوة علي دين حكومي موجود فعلا في فبراير 2003 بمبلغ 4ر6 تريليون دولار.

إذن لايمكن القول إن قواتنا المسلحة منتشرة إلي أبعد من طاقتها فحسب وإنما نحن نغرق أيضا في الديون من أجل تمويل هذا الانتشار، ومع هذا فالأموال تستمر في التدفق. وطبقا لتوقعات البيت الأبيض وهي عادة منخفضة، تتوقع إدارة بوش إذا أعيد انتخابها أن تنفق مبلغ 2ر3 تريليون دولار علي الدفاع في فترتيها - وذلك حوالي نصف تريليون أكثر مما فعلته إدارة كلينتون في فترتيها وبالمقارنة انفقت الولايات المتحدة مبلغ 1ر3 تريليون دولار علي الدفاع مابين الاعوام1941 و 1948 وبلغة الدولارات فإن (الحرب علي الإرهاب) سوف تكلف أكثر مما كلفته الحرب العالمية الثانية.

ولكن ليس لهذا علاقة بالاستثمارات الخاصة أو أيا ما كان اسمها فبدون (اهتزاز السوق) لايبقي سوي الأرباح. إن شركة لوكهيد مارتن وهي أكبر صانع للذخائر لعبت دورًا مهمًا خلف الكواليس في حشد الدعم لحرب بوش علي العراق. في 2002 أصبح نائب الرئيس السابق بروس جاكسون رئيس مجلس إدارة منظمة لوبي (خاصة) باسم (لجنة تحرير العراق). تضم من الأعضاء جورج شولتز وجون ماكين. في السنة المالية 2002 استلمت لوكهيد مارتن مبلغ 17 بليون دولار بشكل عقود من البنتاجون - وكانت قد حصلت علي 7ر14 بليون دولار عام 2001 - وحوالي 2 بليون دولار من الإدارة الهندسية في الجيش لتصميم أسلحة ذرية. وفي السنة السابقة للحرب ارتفعت أرباح الشركة بنسبة 36 بالمائة.


هذا هو المستقبل: حين تصبح الحرب أكثر الأعمال ربحًا، علينا أن نتوقع المزيد منها. <

الهوامش
(ü) تشالمرز جونسون مؤلف كتاب (رد الضربةblowback ) كتابه القادم (أحزان إمبراطورية) يتوقع صدوره في يناير عن دار متروبوليتان.

(1) جورج أورويل ـ الكاتب البريطاني مؤلف رواية (1984) التي تتنبأ بعالم خيالي تسوده دولة واحدة تفرض فكرًا واحدًا وتراقب كل فرد فيها، ويري فيها الكثيرون تشابها لما وصلت عليه الولايات المتحدة «وجهات نظر»)

(2) في الواقع أن مسألة تنظيف الثكنات أكثر من مرة في اليوم كانت مثالاً علي احتيال الشركة في المبالغة بالمبالغ المصروفة علي الخدمات كما أثبته التحقيق الذي أجراه مكتب المحاسبة العامّة، وهي هيئة رقابية للكونجرس في عامي 1997 و2000 حول تلاعب هذه الشركة في عقود مع الجيش الأمريكي للعمليات في البلقان «وجهات نظر».


** المصدر : مجلة "وجهات نظر" المصرية - عدد كانون الثاني/ يناير 2004  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق