الثلاثاء، 15 فبراير، 2011

سقوط الامبراطورية الامريكية (2-3)


الجزء الأول هنا
بقلم: يوهان غالتونج 
ترجمة  بثينة الناصري
لماذا وكيف ومتى واين وبيد من تنهار وتسقط الامبراطورية الاميركية؟
- 5نضج المتناقضات : تحديث بعد 3 سنوات
من الواضح ان الامبراطوريةالامريكية حقيقة حيوية فاعلة وليست بناء جامدا ميتا ، وهي نظام معقد جدا بهذه المتناقضات الاربعة عشر الكامنة فيها . في مثل هذا النظام لاتجد خطوطا مستقيمة ، والسلاسل السببية تنقطع وتتحد، اما المنحنيات فموجودة طوال الوقت. وستكرر القفزات الكمية عندما يجتمع عنصران احدها يتغير والاخر يبقى ثابتا. ولكن يظل الانهيار متوقعا خلال عشرين عاما للانواع الاربعة من التبادل غير المتكافيء .
اولا- المتناقضات الاقتصادية
  -1
بين النمو والتوزيع- النمو عادة متباطيء ماعدا في الصين والتوزيع اسوأ بين الاقطار وفي داخل كل منها . وعلى اية حال فإن مايشغل البال هو الاوضاع المعيشية لطبقات قاع المجتمع.، والوفيات من الجوع والامراض القابلة للشفاء. وتحليل هذه الاعراض يعود الى زيادة الانتاج التي تؤدي الى البطالة التي تؤدي الى قلة الطلب التي تؤدي الى زيادة العرض التي تؤدي الى بطالة اكثر والخ. وفي نفس الوقت فإن تحويل الارض والبذور والماء والسماد الى قيمة نقدية يعوق تحويل العمل الى انتاج الغذاء بأن يزرع المرء ارضه. ان الامبراطورية الامريكية تسعى الى النمو ولكنها تهمل وتمنع التوزيع ومن هنا هي تقاطع نفسها طالما ان الجانب المهم من النمو هو زيادة الطلب مما اي زيادة الاستهلاك.
 - 2
بين الاقتصاد الانتاجي والمالي. ان ارتفاع رقم مبيعات السوق المحلي والدولي حتى في حالة تباطيء النمو في الاقتصاد الانتاجي في كثير من الدول، و انخفاض التوزيع سيؤديان الى تراكم كبير لسيولة تبحث عن منفذ. وبما ان الاستهلاك الرفاهي والاستثمار الانتاجي محدودان فإن المنفذ الواضح هو عمليات شراء وبيع في الاقتصاد المالي وهو ما يعرف باسم المضاربات المالية. ويأتي رد فعل الاقتصاد الانتاجي باقامة مشاريع مزيفة مثل اينرون وورلدكوم بحيث يزداد النمو في الاقتصاد المالي مع زيادة الاقتصاد الانتاجي. وهكذا فإن زيادة حدة هذا التناقض في عام 2001 تتمثل في انهيار بعض الاسهم وانحفاض قيمة الدولار مما يشير الى مرض مزمن. واحد الادوية الشافية لهذا المرض هو التوزيع الذي يعيقه في الامبرطوريةالامريكية استخدام نظام البنك لدولي/صندوق النقدالدولي/ منظمة التجارةالعالمية/ البورصة - البنتاغون ، ولعدم وجود هذاالعلاج حاليا سوف يتفاقم المرض مع حدوث انهيارات جديدة.
  -3
بين الانتاج/التوزيع/الاستهلاك والطبيعة
كان انسحاب ادارة بوش معاهدة كيوتو عاملا مهما في زيادة حدة هذا التناقض الى حد كبير وكان احد الشعارات المهمة في قمة 2002 في جنوب افريقيا. وبفضل السيد بوش اصبح العالم يكره امريكا. وكان التوضيح الذي اعلن هو ان المعاهدة تعوق النمو الاقتصادي الامريكي (بمعنى آخر لايناسب الشركات العملاقة) . وهذه الحركة تعرض كوكب الارض للخطر وهي تعبير عن احتقار النظام الكوني الذي يعتمد على معاهدات قابلة للتفاوض والتصديق. وكان يمكن للولايات المتحدة ان تطالب باعادة التفاوض. ولكن الامبراطورية الامريكية لديها اولويات اخرى وقد دفعت بذلك ملايين البشر في حركة مناهضة للولايات المتحدة.
  - 4
بين ارهاب الدولة الاميركية والارهاب: لقد حدثت قفزة كمية في 11 ايلول/ سبتمبر 2001 ، رغم ان عدد الذين قتلوا كان اقل من عدد الذين قتلوا في 11 ايلول /سبتمبر آخر في 1973وهو تاريخ مؤامرةالانقلاب التي دعمتها الولايات المتحدة ضد حكومة سلفادور اليندي الاشتراكية (احد 68 تدخلا في الشؤون الداخلية للدول بعد الحرب العالمية الثانية بضمنها العراق) . وكان هذا شيئا متوقعا كما اننا نتوقع تكراره مالم تسارع الامبراطوريةالامريكية الان في الخروج من حلقة العنف مدركة ان العدو قد يكون (نحن الولايات المتحدة ). ولكن الامبراطورية الان تتحدث عن تدخلات اخرى في اكثر من 60 دولة. وهذا يستغرق العمر كله. وهو ثمن باهض للفشل في محاولة حل الصراعات / التناقضات .
وهنا لابد من هذه الملاحظة : ان محاولة تفسير 11 ايلول/سبتمبر باعتباره مثلا ( رد فعل على الامبراطورية الامريكية بضرب رمزين مهمين للعمليات الاقتصادية والعسكرية) او باختصار انه (انتقام) أو(صراع لم يحل) لا تبرر هذه الجريمة الشنيعة كما ان تدخل امريكا في افغانستان والعراق غير مبررين . ولكن يمكن تفسيرهما جزئيا مثل كوسوفو بجهود تبذلها الامبراطورية الامريكية من اجل الهيمنة والتوسع لاحكام المزيد من السيطرة على سوق النفط العالمي و(للحفاظ على استقرار العالم من اجل اقتصادنا) باقامة قواعد عسكرية.
ان ضرب الامبراطورية في اقوى جوانبها فعل خاطيء وغير فعال ويعود بالضرر مثله مثل العنف الامريكي. و حل المشاكل يكمن بالتعرف على سلسلة الاسباب ثم محو الاسباب مثل حلقات العنف والصراعات القائمة. ولكن الامبراطورية الامريكية تسد الطريق.
  - 5 
بين الولايات المتحدة والحلفاء : لاتريد الامبراطورية الامريكية ان تبدو كامبراطورية وانما تريد ان ينظر اليها بأنها شيء مدعوم من قبل (المجتمعات المتقدمة والمتمدنة) ضد المجتمعات ( الشريرة والفوضوية والارهابية). ان واشنطن تبني تحالفاتها مع انظمة الناتو واليابان وآخرين.
ان هذا التناقض (وآخرين غيره) لم يطفو على السطح بأوضح صورة كما حدث مع الحرب على العراق. ولكن كان هناك توتر ايضا فيما يتعلق بعمليات يوغسلافيا وافغانستان. ان الرأي العام ليس متغيرا مهما هنا. فواشنطن تتعامل مع حكومات ولهذا السبب كانت مهتمة بنوعية الاعضاء. وافضل طريقة لممارسة السلطة والاقناع والصفقات والتهديد هو ان يكون خلف ابواب مغلقة لئلا يسمع الجمهور شيئا مثل ملاحظة وزير الخارجية الالماني الذي قال لوزير الدفاع الامريكي في شباط/فبراير 2003 (في الدولة الديمقراطية يجب ان تعرض حججا لمواقفك وحججك غير مقنعة) اذا كان الجمهور يعرف مايجري خلف الابواب المغلقة مثل دعم حرب العراق مقابل ادراج منظمة على قائمة الارهاب لزادت مناهضة الحرب.
في عام 2000 كان ينظر الى بريطانيا والمانيا واليابان كحلفاء موثوق بهم . ولكنهم فشلوا في توقع موقف المانيا والمرتبط بالحزب الديمقراطي الاشتراكي الذي كان يعاني من ضغوطات بسبب قناعاته الداخلية فيما يخص يوغسلافيا وافغانستان. اما استراليا فقد كان موقفها متوقعا كبلاد انجلو سكسونية واليابان تصرفت كما كان متوقعا منها. وتختلف مصالح ا لدول ولكن الموقف المألوف هو ضد الدعم غير المشروط للامبراطورية الامريكية. وهو تناقض حساس جدا يمكن ان يزداد حدة اذا مارست الشعوب ضغطا اكبر على الحكومات.
  - 6
بين هيمنة الولايات المتحدة في اسيا الاوربية وروسيا - الهند- الصين: وهذه دول كبيرة لايمكن للولايات المتحدة غزوها ولهذا فقد اقتربت منها من خلال مخاوفهم من السكان المسلمين، في الشيشان وكشمير وزنيانج على التوالي. بعد توسع الناتو نحو الشرق وتحالف الولايات المتحدة واليابان (وتايوان وكوريا الجنوبية كعضوين قائمين) والتوسع نحو الغرب ابتداء من 1995 ، حلت الدول الثلاث معظم مشاكلها وتقاربت (ولكن ليس في حلف رسمي) . ولكن هذه الخطوات اوقفتها امريكا بشكل مؤقت موحدة اياها ضد (الارهاب الاسلامي) بمعنى المسلمين الذين يناضلون في سبيل تقرير المصير او الحكم الذاتي في المناطق الثلاثة التي ذكرناها. ولكن الحرب على العراق زادت من حدة التناقض مرة اخرى لرفض هذه الدول المشاركة في الاحتلال (معرفة منهم بالمقاومة الاسلامية ) . ولكن امريكا مازال لديها اسواق مفتوحة واستثمارات اقتصادية مع الحكومات الثلاثة.
 - 7
بين الناتو الذي تقوده الولايات المتحدة وجيش الاتحاد الاوربي: وهذا لايشبه النقطتين السابقتين واللتين تتعلقان بالاحجام عن التعاون وتحالف دول تشعر بالكماشة العسكرية الامريكية ، هنا لدينا جيش جديد متعدد الجنسيات تكمن فيه قوة كونية جديدة . السؤال (لماذا يحتاجون الى جيش طالما لديهم الناتو؟) والجواب الذي يخطر على الامبراطورية الامريكية ( هذا يبين انهم ليسوا كليا معنا ، ولهذا فهم ضدنا (.
وسيكون هناك الكثير من المناورات خلف الابواب المغلقة فيما يتعلق بهذا التناقض. ولكن الحركة العامة ستكون باتجاه جيش اوربي لبعض الدول مبنيا على القوات الاوربية الحالية وسلسة قيادات لاتنتهي في واشنطن ولاتمر خلال واشنطن عدا في حالات تبادل المعلومات. هذا الجيش : لاغراض الدفاع ام لامبراطورية اوربية قادمة ؟ للاستيلاء على المغانم؟
ثالثا : التناقضات السياسية :
8- بين الولايات المتحدة والامم المتحدة : تستخدم اكبر قوة في العالم الفيتو في مجلس الامن اكثر من غيرها ولديها ما يشبه فيتو اقتصادي بحجب او سحب دعم البرامج التي تتعارض مع مصالحها. اضافة ان لها سلطة على كثير من الدول الاعضاء في الامم المتحدة مثلا تغيير شروط قروضها للتأثير على التصويت الى جانبها. وهناك رفض لهذا التصرف وقد ظهر علنيا عندما فشل التحالف الامريكي البريطاني في استصدار قرار ثان من مجلس الامن فيما يخص العراق .
 9
- بين الولايات المتحدة والاتحاد الاوربي : وهذا يتجاوز الجيش الاوربي مقابل الناتو . للاتحاد الاوربي اليوم 15 عضوا وبحلول ايار / مايو 2004 سيكون هناك 25 عضوا واكثر من ذلك فيما بعد. اذا قرر الاتحاد الاوربي ، وهو في صالحه ، ان يسد الخطوط الفاصلة في البناء الاوربي بين الارثوذكسية والكاثوليكية / والمسيحية البروتستانتية وبين الاسلام والمسيحية وذلك بفتح ابواب الاتحاد الاوربي لعضوية روسيا وتركيا ، ستتخلف الولايات المتحدة كثيرا ، لأن سكان الاتحاد الاوربي عندئذ سيتجاوزن 750 مليون نسمة . وقد تكون هناك مشاكل في العلاقة مع شرق آسيا ولكن الاتحاد الاوربي يعمل على سد هذه الفجوة ايضا ويمكن لاتحاد اوربي عملاق ان يجني ثمار تجنب محاكاة الامبراطورية الامريكية ويدعم منظمة الامم المتحدة.
رابعا : التناقضات الحضارية (الثقافية)
 - 10
بين اليهودية المسيحية الامريكية من جهة والاسلام من جهة اخرى: هذه هي ديانات ابراهيمية ، وتعبير اليهودية المسيحية الذي شاع استخدامه في الولايات المتحدة يرسم خطا بينها. ومع ظهور التحالف الاصولي المعتمد على فكرة اقتراب الهرماجدون (المعركة الكبرى الفاصلة بين قوى الخير والشر) وان المخلص المنتظر والمسيح قد يكون شخصا واحدا ، اصبح هذا التناقض حادا جدا ، ولكن الاسلام ينتشر بسرعة كبيرة ، بعكس المسيحية امااليهود فهم اقلية صغيرة. ومن شأن هذا الصدع ان يرسم حدودا واضحة ضد تغلغل الامبراطورية الامريكية . ومنفذو 11 ايلول / سبتمبر من الشباب الوهابيين قد انجزوا شيئا لم يحلموا به بالنيابة عن 3ر1 مليار مسلم وليس 300 مليون عربي فقط. وهذه العلاقة التصارعية سوف تحد كثيرا من توسع الامبراطورية الامريكية.
 - 11
بين الولايات المتحدة والحضارات الاقدم : عندما يتحدث الناس عن الاصولية فهم يقصدون غالبا الارتباط الديني بالحضارات القديمة. ولكن الحضارات لها ابعاد عديدة بضمنها اللغة واشكال التعبير الاخرى والتواريخ والاماكن المقدسة والاثرية واشياء اخرى. هناك وعي يتنامى في كل انحاءالعالم ينظر الى الحضارات القديمة غير الغربية بنظرة تختلف عن النظرة الى مواضيع اثرية جميلة موجودة للفرجة وليس للمعايشة. ان تدمير آثار سومر وبابل في العراق كان محاولة للسيطرة على العراقيين بتدمير هويتهم الاصلية . وهو مثال نمطي للتناقض في مرحلته الاولية ( الطفولة) ولكنه حافل بامكانية النضوج السريع.
  - 12
بين الولايات المتحدة و ثقافة الصفوة الاوربية : يعتقد الغرب ان العالم يتكون من اربعة مراكز جيو ثقافية : الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والمانيا. وليس امام الاخرين سوى ان يقلدوا او ينتجوا ثقافات دخيلة. وتستمر فرنسا والمانيا المعركة للهيمنة الثقافية مقابل الولايات المتحدة في حين ان بريطانيا في مرحلة وسطية.
خامسا : التناقضات الاجتماعية
 - 13
بين صفوة الشركات الحكومية وطبقة العمال العاطلين وعمال العقود : صوت اتحاد التجارة الامريكي لاول مرة ضد الحرب على العراق . ولكن تتم السيطرة على الطبقة العاملة اليوم بالتهديد بالبطالة او التعاقد بشروط جائرة لاتتضمن الضمان والاستقرار. اما صفو ة الشركات الحكومية فهم اكثر تنظيما وقد جعلوا من وجودهم ضرورة . ففي يدهم قرارات الفصل والتعيين مع التهديد بخطر التحول الى الميكنة الكلية.
ان اقتصاد مابعد الحداثة يمكن ان يستمر بدون عمال ولكن ليس بدون مستهلكين. ولكن طرد العمال يعني طرد المستهلكين بتقليل قدرتهم الشرائية. ان عمال العالم يستطيعون الاتحاد بمقاطعة المنتجات الامريكية مثل النفط من العراق او طائرات بوينج (وهو احد مصانع الموت الرئيسية في العالم ) . عموما مقاطعة البضائع الاستهلاكية والرأسمالية والمالية مثل الدولار والاسهم والسندات الامريكية.

 - 14
بين الجيل القديم والشباب: ولا يقصد بالشباب طلبة الجامعات الذين وقف نظراؤهم ضد حرب افيتنام فقط وانما طلاب الثانوية الذين يمكن تحريكهم بالانترنيت. ربما يكون احد عناصر تحريكهم هو الحقيقة مقابل الكذب. لأنهم شبعوا دعايات كاذبة بعيدة كل البعد عن الحقيقة. والشيء نفسه ينطبق على النساء. ولكن هنا لعبت واشنطن ورقة رابحة (الدفاع عن امن الوطن والعائلة) ولكن الشعوب الاخرى في الولايات المتحدة مثل الهنود الحمر واللاتين والصينيين والافارقة والهاوايين يمكن توجيههم ضد الادارة الانجلو سكسونية التي تدين بالمعمدانية الجنوبية والعسكريتاريا القادمة من اعماق الجنوب. ونأمل فقط الا يخلقوا حالة طواريء يلغون معها الانتخابات التي لن يفوزوا بها.
الجزء الثالث هنا
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق