عذارى من حجر

عذارى من حجر باللغة العربية
ايفون فيرا
هذه مقدمة الكتاب
بقلم بثينة الناصري

صدر مؤخرا عن المركز القومي للترجمة في مصر ترجمة بثينة الناصري لرواية "عذارى من حجر" للروائية الأفريقية ايفون فيرا، وحسب علمي هذه هي الترجمة العربية الأولى لعمل من أعمال هذه الكاتبة، وربما تكون أيضا الاطلالة العربية الاولى على الأدب الزمبابوي.
الكاتبة
 لم يدر في خلدي ان رواية ايفون فيرا هذه ستكون اول رواية اترجمها عن اللغة الانجليزية. كان الامر كله صدفة مأساوية وجميلة في نفس الوقت.

حصلت على كتابها "عذارى من حجر" The Stone Virgins" من خلال تبادل كتب في معرض فرانكفورت الدولي عام 2002 وكان كتابها هذا قد صدر في نفس العام . زرت جناحا افريقيا يروج للكاتبات الافريقيات. قالت لي المشرفة على ذلك الجناح ان هذا الكتاب ممتاز. لم أكن قد سمعت عن كاتبة من زيمبابوي اسمها ايفون فيرا من قبل. وبالصدفة كانت ايلين زميلتي في السكن في فرانكفورت وهي مدعوة  ايضا للمعرض ، فتاة من زيمبابوي. حيث حدثتني كثيرا عن زيمبابوي. ولكن ماجلب انتباهي فعلا إليها هي حكاية الكلب.

كانت إدارة المعرض قد رتبت لنا ان نقيم في الطابق العلوي لبيت عائلة ألمانية تتكون من زوج وزوجته كبيري السن ولهما كلب صغير ، وكانت لهما ابنة تأتي لزيارتهما بين حين وآخر. لاحظنا  انا وايلين ان الكلب في اوقات متفرقة من اليوم يصعد بسرعة الى طابقنا ويدخل  الحمام الذي نستخدمه. ثم يهبط بنفس السرعة . وقد احترنا فيما يفعله الكلب في الحمام حتى اكتشفت بما يشبه الدهشة ان الصابون والشامبو والعطور الموجودة في الحمام والتي ربما كنا على وشك استخدامها ، كانت خاصة بالكلاب. وفهمنا ان الكلب يصعد الى الحمام لقضاء حاجته.

وبما اني احب الكلاب وقد ربيت كثيرا منها في حياتي ،  ولكن ليس الى درجة استخدامها نفس حمامي ، فإن مسألة الكلب لم تؤثر فيّ الا في النظر بطرافة واعجاب الى حسن تدريب الكلب. حيث لم اعرف كيف يفعلها إذ لم نكن نجد ابدا آثارا على ارض الحمام.  اما ايلين ، زميلتي الزمبابوية فقد ثارت وهاجت وماجت  وقالت ان الكلب نجس ، وانها لن تستخدم الحمام بعد الان. ومن خلال قصة الكلب بدأت تحدثني عن  العادات في مجتمعها،   ، فالخمرة ممنوعة والكلاب ممنوعون . سألتها إن كانت من عائلة مسلمة ، قالت "كلا". دفعني الفضول ان اعرف اكثر عن زيمبابوي.

وهكذا اندفعت لقراءة رواية ايفون فيرا،  فصدمتني .  كان  الاسلوب مذهلا، يأخذك مسحورا الى اعماق الكهوف والتلال في غولاتي وكيزي والشوارع الصاخبة في بولاوايو . ومعها الى اعماق النفس البشرية وهي تخوض الحرب والحب والشك والاغتصاب والقتل. ثم حين نويت ان اترجم "عذارى من حجر"  بعد سنوات، وجلست ابحث عن عنوان المؤلفة حتى استوضحها بعض الاشياء ، واتصلت بدار النشر، صدمت ان ايفون فيرا قد توفيت قبل ثلاث سنوات.

كتبت ستة كتب ورحلت قبل الاوان مصابة بمرض التهاب السحايا وان كان البعض يقول انه مرض نقص المناعة.

ولدت ايفون فيرا  في 19/9/ 1964 - توفيت في 7/4/2005
 
منذ 1992  نشرت 6 كتب :

مجموعة قصصية بعنوان "لماذا لا تنحت حيوانات اخرى ؟" (1992)
رواية "نيهاندا " 1993
رواية "بدون اسم" 1994
رواية "تحت اللسان" 1996
رواية "احتراق الفراشة " 1998
رواية "عذارى من حجر" 2002

 وقد فازت روايتها الاخيرة " عذارى من حجر"  التي وصفها النقاد بانها افضل اعمالها اكتمالا، واكثرها رواجا بين القراء بجائزة توخولسكي من نادي القلم السويدي (2004) و جائزة ماكميلان عن افريقيا 2002 . وقد سبق ان فازت فيرا بجائزة كتاب الكومنويلث في 1997 لأفضل رواية افريقية عن روايتها (تحت اللسان) .

ولدت فيرا في بولاوايو، في ما كان يسمى روديسيا الجنوبية (زيمبابوي الان)، من ابوين يعملان في التدريس. تعلمت في مدارس بولاوايو  قبل ان تصبح مدرسة ادب  انجليزي في مدرسة نجوبي الثانوية في بولاوايو، حيث التقت بالرجل الذي سيصبح زوجها. وكان قد ذهب الى افريقيا في 1977 سائحا ثم استمر في العودة الى البلاد حتى حصل على وظيفة مدرس في مدرسة نجوبي الثانوية في 1984. زارته فيرا فيما بعد في كندا وتزوجا في 1987.

انضمت الى جامعة يورك في تورنتو وانهت البكالوريوس والماجستير في اربع سنوات . وكانت قد بدأت في الكتابة. وحصلت على شهادة الدكتوراه في اربع سنوات اخرى. كما نشرت في هذه الفترة ثلاث روايات .

عادت الى زمبابوي في 1995 ومن 1997 الى 2003 عملت مديرة اقليمية في قاعة فنون زمبابوي الوطنية في بولاوايو .

غادرت فيرا زمبابوي عام 2004 للالتحاق بزوجها الكندي جون خوزيه في تورنتو . وقد تمسكت بالبقاء في وطنها بقدر ما تستطيع قبل ان  تلتحق بالقائمة الطويلة من مفكري وكتاب زمبابوي  الذين هربوا من الجو السياسي الذي لا يطاق في بلادهم . وقد قالت مرة "اود ان يتذكرني الناس على اني الكاتبة التي لا تخشى  من اطلاق الكلمات والتي تعشق وطنها بعمق"

  قد وصفتها ايرين ستونتون وهي ناشرتها لمدة 15 سنة ، على انها "كاتبة تجرأت على ان تعطي صوتا للمسكوت عنه والمخفي، بحساسية وشجاعة واضحتين" .

كانت فيرا شديدة الاهتمام بعادات الكتابة وكانت تشبّه الوقت الذي تقضيه بعيدا عن الكتابة بأنه "فترة صيام" وكانت تكتب 10 ساعات في اليوم ، تقطعها بالجري الى الثلاجة لالتهام ساندويتش . قالت مرة ان الكتابة هي جزء من حياتها لا يحتمل التفاوض ، فهي مستعدة للتضحية من اجل الكتابة بأعز علاقاتها .

وفي حوار مع جين برايس ، بروفيسورة ومحاضرة في مواضيع الادب والسينما الافريقية مابعد الكولونيالية في جامعة ويست انديز في باربادوس.
اجريت المقابلة في 1 اغسطس 2000 في بولاوايو - زمبابوي
نشرت المقابلة في كتاب (العلامة والمحرمات) عن دار نشر ويفر ، في هراري 2002.

"دائما تجذبني الصورة وقبل ان اعمل في قاعة الفنون الوطنية، كانت  اكبر المؤثرات في ّ ربما هي السينما، كيف تجهز  وتركب وتحرك الصور. كما لدي ميل قوي للتصوير الفوتوغرافي. حين أكتب - مثلا حين كنت اكتب رواية (بدون اسم) (نشرت في 1994) ابدأ بلحظة ، بصرية ، ذهنية - يمكن ان اراها وان اضعها على منضدتي كما لو انها صورة فوتوغرافية . في (بدون اسم) كان لدي تلك الصورة او سلسلة الصور لامرأة ترمي ابنها على ظهرها. ان هذه الصورة هي مشهد مألوف جدا في افريقيا . اذا مشيت في الشارع فسوف تراه. اسلوب وحركة معينين ، ألفة معينة . هذه اللحظة خطرت على ذهني، وكيف تتم: الطفل يطوح عبر الكتف الايسر الى ظهر الام، وتسحب ساقيه حول وسطها. ثم اغير الصورة في جانب واحد: الطفل ميت. ولكن الأم تؤدي نفس الفعل. وهكذا آخذ هذه السلسلة من الصور واضعها على منضدتي  وانا أكتب. هذه اللحظة مجمدة    هكذا هي من القوة بحيث لا تتلاشى عن ناظري، بصريا وعاطفيا. ومنها اطور القصة كلها، والرواية كلها: كيف وصلنا الى هذه اللحظة التي تفعل فيها الأم ذلك ؟ كل شيء يترقرق حول هذه اللحظة والقصة تنبع من الصورة . ليس لدي فكرة القصة من الاساس ، لا أملك سوى هذه اللحظة  الكارثية، هذه اللحظة الصادمة المؤلمة . في نفس الوقت مألوفة ومرعبة بسبب تغير طفيف واحد هو الذي يجعل كل شيء مأساويا. بالنسبة لي تاريخ كامل كامن في مثل هذه اللحظة.

مثلا انت تنظر الى هذه المرأة وانت غافل عن ذلك التغير، فأنت لا تعلم مايحدث لها. اما هي ، فمع معرفتها ان الطفل ميت، فهي في ملكوت آخر. واحتاج دائما الى ان ارسو بطريقة لأكون فيها داخل  الشخصية، لأرى هذا العالم المتشظي او المشروخ، وكيف تحاول المرأة عادة ان تجمع الشظايا في عقلها ، لرسم رقصة حياتها .لأن تلك اللحظة التي وصفتها هي تصميم رقصة. ولكن كيف تحتمل هي ذلك  حينئذ؟ كيف ترى واقعها، كيف تنجو منه ؟ هذا ما يفتنني، انه شيء قوي ومشحون وكهربائي وجدير برواية . استطيع ان احدد في كل رواياتي اللحظة التي اوحت لي بكل منها بصريا والتي جعلتني اهتف "هذه هي قصتي التي اريد ان اسردها"

في نفس الوقت لايريد المرء ان يكون واعيا جدا بعملية الكتابة لئلا يعيقها. هناك مرحلة تتبع فيها فكرتك ، تطاردها ، تصل هناك وتحافظ على كل الأسوار  حولك لئلا يتشتت تفكيرك. وانا احمي اللحظة بعزل نفسي والتوحد معها ، اكتب أياما بدون مقاطعة . اعرف اني اذا تحركت هنا وهناك او تحدثت او ناقشت الفكرة وانا في مرحلة الكتابة ، قد تختفي الصورة عن ناظري او قد ابدأ في التشكيك بقوة تصميمي انها الفكرة التي اريدها. وهكذا حالما أصل هناك اؤمن بها وهذا هو كل شيء.

أعيش وحدي ولذلك من السهل علي ان اغلق بابي واجلس الى مكتبي وكذلك انسحب من وظيفتي ، اطلب اجازة واجلس للكتابة باستمرار وحين انتهي ، اعود الى المجتمع . اذا كنت متأكدة من الرواية فالامر لا يستغرق مني وقتا طويلا . ان ما يستغرق وقتا طويلا هو الايمان بالفكرة وتتبعها . يمكن ان يأخذ ذلك سنة  قبل ان اجلس واكتب. اظل افكر فيها ولكن حالما استحوذ على الفكرة ، واذا كانت حياتي اليومية في مرحلة  استطيع معها توفير الوقت ، انتهي من كتابتها في خلال شهر، وانا اكتب كل يوم من السادسة صباحا الى الثامنة ليلا بدون مقاطعة . لا احب ان اكتب بطريقة متقطعة . حاليا اكتب رواية وقد طلبت اجازة لمدة شهرين في يونيو ويوليو - شتاؤنا، احب الكتابة في هذا الوقت - ولكن اخي الصغير كان يحضر لامتحان الادب في مستوى (A) وقد كرست له كل وقتي ، ثم شعرت بالذعر لأن وقت رجوعي للعمل قد حان وشعرت بحتمية الفشل اذا وجدت نفسي عائدة الى الوظيفة من الاجازة بدون ان اكتب سطرا واحدا. واذا كنت سأضع اللوم على غيري فإن ذلك سيكون احباطا وفشلا كبيرا وهو ما لم اكن اريد فعله. وهكذا كان لدي سبعة ايام فقط قبل انتهاء الاجازة ، وقلت :"لأفعل ذلك "   وكتبتها في  اسبوع. اعتقدت اني سوف اكتبها بذعر ولكني وجدت الأمر سهلا وهادئا ومريحا ومرضيا جدا وقد كتبت فصولا احبها كثيرا، وحين استرجع الأمر اشعر بالسعادة لاني انتظرت كل ذلك الوقت لأن أيا ما تكتبه فإنك تكتبه في وقته ذاك وفي تلك الذهنية وبتلك المشاعر، وتلك الكلمات بذلك النسق وتلك الافكار وتلك التعابير ، الفكرة توجد حين تضعها على الورق وليس حين تحملها في رأسك ، ولهذا اذا رضيت عنها ، فكل شيء على مايرام.

كلما كتبت اكثر  ازدادت الكتابة يسرا واكثر متعة ايضا. وانا اكثر وعيا بما افعله اثناء الكتابة ، انا افضل مصحح لكتاباتي وهذا شيء رائع. اعرف ما ينبغي أن أشطبه وانا اكتب ، اي سطر ، اي فقرة ، ايها احتفظ به ، وألمعه ، وايها اهمله.

لم اكن سأكتب لو لم اكن ابحث عن الجمال، لو كان غرضي فقط ان ادافع عن قضية. اني اهتم بعمق بمواضيعي ولكن اريد ان يقرأ الناس كتاباتي   لجمالها وللقصة والشخصية. ينبغي ان تتصف بالكمال . مثل صانع السلال او النساج او ظافر الشعر، انت مدرك لما تريد أن تنجزه من اول جملة . ينبغي ان اكون قادرة على تذوق كلماتي على لساني. لا استطيع ان اكتب بسلبية. جدتي  حين تحكي حكاية ترويها بطريقة تسحرك انت- جمهورها . واذا سمع فرد من العائلة  صوت ضحكات وسأل عن القصة التي ترويها ، وتبدأ جدتي في اعادة سرد القصة التي كانت ترويها، كنا نجلس لنستمع الى اعادة القص لانها سترويها بطريقة تخلب اللب مرة اخرى بأمثال  واصوات وتعبيرات جديدة . هكذا شهدنا قص الحكايات - كشيء يستغرق الراوي فيه ويشعر بتحوله ، مثل  ممثل، واعتقد نفس الشيء ينطبق الان على الكتابة.

هذا الكتاب الاخير الذين كتبته (عذارى من حجر ، دار نشر ويفر 2002) تجري احداثه في فترة حركة المعارضة بعد الاستقلال (1980-1985) (خلال حرب التحرير كان قوم شونا وقوم  نديبيل يمثلهما  جيشان مختلفان (زانلا وزبرا)  وزعيمان مختلفان. عند الاستقلال كان زعيم زانلا روبرت موجابي هو الذي فاز بالسلطة في حين همش جوشوا نكومو. هنا انطلق قتال بين حزب زانو ضد نديبيل في الجنوب) انه موضوع صعب جدا ، ولكن لدي مشهد "صورة" لأمرأة يقطع رأسها. لقد حدث ذلك . كانوا يقطعون الشفاه والانوف ولكن قطع الرأس ! رجل يأتي الى القرية ويفعل ذلك . كيف يفعلها؟ كيف اعبر عن ذلك بطريقة  تجذب انتباه القاريء؟ كنت اعرف على مدى شهر او اثنين ان ذلك  هو المشهد الافتتاحي ولكن التحدي كان ان اجد الكلمات التي  تصف ذلك في الرواية ، لأجعله قابلا للتصديق ومؤثرا ، بشرط ان يكون الاسلوب من النوع الذي يحتفي بالكتابة .المسألة صعبة ولكني لا اريد ان اقول "آه ان المسألة مربكة وقبيحة ودموية. لن اكتبها". كلا، علي ان اجعلها قابلة للقراءة كتجربة  مدهشة وجميلة وابداعية  . لهذا علي ان اصمم رقصتها. يصبح الموت مثل رقصة ،  الطريقة التي يقتل بها الرجل هذه المرأة تكاد تكون فعلا جنسيا ، مهارتها وحرارتها وحميميتها، في نفس الوقت الحفاظ على العنف وسواد المشهد وهو ما يصح على التجربة في ماتابا لاند . كان على ذلك المشهد ان يحوي كل مشاهد الرعب، التي اجتاحت المنطقة حيث اعيش. كانت هناك مشاهد مرعبة اخرى كثيرة . على سبيل المثال سلمت فأس لإمرأة  وطلب منها ان تقطع بها رأس زوجها واذا لم تفعل فسيقتل الجميع ، ويهمس زوجها "افعليها ، افعليها" وتفعلها. ثم تفقد صوابها لمدة خمس سنوات."

 الرواية

كان التصدي لترجمة مثل هذه الرواية مثل مغامرة غير محسوبة. فاسلوب ايفون فيرا عجيب وساحر. خير مايوصف به بأقل الكلمات : انه امتزاج العناصر في الطبيعة بما فيها الانسان والحيوان والاشجار والتلال والغيوم والمطر وتعاقب الفصول . لا شيء اعتيادي في هذا الكتاب . ولمن يريد قراءته عليه ان يطرح من ذهنه كل ما اعتاد عليه  في الادب الروائي. ففي هذه الرواية ، للهواء سمع وبصر، وللحروف رائحة ، وللرائحة الوان وصوت . هنا الصمت كلام والكلام صمت. جمل تتكون من كلمة واحدة. واحيانا لا يعرف القاريء هل هذه الكلمة تصف رجلا ام سحلية ام ورقة شجر. ولكن النتيجة ، هي انك تدخل في عمق حركة اية ذرة من ذرات الغبار ،  فتعيش فيها او تطير معها وهي تختلط بالرائحة وبالرطوبة وصخب الشوارع.

الفصل الاول من الرواية خاص بالمدينة المتحضرة بولاوايو ، حتى تجد نفسك وقد حفظت خارطتها ، وعرفت اشكال ناسها ، وعاداتهم ، اين يلتقي عشاقها ، وعمالها الذين يذهبون الى جوهانسبرغ للعمل ويعودون متعالين على جيرانهم ، طريقة رقصهم ، ترنيماتهم ، ارتداء ملابسهم ، تسكعهم .

وبعد ان تصبح جزءا حيا من المدينة النابضة ، تذهب بك المؤلفة في الفصل الثاني  الى كيزي، الريفية ، بتلالها وصخورها واحتدام الحرب الاهلية فيها . ولن تبدأ احداث الرواية الا في الفصل الثالث.

الرواية تأخذك من اعوام القهر والفصل العنصري  في الخمسينات من القرن العشرين  وحرب الأحراش او الغابات ثم الى الإستقلال في 1980 ثم  الحرب الاهلية من 1981 الى .1986 . كل هذا في دوامة محتدمة قوامها كلمات حسيّة ، مرهفة ، قاسية ، صادمة . السرد فيها نثر شعري ، لايدعك تفلت منه حتى تخلص  الى آخر كلمة من الرواية (الخلاص) بمعناها الروحي الديني.

مراجعات النقاد عن الكتاب والكاتبة

"على نحو تأملي وبشاعرية بالغة تطرح فيرا حقائق تاريخية في إطار روائي استثنائي يوثق لتجربة بلادها ترصد خلاله مرحلتين هامتين في تاريخ زمبابوي ، ما قبل وما بعد الإستقلال ، الموضوع الرئيسي الذي يأتي سرده على لسان شخصياتها النسائية في غالبيتها (التي ترمز إلى الأمة) ضمن حالة الوعي بمعاناتها التي تفوق حجمها العادي. 

أما الأحداث فتبدأ من مسقط رأسها مدينة بولاوايو إحدى أكبر المدن الزمبابوية ثم تنتقل إلى قرية كيزي الريفية إلى الجنوب منها حيث الإسهاب في الأحداث وحيث يلتقي القارئ بعد 30 صفحة إحدى الأختين الشابتين (ثنجيوي) وهي تقع في غرام أمين متحف من بولاوايو بأحد أماكن التجمعات الشبابية الترفيهية التجارية ثندابانتو ستور فتنشأ بينها وبين الشاب الطيب المفعم بمشاعر الحب علاقة مترددة لاتلبث ظروف الحرب الأهلية أن تتقاطع معها.في أجواء الحرب والقتل والعربدة يرتكب جندي يدعى سيباسو جريمة قتل ثنجيوي الوحشية واغتصاب وتشويه شقيقتها نونسيبا. تجاه هذه المأساة المروعة وفي أعقاب الدمار الذي يجتاح المدينة بما في ذلك قلبها النابض ثندابانتو ستور لاتجد نونسيبا بداً من الانتقال إلى بولاوايو بصحبة الرجل الذي أحبته شقيقتها يحدوها الأمل في حياة أفضل.

على الرغم من تقديمها لهذه التراجيديا بأسلوب انطباعي ، إلا أن موهبة فيرا الروائية تكمن في قدرتها على الإمساك على الرغم من ذلك بالتفاصيل الدقيقة للمشهد السياسي التاريخي للحرب . فهي على لسان بطلتيها الشقيقتين ومعهما سيباسو الوحش القاتل ومن خلال منظور كل واحدة من هذه الشخصيات الثلاث تجعلنا قادرين على معايشة الفوضى وكل ظروف الحرب المروعة جنباً إلى جنب مع معايشتنا نكهة الحياة في القرى الريفية الإفريقية، المشاهد التي قد نصادفها في السينما أو على شاشة التلفزة، أكواخ القش، العشب، الأشجار المحملة بالفاكهة القوية الرائحة، الشاحنات المكشوفة تملأ الطرقات ليخرج من بطونها الناس، الحياة رغماً عن كل شئ تستمر ، الشباب يتقابلون والغريب وهو يضع قدميه في القرية يلقى ضالته في واحدة من الشقيقتين ، تصطحبه إلى بيتها بلا خوف وكأنما المؤلفة تريد التمهيد لما هو قادم" صحيفة البيان الاماراتية – العدد 292 /2003 
 
++

كتبت ادنا اوبراين :  روائية وقاصة ايرلندية (ولدت 1930) فازت كتاباتها بالعديد من الجوائز. استاذة للادب الانجليزي في جامعة دبلن.. مقالة بعنوان (حجرالقلب) نشرتها في مجلة نيويوركر NewYorker بتاريخ 24 مارس 2003 ، فيما يلي مقتطعات منها:

(حين التقيت وحاورت فيرا في بولاوايو في عام 2001 ، كانت تكتب رواية "عذارى من حجر" وقد تحدثت عن اثر الكتابة في تغيير حياتها قالت:

"ينبغي ان تتحسسي الكتابة وتجربيها كشيء يغيرك. مع كل فقرة اكتبها ، اشعر دائما ان علي ان اكون  على عتبة تحول جديدة. اما في حالتي الذهنية او في الصوت او اللغة، في ما اكتشفته عن الشخصية ، عن اللحظة ، عن فن الكتابة ، عن فعل الكتابة . وفقرة اثر فقرة ، اشعر بأني تحولت. ودائما اشعر في نهاية اليوم حين اتمكن من الكتابة ،   بالذعر وتدق ضربات قلبي وافكر اني لو لم اكتب اليوم ، لما كنت ما أنا عليه الان ، الان ، في هذه اللحظة."

وبهذه الرواية الجريئة والمتوازنة ، غيرت فيرا اللحظة الراهنة للقص الزمبابوي.

بعد استقلال زمبابوي من الاستعمار البريطاني في 1980 خاضت حرب عصابات في مقاطعة ماتيبالاند حين حاول الرئيس روبرت موجابي القضاء على منافسه جوشوا نكومو رئيس حزب زابو من اجل حكم الحزب الواحد. كانت حربا خفية وعنيفة حتى ان تقديرات ضحاياها تتفاوت تفاوتا كبيرا.  وقد جاءت ايفون فيرا من هذه المنطقة المنكوبة ولهذا لا يدهشنا ان (عذارى من حجر) هي قصة حرب ووقف اطلاق نار ثم المزيد من الحرب. انها تصور اغتصاب البلاد ، اولا من قبل الاستعمار ثم من قبل أهلها ، يرمز لذلك اغتصاب شقيقتين : ثينجوي ونونسيبا.
فيرا تحب اللغة واحيانا تغرق نفسها ونحن معها  فيها، الى حد يتضبب معه  الأثر العاطفي ، لحظة الرعب، او يقل اثره. تعطي للقاريء وليمة من الاحاسيس في حين ان المطلوب هو لحظة المواجهة الدرامية المحورية.  

تتم عملية الاغتصاب بكلمات مبهمة مثل غيبوبة ، مثل اوهام كاسحة  تكبح فيها مشاعر تعاطفنا وتقززنا في نفس الوقت.

 "عذارى من حجر" مثل الكثير من الروايات التي تحكي عن ميادين القتل ، تشكل معضلة للروائيين وكتاب الدراما المعاصرين الذين يطالعون  تحقيقات صحفية مشهود لها بالنزاهة والبلاغة حول مايجري في البلاد، بحيث يبدو الكثير من الروايات الى جانبها متخمة بالنرجسية والقلق الخاص.   لماذا إذن نتجه الى الأدب؟ اعتقد اننا نقرأه للوصول الى اللحظة المؤثرة ، لمكامن الخيال والقدرة على تصوير  العواطف المعقدة والمربكة للرجال والنساء - نابضة ومتدفقة ومتوهجة. )
++
ونشرت رانكا بريموراك  من جامعة نوتنجهام ترينت مقالة عنها  في مجلة  الدراسات الافريقية الجنوبية المجلد 29 العدد 4 ، ديسمبر 2003
 
(آخر رواياتها (عذارى من حجر 2002) هي الوحيدة التي تغطي فترة ماقبل وبعد استقلال زمبابوي (رواية نيهاندا تغطي زمن تسعينيات القرن التاسع عشر ، واحتراق الفراشة في اربعينيات القرن العشرين و (بدون اسم ) و (تحت اللسان) فترة سبعينيات القرن العشرين)

تقسم الرواية الى قسمين احدهما بعنوان (1950-1980) والاخر (1991-1985) وتبدأ وتنتهي بفصول تصف مدينة بولاوايو عاصمة المقاطعة الجنوبية ماتابالاند في زمبابوي.

بولاوايو الكولونيالية توصف في الفصل الأول بأنها مدينة الزوايا والانقسامات الحادة حيث يلتقي فيها الرجال السود بالنساء السوداوات حرفيا تحت الارض وهم يحلمون بالحرية التي لا يمتلكونها . في الفصل الاخير للرواية من جانب آخر  تتسكع امرأة سوداء بحرية بين شوارع المدينة . هناك زهور في كل مكان . وهناك ايضا بعد الاستقلال مانيكانات سوداء في نوافذ عرض المحلات وهناك ظهر حديثا، موظفو بنك سود ومديرون يتدربون وسكان سود في الشقق السكنية التي تحمل اسماءا كولونيالية مثل (شقق كنزنجتون) . توضح الرواية ان الاستقلال قد جاء بنهضة اجتماعية ولكنه ايضا جاء بالمعاناة والمأساة والعذاب.

تقدم رواية (عذارى من حجر) السرد بتوازن ووضوح  وباسلوب محكم اكثر من رواياتها السابقة . وقد امسكت بزمام طوفان الصور (الشعرية) والاستعارات التي كانت اكثر جموحا فيما سبق. الصور كامنة داخل النص بدقة اعظم (انظر على سبيل المثال تكرار كلمة (عظم) او الاشارة الى القارة الافريقية ) احد اكثر الاحداث فظاعة في الرواية وهي جريمة قتل ثينجوي تسرد بجمال غير اعتيادي مستخدمة لغة مكثفة )

وكتبت مريم جمعة فرج، كاتبة القصة الاماراتية، ودارسة للأدب الإنجليزي،  في صحيفة  البيان الاماراتية نقلا عن ايفون فيرا قولها في وصف حالة الكتابة :

«عندما لا أكون مشغولة بالكتابة، وهو ما يحدث في معظم الأحيان ... يبدو لي ذلك كما لو أنه صيام. أكون في حالة إعداد لنفسي. بتعبير آخر أنا لا أعرف ما يعنيه ألا أكون مستهلكة بالكتابة. هنا استعجل الجلوس إلى رواية بالطريقة ذاتها التي تتلهف فيها النساء إلى عشاقهن ـ أحبس أنفاسي، ترتعد فرائصي، وأنا أجلس في غرفة مرتبة، وأرتدي تنورة نظيفة، دون أن تكون لدي فكرة عن الكيفية التي سينتهي بها المساء ـ في هذه المرة الكتاب. «في هذه الحالة ينبغي أن تتوفر لدي الحميمية الكافية للوصول إلى تصور عام، قصة مثيرة، و الأهم الثقة. لا فرق بين الكتاب والحبيب. ولو لم يكن لديك شعور بأن كيانك كله يتحرك باتجاه كتاب معين، فحين إذ لابد وأن تكون عابثاً في الغالب، أو منفصلا كلية عن فعل الكتابة.إنني امضي شهوراً في ممارسة صيام الكتب .أنا أحب التأمل وأمضي ساعات طويلة لوحدي، مع صيامي المتصاعد.إنني أحب الكتابة، فهي وليمة لحواسي . وأنا اكتب لكي أتقاسم هذه الوليمة مع القارئ». 

 ايفون فيرا تكتب باللغة الانجليزية وقد سألتها  ايفا هنتر   في حوار نشر عام 1998 بعنوان "تشكيل حقيقة المعركة" في مجلة "الكتابة  الراهنة" 

السؤال : كيف ترين كتابتك بالانجليزية للقراء في زيمبابوي ؟هل الانجليزية مفيدة في عبور حدود محتملة؟

ايفون فيرا : انها مفيدة لأنها تعبر حدودا دولية وهي لغتنا الرسمية . نعم لقد  وصلت الانجليزية الى بلادي بالعنف حيث اجبرنا عليها، كما حدث في دول كثيرة اخرى ولكن الانجليزية لغة متكيفة ومرنة وجامعة. ربما هذه هي الاسباب التي جعلتها لغة ناجحة في استعمار الشعوب. ولكنها ايضا يمكن ان تستوعب عوالم مختلفة . اقصد اذا نظرت الى كتاب الروائي النايجيري تشينوا أتشيبي "الاشياء تتفكك" Things Fall apart او كتاب سلمان رشدي "اطفال منتصف الليل" هذه عوالم مختلفة تستدعيك لزيارتها ، وبطريقة ما تتكشف لك هذه الثقافات في تفاصيلها الدقيقة.الانجليزية تفعل  هذا. وبالنسبة لي فإن اللغات حرة حتى حين نجبر عليها بهذه الطرق المخيفة. أتشيبي لديه حِكمة رائعة لتفسير أزمتنا هذه . انه يقول شيئا مثل "لاتسكنوا الى احساس التواطيء لانكم تكتبون بالانجليزية ، فنحن نهدف الى ان نفعل اشياءا لا تقال، بها " اذن القضية تعتمد على ما تنوي فعله. لذلك لا اشعر بالاغتراب معها. لو كنت قد تعلمت ان اعزف البيانو فسوف اعزفه بنفس مهارتي لو كنت قد تعلمت ضرب الطبول. لا اشعر بصراع مع نفسي حول شيء يستوعبني فكريا ويسمح لي ان اتواصل ويسعد الكثير من الناس ومردوده  مجز بطرق كثيرة مختلفة. بالكاد لدي الوقت لأشعر  بهذا النوع من الصراع ، رغم اني استطيع بطبيعة الحال ان اناقش سياسات محو الهوية واللغة وماشابه كقضية منفصلة . ولكني لا استطيع ان اقول اني سوف اتعهد بعدم الكتابة بالانجليزية لأن تعلمها لم يكن خياري . انا هي ما أنا عليه ، وانا محظوظة للكتابة بأية لغة أساسا. وهذا شيء يستوجب الاحتفال . لذلك لا يزعجني هذا الأمر . ربما سوف أقلق لو لم يعد الشعب كله يتحدث لغة شونا أو نديبيل، او لو كنت انا نفسي عاجزة عن التحدث باللغتين وهكذا لا استطيع التواصل مع جدتي او اشعر بالقرب من عالم اسلافي."
 
أرجو بهذه العجالة أن أكون وفيت حق الكتاب والكاتبة التي انجزت ستة روايات في عمر أدبي لا يتجاوز 12 سنة (بدأت النشر في 1992 وختمته في 2002)، كانت مثل عاصفة عاتية عبرت في زمن محتوم محدد: المحرمات واللغة ، وابتدعت طرقا جديدة للكتابة، وفعلت باللغة الإنجليزية ما لا يجرؤ انجليزي قح على فعله بها ، تحولت بين يديها الأفريقيتين الى نبض ملتهب، ثم مضت لا تلوي على شيء، وكأنها تلاشت في عطفة من  شارع بولاوايو ، أو في متجر بيع الزهور. طريقة وصفها لانهماكها اليومي المضني في الكتابة (من السادسة صباحا الى الثامنة مساء) قد تبدو  مثل متعبد يجلد نفسه من اجل انهاء مهمة مقدسة ، أو الوصول الى الخلاص .. الكلمة الأخيرة  ، في المشهد الأخير، في الرواية الأخيرة . وهي مهمة امتزج فيها الرهق الجسدي بالنشوة العقلية : المتعة الحسية .. للكتابة.. طريق الخلاص.

بثينة الناصري
المترجمة

هناك تعليق واحد: