الثلاثاء، 15 فبراير، 2011

قتل سمك الرنجة

بقلم: بريان كلوغلي
ترجمة بثينة الناصري

ترجمت المقالة في 11 كانون الثاني 2004

للاسف لقد تعودنا ان يقودنا الغير ويمكننا التعايش مع ذلك ولكن اعادة كتابة التاريخ مسألة مختلفة ، لأن دفاعنا الوحيد هو الذاكرة .

***
في خطابه بمناسبة الكريسماس الذي القاه امام جنوده في العراق ، اكد توني بلير رئيس حزب العمال البريطاني الحاكم بأن هناك (دليلا هائلا على شبكة ضخمة من المختبرات السرية) في العراق.

وهكذا يجعل بلير من نفسه اضحوكة مرة اخرى. ومن الممتع ان نفحص القضية الزائفة و السوقية للمختبرات الشبحية في مضمون مايتصور السياسيون والمسؤولون من انهم يمكنهم ان يستمروا في تضليل الجمهور سيء الحظ .


ينبغي الا ننسى ان بوش وبلير (مع هوارد استراليا ، الشرطي الابيض الذي عينته الولايات المتحدة في منطقة الباسيكفي) شنوا حربا على العراق بسبب ماأكدوا لنا من أن حكومة بغداد تمتلك اعدادا هائلة من اسلحة الدمار الشامل. قيل لنا انها تمتلك صواريخ يمكنها ان توصل عناصر بيولوجية وكيميائية وقد قدم لنا رئيس الولايات المتحدة تفصيلا عن العدد الصحيح لها (صدام حسين يمتلك موادا تكفي لصنع 500 طن من غاز السارين والخردل وغاز الاعصار vx ) كما قال في خطاب حال الاتحاد.
وطبقا لنائب الرئيس والاخرين في واشنطن ، فإن لدى العراق برنامج اسلحة نووية فاعلة استوجبت قيام الولايات المتحدة وبريطانيا بغزو العراق.


ولكن ادارة بوش تريد الان منا ان ننسى ان تشيني نائب الرئيس اعلن في سبتمبر 2002 (اننا نعرف ان صدام حسين استمر في تطوير قدرة اسلحته الكيميائية . نعرف انه نجح في تحسين قدراته البيولوجية ونحن على ثقة من انه ايضا بدأ مرة اخرى في محاولة الحصول على اسلحة نووية) بل ان تشيني في 16 مارس 2003 قال ( دعونا نتحدث دقيقة عن القضية النووية . نحن نعرف استنادا الى معلومات استخباراتية ان صدام حسين كان ماهرا جدا جدا في اخفاء جهوده هذه . وقد كان لديه الوقت الذي يمتد لسنوات ليجيد عمليات الاخفاء ونحن نعرف انه كان مهتما جدا بالحصول على اسلحة نووية. ونحن نؤمن بأنه في الحقيقة اعاد بناء اسلحته النووية واعتقد بصراحة ان السيد البرادعي كان مخطئا). وكان البرادعي وهو خبير محترم قد صرح بأن العراق لايملك برنامج اسلحة نووية.

وقبل سنة اعلن بوش ان العراق (لديه اسطول يتزايد من الطيارات بطيار وبدون طيار يمكن استخدامها بنشر اسلحة كيماوية وبيولوجية على نطاق واسع. كما قال في مؤتمر صحفي بتاريخ 14 تموز/يوليو 2003 بدون ان يرعى جانب الحقائق اوالمصداقية (لقد منحنا صدام حسين رصة ليسمح بدخول المفتين ولم يسمح بذلك .) وفي دول كثير يتعرض الناطقون بمثل هذه الاكاذيب الفاضحة لهجوم الاعلام ولكن ليس في الولايات المتحدة. وقد تم كف اختلاق هذه القصص ومثلها ماصرح به تشيني من وجود (دليل) على علاقة العراق بالقاعدة التي تتضمن تدريب على اسلحة بيولوجية وكيميائية. وان القاعدة قد ارسلت بعض اعضائها للدريب في بغداد على هذه الانظمة. كل ذلك كان كذبا . . كذبا سخيفا . كذبا وقحا . . كذبا آثما. ولكن حملة بوش الانتخابية تسعى جاهدة لتشجيع الناخبين الامريكان على نسيان اوعلى الاقل اغفال الخداع والتضليل. وقد تغير الان الخطاب الرسمي بشأن اسباب الحرب على العراق .

وهكذا فعندما يواجهون بالحقائق غير المريحة حول عدم وجود اسلحة دمار شامل وانه ليس هناك أي عناصر بيولوجية (ناهيك عن 500 طن التي تحدث عنها بوش) وانه ليس هناك (اسطول متزايد) من طيارات بدون طيار لرش هذه المواد. وان القاعدة لم تتواجد قط في العراق رغم انها الان تعمل هناك حسب تصريحات واشنطن بفضل الفوضى التي خلقتها حملة بوش الصليبية، فقد تغيرت حجج الحرب ولكن ليس بذكاء. ومن هنا كذبة بلير حول المختبرات التي اختبارها من تقرير فريق رامسفيلد للبحث عن اسلحة الدمار الشامل في العراق.

ولسوء حظ مصداقية بوش وبلير وتشيني ورامسفيلد والاخرين (رغم انهم لايعيرون المسألة اهمية) ، فشل الباحثون في ايجاد اسلحة دمار شامل. وكل مااستطاعوا اختراعه هو وجود (دليل) على المختبرات التي لم يعثر على واحد منها. ويبدو ان كلمة (دليل) اكتسبت معنى يغاير مافي القواميس وهو (الحقائق والظروف الخ المتوفرة التي تساند اعتقادا او اقتراحا الخ او تشير مااذا كان الشيء صحيحا من عدمه.) فإذا كان لدى امرء دليلا على وجود يء اذن لابد ان الشيء موجود ولذلك اذا كان كما قال بلير (هناك دليل هائل على شبكة ضخمة من المختبرات السرية ) فلابد ان المختبرات موجودة ، اذن اين هي ؟ وتأكد انها لو كانت موجودة لرأينا لها صورا فوتغرافية في كل الصحف الامريكية وكانت شبكة فوكس للاخبار ستذيع شريط فيديو مستمر عن الاماكن. ولكن كل ماوجده المحققون هو سيارات نقل تسخدم لاعداد بالونات للرصد الجوي.

في 25 حزيران / يونيو 2003 نشرت النيويورك تايمز بأن السيد بوش (ذكر (سيارات النقل) كبرهان اكيد على امتلاك العراق برنامج اسلحة بيولوجية كما اتهمته الولايات المتحدة دائما وعلى اية حال يبقى العثور على دليل آخر لايدحض امر مهم.) لاحظ استعمال الكلمة (آخر) في هذا التقرير الذي يفترض به ان يكون واقعيا . يقصد بهذه الكلمة اعطاء الانطباع بأن هناك دليل (لايدحض) واحد على الاقل موجود فعلا، وهو ماليس حقيقة. وهذا مثال على الصحافة الممالئة بأسوأ حالاتها. ومع ذلك ففي آب/ اغسطس وفي مقابلة مع هيئة الاذاعة البريطانية قال ديفد كي رئيس مفتشي الاسلحة الامريكان ( اعتقد ان الحديث عن المختبرات المتنقلة ان سابقا لأوانه ومحرجا . لا اريد من (فرقعة) المختبرات البيولوجية المتنقلة في آيار / مايو ، ان تكون نموذج المستقبل ) كانت فرقعة بالون . ولكن بلير كان خبيرا في البالونات ولهذا اختار ماليس عليه دليل لاذاعته على الجنود البريطانيين بعد ستة شهور . ثم جاء بول بريمر الحاكم الامريكي للعراق فعاجله بالضربة القاضية.

فعندما سئل في قناة تلفزيون الاندبيندانت البريطانية ليعلق على براهين بلير وطبقا لصحيفة الديلي تليغراف المساندة بشدة للحرب على العراق (هزأ السيد بريمر بكلام بلير دون ان يعرف انه قائله ، قائلا : لا ادري من اين جاءت هذه الكلمات ولكن هذا ليس ماقاله ديفد كي . لقد قرأت تقاريره ولهذا لا اعرف من قال ذلك . يبدو لي ان هذا مثل سمكة الرنجة المدخنة . يبدو لي ان احدهم غير موافق على السياسة الامريكية اختلق سمكة رنجة مدخنة ثم قتلها ) (سمكة الرنجة المدخنة تعبير دارج يعني شيئا يراد به صرف الانظار عن المسألة الحقيقية – دورية العراق). وحين قيل له ان بلير هو قائل الكلام تراجع بريمر قليلا وقال ( هناك فعلا الكثير من الدلائل التي اعلنت، وهناك دليل واضح على استمرار البرامج البيولوجية والكيميائية التي تبين دليلا واضحا على انتهاك قرارات مجلس الامن المتعلقة بالصواريخ) واضاف السيد بريمر ان الحرب كانت مبررة (تاريخيا) بعض النظر عن مسألة اسلحة الدمار الشامل (ادعو أي شخص بريطاني او امريكي ممن يعتقد اننا اخطأنا بذهابنا الى الحرب ان يأتي ويرى القبور الجماعية في حلبجة . تعالوا ثم قولوا لي اننا لم نكن محقين في تحرير هذا البلد من صدام حسين . نحن الائتلاف ، الشعب البريطاني والامريكي فعلنا شيئا نبيلا لتخليص 25 مليون عراقي من احد اقسى الطعاة في القرن العشرين) ومضى قائل ( اسلحة دمار شامل او لااسلحة دمار شامل ، من المهم هنا ان نرجع خطوة الى الخلف لنرى ماذا انجزنا تاريخيا.).

بالتأكيد ، من المهم ان نرجع خطوة الى الوراء وننظر الى خرائب العراق، لأن ماانجزه مسؤولو ادارة بوش تاريخيا هو انهم كذبوا على العالم بأسره. والان وقد كشف العالم تضليلهم يحاولون تبرير حربهم بادانة اخلاقية وغاضبة لما فعله صدام تاريخيا. وربما كانت خطبهم ستكون اكثر اقناعا لو كانوا قد ادانوا احداث حلبجة ايام وقوعها في 1988. ان المهاويس يحاولون تبرير حربهم بجريمة حدثت منذ 15 سنة لم ينطق احد منهم خلالها بلفظة او كلمة لادانتها.

ولكن المهم ان شخصا مسؤولا مثل بريمر يعترف بأنه لايوجد (اسلحة دمار شامل) وهو وسادته يحاولون بيأس ان يقنعوننا بأن قضية اسلحة الدمار الشامل غير مهمة. وهذا يذكرنا بقوة بنهاية عهد نيكسون . هل تتذكرون رون زيجلر الناصف بلسان نيكسون الذي توفي العام الماضي؟ لقد نطق بكلمات خالدة في حينه (ان الرئيس يشير الى حقيقة ان هناك مادة جديدة. ولذلك هذه هي الكلمات الفعالة وغيرها ليس فعالا.)

ان تحذيرات ادارة بوش الهيستيرية حول البرنامج النووي العراقي ، 500 طن من العناصر البيولوجية والكيميائية ، اسطول الطائرات بدون طيار المهلكة، والاشياء الاخرى نتاج خيال محموم هي الان حسبما نفترض (غير فعالة) ولن يطول الوقت قبل ان يسرع صناع الدعاية الغاسلة للدماغ باعادة كتابة التاريخ. وقد بدأت المسيرة في موقع البيت الابيض على الانترنيت ( واين غير ذلك ) بادخال كلمة (الرئيسية) في تقرير خطاب بوش في 1 آيار/ مايو . هل تذكرون المانشيت الضخم (الرئيس بوش يعلن انهاء العمليات القتالية في العراق )؟ كلا ، لاتتذكرون لان البيت الابيض يقول ان هذا لم يحدث . ماقصد بوش هو ان يقول وهو مايقال لنا الان انه قاله حقيقة هو (انتهاء العمليات القتالية الرئيسية ). هذا هو مايوجد الان في السجل التاريخي نسخة البيت الابيض.

لقد وصف اورويل مثل هذا الشيء في روايته (1984) الذي كان دائما كتابا يصيبك بالرعب عند قراءته وخصوصا هذه الايام. (ان كتابة امر الاخ الاكبر لهذا اليوم كما ظهر في صحيفة التايمز غير مرض ويشير الى اشخاص لاوجود لهم ، اعد كتابته وابعث مسودتك الى السلطات العليا قبل الحفظ) انك تشك في ان اعادة كتابة الحقائق على طريقة الاخ الاكبر عادت الينا هذه الايام ؟ اذن تأمل كذبة رامسفيلد الوقحة في اذاعة سنكلير في 25 ايلول/ سبتمبر وقد كان المذيع موريس جونز يسأل ( قبل الحرب على العراق بينت اسبابها بشكل فصيح . قبت ان العراقيين سيرحبون بنا بأياد مفتوحة ) وهذه اقوال موثقة جيدا ولكن رامسفيلد قفز لينكرها قائلا ( لم اقل ذلك مطلقا. مطلقا . ربما تذكرها جيدا ولكنك لابد تفكر بشخص آخر . لن تجدني قلت هذا الكلام في أي مكان) فكر برواية (1984) مرة اخرى . عندما كتب اورويل ( كان يعمل الان حوالي دستة اشخاص يكتبون نسخا مختلفة لما قاله الاخ الاكبر حقيقة . وبعد وقت قليل يقوم عقل مفكر في الحزب الداخلي باختيار هذه النسخة او تلك ويعيد تصحيحها ، ثم تمرر الكذبة المنتقاة الى السجلات الدائمية وتصبح حقيقة). للاسف لقد تعودنا ان نقاد ويمكننا التعايش مع ذلك ولكن اعادة كتابة التاريخ مسألة مختلفة. لأن دفاعنا الوحيد هو الذاكرة وهو مايحاول غاسلو الدماغ في البيت الابيض وداوننج ستريت ان يهزموه.
ياللعصابة المحتالة الرخيصة الخربة . انهم يأتون بسمكة الرنجة المدخنة (ماقصده بريمر هو بدون شكل – خيال المآتة) ثم يقضون عليها. كما يقضون على الحقائق ويلغون مبادءهم اذا كان لديهم مباديء!

•*بريان كلوغلي يكتب في قضايا الدفاع لكونتر بنش وذي نيشن والديلي تايمز (الباكستان) .   

  www.briancloughley.com
لمن يريد مراسلته : beecluff@aol.com
•*المصدر counterpunch

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق