الخميس، 4 فبراير، 2016

(القطار المسافر) يصل ال محطته بعد ربع قرن

هذه الرسالة التي وصلتني من ربع قرن، من شخص لا أعرفه في مكان يبعد عني آلاف الأميال، هي أعز رسالة الى قلبي. وقد قلبت اليوم البيت بحثا عنها حتى وجدتها. الراسل لم يبعثها اليّ أساسا، وإنما كانت موجهة  الى مجلة نشرت فيها قصة (القطار المسافر) .. . سأنشر الرسالة وأخفي إسمه، وأتمنى أن يكون في مكان ما من هذا العالم ينعم بالسلام والسعادة. المجلة كان اسمها (حراس الوطن) تصدرها مديرية التوجيه المعنوي في وزارة الدفاع العراقية وهي اسبوعية عسكرية  سياسية ادبية فنية.
وكانت المجلات العراقية تصلني الى مقر إقامتي في القاهرة. في العدد 37 الصادر في 3 حزيران/يونيو 1990 حين وصلتني هذه المجلة وفيها (رسالة من قاريء) الى إدارة المجلة. وهي الرسالة التي اعتبرها وساما على صدري وجائزة كبرى. إليكم الرسالة بالنص:

جزء من  الرسالة المنشورة

حراس  الوطن الغراء
تحية طيبة وبعد،
وأخيرا وصلت الى عملي الجديد في البصرة ، في مشروع تطوير مستودع الزبير، وكانت هذه السبع ساعات سفر قد أرهقتني ، ليس بسبب أصوات المحرك والبشر، بل لأنني لا أستطيع ان أتحمل كل هذا الصبر في الجلوس.
دخلت الغرفة المعدة لي.. سرير واطيء، كرسي خشبي واحد (دولاب) حديدي، معدلة هواء، ثلاجة صغيرة ، منضدة عريضة .
ألقيت حقائبي على تلك المنضدة العريضة ورحت أعد نفسي بسرعة للاستحمام وهذه المرة سوف لن احاج الماء الساخن لأن جسمي يشع نارا.
وكان ذلك،
ولكني  استلقيت على ذلك السرير الواطيء ، وسحبت نفسا عميقا كمحاولة مني للتخلص من آخر خيوط التعب.
آه .. علي أن أنام  ولو لنصف ساعة للتخلص من هذا الصداع المزعج ولكني لا استطيع النوم الا أن أقرأ.
ماذا أقرأ؟ كنت قد لمحت عند دخولي الغرفة ، مجلة على الطاولة العريضة. لم أتفحصها .. سحبتها دون أن اغادر السرير، فكانت (حراس الوطن) العدد 31 في 22 نيسان (ابريل) 1990. ورحت أداعب أوراقها بلطف، فاستقر نطري على (القطار المسافر) والإجابة على التساؤلات المستحيلة* وبثينة الناصري. قرأت القصة فغمرني يالنعاس، فقاومته وقرأتها ثانية، واوشك أن اقرأها
اكثر، لأني كلما اقرأها أجد فيها متعة العقل والقلب والذوق. كنت قد سمعت ب(بثينة الناصري) قاصة ولكني لم ادخل عالمها لأسباب ربما أجهلها ولكن الآن سأدخل هذا العالم الرحب، وأبكي وأضحك فيه كما كنت وأنا أطالع القصة.
وإنني رجل احتاج أن أبكي، كما انني احتاج أن أضحك بدموع واحدة.
إن بثينة الناصري كانت تحاكي المشاعر بصدق وبكل شجونه التي لا تعد صغيرة لمن يتبناها، بل تأخذ أبعادا تؤثر في شكل الواقع أو تشكل انعطافا كبيرا فيه. فتراني انجذب لأدبها مرة ولمشاعرها أخرى وبكلاهما تتولد هالة صدمة الإدراك.
"رفع وجهه اليها ببطء وفي هذه المرة لم تستطع الإفلات من عينيه . كانت نظراته الصامتة المبتهلة ، إسارا يسمرها ويشدها اليه.. لقد حانت اللحظة"
كنت أنا وقلبي وعقلها ،
حين احتدمت مشاعر الزمن الفتي
كانت تنثر سدولها
وانثر طفولتي فتجتمع العبرة
فيتكرر الطوفان
الآن رفعت من رأسي فكرة النوم لسبب بسيط.. أنني لا أحتاج إليه.
وغمرني شيء من الفرح لأني تعرفت على صديقين رائعين هنا: مجلة حراس الوطن الغراء والقاصة المبدعة بثينة الناصري.
سأرتدي ثوبا آخر وأشياء اخرى لانطلق  الى الزبير، وابحث عن مكتبة مستفيدا من ارشادات بواب المخيم السكني في كيفية الوصول الى هذه الأماكن ولأهمس في إذن صاحب المكتبة :
-لطفا .. مجلة حراس الوطن و(حدوة حصان) لبثينة الناصري بدون زحمة.
ولا أدري كيف سيجيب صاحب هذه المكتبة ، وكيفما يجيب سأحصل على هذه المجلة وهذا الكتاب لاجعلهما محطة  استراحتي بعد هموم العمل. ترى هل استمر في مراسلة المجلة ؟ وهل لي أن ارسل بعض النتاجات الادبية؟ وفي الختام غاية اعجابي وتقديري لاسرة مجلة (حراس الوطن) لذوقها الرفيع وسلامي وتقديري الى القاصة المبدعة بثينة  الناصري وعسى ان تطلع على هذه الرسالة ولكما مني كل الود والمحبة.
المخلص ع. س. ج
المشاريع النفطية -مشروع مستودع الزبير - البصرة
++
* كنت قد وضعت عنوانا فرعيا تحت العنوان الاصلي للقصة نصه "محاولة للإجابة على التساؤلات المستحيلة"، وكنت أقصد منه توصيل رسالة الى من ارتبطت حياتي به قبل ذلك لفترة طويلة .. مستحيلة.
++
يمكن للقراء الأعزاء الاطلاع على مقتطع من القصة في صفحة (كتاب المغامرات) أو اقتناء الكتاب من معرض القاهرة الدولي للكتاب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق