الخميس، 4 فبراير، 2016

العراقية بثينة الناصري: مقاتلة على أكثر من جبهة

بقلم: عالية ممدوح*

    - 1 -
كنا نتخاصم ونتصافى على الورق. نتراسل منذ عقود طويلة، نختفي ولا نلتقي كثيرا. دعوتها لباريس في أحد الأعوام فحضرت مع ابنها الصغير وقتذاك. نتوارى طويلا لكننا، غريزيا نضبط خطوات بعضنا للبعض الآخر لكي لا نفقد الخيط أو الاتجاه، وتتيه إحدانا عن الثانية، فنظهر بغتة، بتلك الطريقة الوحيدة المجنونة التي لا نعرف غيرها ونحن في هذا السن المتقدم: إننا لم نغادر الضلوع والجوانح، أنا وبثينة الناصري، القاصة العراقية، الباحثة والمترجمة، الصموتة، الكتومة المشتعلة والمتجددة، شديدة الانتباه، طلقة اللسان، وصوتها رنان كإعلامية منذ بدء الاحتلال ولليوم، عبر موقعها الالكتروني ومقالاتها وبحوثها وتراجمها وإطلالتها في بعض القنوات. صداقتنا لم تكن مطابقة لأي قانون، فقط، كانت موجودة وذات تيار كهربائي يسجل ذبذبات البشاشة والنضارة الروحية، فقد كنا لا ننتمي لأية حركة أو مدرسة أدبية أو اتجاه سياسي أو تنظيم عقائدي. كنا ومازلنا نختلف في أشياء كثيرة، لكن صداقتنا كانت نوعا من الأيمان. بعض قصصها القصيرة كانت إبداعا رقراقا وبعضها كعقد اللؤلؤ كما في قصتها (العودة إلى بيته) من مجموعة موت إله البحر الصادرة في القاهرة عام 1977. تتحدث عن زوجين حضرا من ألمانيا للدولة العبرية لكي يحتلان بيت أحد الفلسطينيين، فماذا يواجهان وهما داخل تلك الحدود التراجيدية من امتلاء البيت بحياة تامة تدب في الصمت والصوت والطائرات الورقية المرسومة على الحيطان وكيف تتحول إلى أزيز صاعق يصعب إدراك حده. هذه القصة كأنها كتبت أول أمس، ترجمت إلى العديد من اللغات العالمية وأثارت إعجابا كما قصة - الشهيد - عندما أصدرت صديقتنا المشتركة الكاتبة إنعام كجه جي كتابها - كلام عراقيات - وترجم للفرنسية في أثناء الغزو في العام 2003 اُعتبرت في عموم الصحافة الفرنسية - ضربة معلمة -. يوم حردتُ وزعلتُ من بثينة في أوائل التسعينيات، بقيتُ أتفاوض مع روحي لكي أختار لها موضع القلب في عملي القادم فصدرت روايتي - الولع -، وعلى تلك الوتيرة افتتحت الراوية الكتاب برسالة إليها بدأت ب: عزيزتي بثينة... الخ

- 2 -
حسنا ، فليكن الأمر كذلك، فلقد بقينا سويا دون تحضير طويل أو انتحال صفات لا نمتلكها. فأنا أظن، من يخطط أن يكون شريفا أو متواضعا.. أو.. أو.. هو غير ذلك على الاطلاق. اليوم، وأنا أريد الاحتفاء بتحفة بثينة الناصري - ترجمتها- ليوميات الجنود الأمريكان في بلاد الرافدين، فأشعر أن علي قبل الكتابة عن الكتاب، الكتابة عن هذه الصديقة الكاتبة، الكتابة عن الصداقة، بعضها الثمين والنفيس، عن جنس، وأجناس الصداقات حتى لو كنا لا نصيب في معظمهن / معظمهم، وهذا بدوره أمر صحي أيضا إذا لم نعد صديقات مع تلك أو هذه بسبب: الوشاية، الإهمال، التشاوف، الغرور، التحاسد، التعالي، الغيرة، البغض، ولعل أقساها الموت الخ. أظن الصداقة الحقيقية في جانبها الفكري والنقدي تغذي وتوتّر الأسئلة الجوهرية الحارقة لجميع الحيثيات التي يوفرها الوجود الإنساني حول ؛ الكتابة كورطة مزمنة، والموهبة كوحش كاسر، والحب كمأزق لا حل له، ثم الشك بالحلول التي يقترحها الموت للكائن البشري. على هذا المستوى كانت هذه الكاتبة صديقة ذلك العمر الذي يبدو اليوم بلا فواصل، وإذا ما قمت بالمرور ما بين الضمائر هي وأنا، نحن وهم، فاليوم رُفعت الأقواس جميعا عما يمكن أن نسميه بلداً، أو، هل بقي العراق، ذاك البلد، أو تلك البلاد كما شاء المحتل، والمتعاون، اللص والقاتل، عراق يستعمل مرة واحدة ثم يرمى كورقة الكلينكس.
- 3 -
كيف نكتب من خلال صداقة بهذه الكاتبة أو ذاك الشاعر والرسام والباحث عن الانتظار والتواريخ والأشقاء، ومراتب الصداقة حين تبدأ كما هو الجنين، نطفة مذهلة داخل منجم ذهب، أو خلطة كيمياء مكتوبة في نظرية رياضية لم تمر عليها الكتابات السابقة. كل صديقة حي من أحياء بغداد، وكل حي له اختصاص من المعماريين والشعراء والخياطين والمزارعين، من اللغات والباعة المتجولين ودعوات الجدات العظيمات، وحالة يرثى لها من الحب الذي لا يحضر إلا كفرصة أخيرة. صحيح يا بثينة ؛ إنني أحب جميع من أحببت ودفعة واحدة. مولعة بتلك الأذن حين كانت تسمع العزف المنفرد من الشريط المسجل لصوت حسين نعمة وأنا وحيدة ومحبطة في أكثر مدن العالم سأما، الرباط، أنادي على بثينة ولوحدها ومن وراء المحيط في أحد الأعوام وأنتحب بدموع سخية وهي ترد النداء بالطف البكاء. أظن في كثير من الأحيان، أن الصداقة تنشأ وتكسب القوت والقوة والعمق حين يكشف المرء نفسه بنفسه وبالسرعة أو البطء الذي يراه المرء مناسبا حتى لو لم يقع ببعض المصاعب أو الملمات. كان بوسعي الكتابة عن الكتاب الذي سحرني بحرفيته وبطريقته المنهجية، بانحيازه التام الذي لا لبس به، وهو يبسط العراق على الراحات والصدور ودون أن يسجل شكوى أو دعوى أو منةّ. كانت بثينة تترجم وتدون وتقدم المحتل القاتل، صاحب الرقبة الغليظة والقلب القاسي حين يبدأ - هو - بسرد الجريمة، جريمته.

٭٭٭٭
شغفنا بقراءة الكتاب يتضاعف أنا وبعض الأصدقاء، وبعد مراسلات وصلت النسخ ما بين البريد المسجل كذروة السخاء، أو بيد إحدى الصديقات. حين وقع بصري على الكتاب والعنوان باللغة الإنجليزية Oh My God ترجمة بثينة الناصري، شعرت أن الكاتبة لديها استراتيجية دقيقة: شاهدتها أمامي مقاتلة في جيش عراقي سري ليس بوسعه التراجع إلى وراء. اليوم هناك جيل جديد من الكتاب والكاتبات بدأن يحضرن أعمالهن ما بين البحوث الميدانية أو الروائية، أنا شاهدة على البعض، وهم يخصصون للجيش العراقي المغدور المقام الأول في المنجز الإبداعي العراقي.
حسنا، لحين استرداد الأنفاس والتوقف عن النشيج بعد قراءة يوميات المحتلين الأمريكان في أرض الرافدين، هذه حلقة أولى

المصدر

* عالية ممدوح : قاصة وروائية عراقية تقيم في باريس منذ اواخر السبعينيات.
كانت تصدر جريدة الراصد في بغداد 1975 - 1980.
كتبت مقالاتها الأسبوعية في جريدة  الريـاض 1981 -
صدر لها مجموعتان قصصيتان وخمس روايات هي:
ليلى والذئب 1981
الولع 1995
حبات النفتالين 2000
الغلامة 2000
المحبوبات 2003
التشهي 2007
روايتها (المحبوبات) فازت بها عالية ممدوح بجائزة نجيب محفوظ من الجامعة الأمريكية في القاهرة.
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق