الاثنين، 24 أكتوبر، 2016

هل فشلت الديمقراطية ؟ الحلقة الخامسة

كتب باء
الحلقة الرابعة 
تأليف: بول ترينور
ترجمة : بثينة الناصري

بحلول الستينيات اصبحت النظرية (موضة) قديمة، رغم ان المقارنة هتلر- ستالين مازالت مستخدمة من قبل دعاة اللبرالية. وكلمة "الشمولية" مازالت الكلمة الاكثر استخداما من قبل دعاة الديمقراطية، حين يطلب منهم تسمية نظام سياسي يناقض الديمقراطية. الكلمة الثانية قد تكون "الاستبداد" والارهاب لن يخطر على بال ابدا. مع ان الرئيس بوش قد يتحدث عن "الحرب على الديمقراطية والحرية" التي يشنها الارهابيون  ولكن هذا لا يعني انه يرى ان الارهاب هو نظام حكومة . من الممكن ان تتحدث عن نظام مستبد، او مجتمع مستبد – ولكن من الصعب ان تتخيل مجتمعا (ارهابيا) بشكل دائم او برلمان ارهابي.

إن تعريف الشمولية هو وصف للانظمة والطرز السياسية في الثلاثينيات  والاربعينيات من  القرن الماضي . ومثل رواية (1984) لجورج اورويل وقد كتبت في بداية الحرب الباردة، يبدو للمراقب ان صورة القمع فيها قد عفا عليها الزمن. في 1953 كتب كارل جي فريدرك 5 صفات للمجتمع الشمولي:
 1- ايديولوجيا رسمية ، تتكون من مباديء رسمية تغطي كل مناحي وجود الانسان وينبغي ان يلتزم بها حتى لو سلبيا كل من يعيش في ذلك المجتمع ، وهذه الايديولوجيا تتصف بالتركيز على أحلام  مجتمع العدل الإلهي  النهائي للبشرية (العودة الثانية للمسيح الخ).
2- حزب جماهيري واحد يتكون من نسبة صغيرة نوعا ما من مجمل السكان (10 بالمائة) من رجال ونساء متحمسين بشدة للايديولوجيا ومستعدين للمساعدة بكل الطرق في الترويج لمبادئها بين عموم الشعب.  ومثل هذا الحزب منظم بطريقة رأسية اوليغاركية تحت قيادة قائد و احد على الاكثر.
3- احتكار شبه كامل تقنيا للسيطرة (بايدي الحزب وكوادره مثل البيروقراطية والقوات المسحلة ) على وسائل القتال المسلح الفعال.
4- احتكارمماثل  شبه كامل تقنيا للسيطرة (بنفس الايدي) على وسائل الاعلام الجماهيري الفعالة مثل الصحافة والراديو التلفزيون والسينما الخ.
5- نظام سيطرة بوليسية ارهابية تعتمد لفعاليتها على نقطة 3 و 4 وموجهة ليس فقط ضد "اعداء" النظام ولكن ايضا بشكل عشوائي  ضد  فئات منتقاة من السكان وهذا الانتقاء يتمحور حول ضرورات بقاء النظام ، اضافة الى "الايحاءات" الايديويولجية مستغلين علم النفس .
 المصدر:
Carl J Friedrich (1954) 'The unique character of totalitarian society'
in: Totalitarianism. New York: Grossett & Dunlap.

تاريخيا ، الغالبية العظمى من الانظمة لم تكن ديمقراطية – ولكن معظمها لا تطابق هذه الصورة. واليوم المجتمع الذي لا يتصف بهذه الصفات قد ينظر اليه على انه اساسا ليس ديمقراطيا. في 1953 لم تكن تذكر (انتهاكات حقوق الانسان) ولكنها اليوم تعتبر صفة حاسمة في لاديمقراطية مجتمع ما. إذن الشمولية لاتصلح لاستخدامها   تعريفا عاما عن اللاديمقراطية. ربما، المنظرون الأوائل لم يكونوا يقصدون ذلك على  اية حال، ولكن المصطلح اكتسب معنا ثانويا هو (اللاديمقراطية). وطالما ان تعاريف الديمقراطية  هي تعاريف يمكن ان تحدث ويزاد عليها في قائمة الفحص checklist ، فكلمة شمولي تعني ببساطة نظاما بدون شروط (أ، ب، جـ) بدون انتخاب حر ، بدون تعددية سياسية ، بدون صحافة حرة ، بدون كل العناصر الاخرى على القائمة . وهكذا فمع ان معظم الانظمة  ماقبل الحداثة لم يكن لديها مواصفات فريدريك فهي ترمى احيانا في تصنيف عام للشمولية . مشكلة مماثلة توجد مع مصطلح (مستبد) .  فرغم وجود تعاريف معينة للنظام السياسي المستبد ولكن المصطلح يستخدم غالبا ليعني ببساطة (لاديمقراطي).
  
هناك بدائل واسع ومتعددة للحكومة الديمقراطية . سوف نصف الانظمة التي تملك القليل من عناصر الديمقراطية او تنعدم فيها تماما، حكومات اوتوقراطية او مستبدة. هناك بالطبع انواع عديدة من الانظمة المستبدة بضمها الملكيات التقليدية والارستقروطيات والدكتاتورية غير التقليدية والحكومات العسكرية والانظمة الشمولية . ولاغراض هذا البحث ، سوف نهمل الاختلافات المهمة بين هذه الانظمة المستبدة المختلفة.

Are Democracies Stable? Compared to What?, Marc Stier and Robert Mundt.

.توجد الديمقراطية حيث يتم اختيار القادة الرئيسيين لنظام سياسي بواسطة انتخابات تنافسية يكون لغالبية السكان الفرصة للمشاركة فيها. الانظمة المستبدة هي الانظمة اللاديمقراطية .

المصدر:

Samuel Huntington and Clement Moore (eds., 1970), in their 'Conclusion' of Authoritarian Politics in Modern Society: the Dynamics of Established One-Party Systems New York: Basic Books. (p. 509).

حين كتب هانتنغتون ومور ذلك في 1970 بدت الدولة ذات الحزب الواحد هي الشكل المعاصر الحاسم للدولة اللاديمقراطية . ومثل تعريف الشمولية ، تبدو هذه المصطلحات مرتبطة تاريخيا بشكل واضح على نموذج   دول الكتلة السوفيتية. 

تعريف  قانون الاخلاق الديمقراطية : الشرعية والانفصال
من  الأسهل تحديد (اخلاقيات الديمقراطية ) من تعريف النظام الديمقراطي. في يمقراطية مثالية بلا مناهضين لها، سوف يتلزم كل السكن بهذه الاخلاقيات. واثنان من مبادئها الاساسية كما يلي. وهي ليست خيالية  او  افتراضية ولكن معظم سكان  الديمقراطيات يفكرون فعلا بهذه الطريقة ولكن مع هذا لا يبرر وحده الديمقراطية.
أول واهم عناصر الاخلاق الديمقراطية واضح جدا وهو مبدأ الشرعية الاخلاقية و السياسية "يجب عدم الاطاحة بحكومة ديمقراطية" وفي العادة  الدول الديمقراطية تعتمد على شرعيتها للحفاظ على وجودها وتلاحمها.  الاطاحة خارج  الاجندة السياسية تماما . بل هي محظور لايمكن حتى مناقشته. ليس هناك جيوش كبيرة لقمع ثورات مسلحة لأنه ليس هناك ثورات مسلحة كبيرة ولا صغيرة. الشعب الامريكي شعب يقتني السلاح ولكن رغم النزاع السياسي الذي استمر شهرا حول نتائج انتخابات غور- بوش في 2000 فلم تطلق رصاصة واحدة لاسباب سياسية وهذا انجاز هائل في بلد له تاريخ من  الانفصالات والحرب  الاهلية و الغزوات العسكرية للأقليات الاثنية .  
هذه هي فكرة الديمقراطية إنك إذا  اتبعتها فإن إجراءات  الديمقراطية (الانتخابات – تعددية الاحزاب الخ) فهي تنتج شرعيتها. والحكومة الناتجة عن انتخابات حرة ونزيهة وشارك فيها الشعب تعتبر حكومة شرعية تماما ومن المحظور في ثقافة الشعب عدم الاعتراف بها او الاطاحة بها. ولأن المواطنين الامريكان يفكرون بهذه الطريقة فالولايات المتحدة مستقرة سياسيا. وأن تكون (ديمقراطيا) هي ان تفكر بأن هذا هو مايجب ان يحدث، فأنت تعتقد ان الحكومة المنتخبة شرعية ويجب عدم الاطاحة بها (إلا إذا كانت هي في ذاتها غير ديمقراطية). إجراءات الديمقراطية ليست حلية ترتدى وأنما هي الاساس. ولكن إدعاء الشرعية (بسبب الاجراءات) هو احد مثالب الديمقراطية  لأن ا لاجراءات ليست بديلا عن الاخلاق. معظم الديمقراطيين يمضون ابعد من هذا ، ويزعمون بوضوح ان الحكومة المنتخبة ديمقراطيا لو تصرفت تصرفا لا اخلاقيا فهو مقبول منها لأنها حكومة شرعية انتخبت ديمقراطيا.
في قلب الديمقراطية هناك شيء غير مقبول  اخلاقيا. مايقوله الديمقراطيين هو انه لا قيمة اخرى تعلو على الديمقراطية. بمعنى ، في مجال تفضيل الأنظمة السياسية : إن دولة ديمقراطية  تعذب السجناء (مثلا) أفضل من دولة دكتاتورية لاتفعل ذلك.
حسنا ، كل دولة  تدعي شرعية سياسية – ان قوانينها نافذة وقضاتها مؤهلون للقضاء وان من حقها زيادة الضرائب، ولكن  المشكلة في الديمقراطية أنها توحي بشرعية (أخلاقية)، أشبه بالشرعية (الدينية).
والحكومات الديمقراطية تعتبر كلمة "ديمقراطية" مرادفة لـ (شرعية) بالمضمون السياسي والاخلاقي. فكثير من الديمقراطيين يعتبرون الديمقراطية قوة تشريع اخلاقية وأنه ليس هناك اي قوة اخلاقية او اي سلطة او مبدأ يمكن ان يضفي شرعية على نقض  القرارات الديمقراطية .
في قانون الاخلاق الديمقراطية : كل علاج لأي خلل ديمقراطي هو بالديمقراطية وحدها. ليس هناك مجال لشكوى الى محكمة عليا ولا أي طريقة اخرى مقبولة كإجراء شرعي على العملية الديمقراطية وبالتأكيد ليس استخدام القوة . وتستخدم كلمة (لاديمقراطي) مرادفا لكلمة "مجرم" او "عدائي" وتعتبر مثل هجمة على المجتمع ، نوعا من الارهاب.
فالديمقراطية  اصبحت في عرف المجتمع الغربي هي الاخلاق المطلقة التي تعلو على اي قيم أخرى حتى العدالة ، فهي بذاتها العدل او السبيل اليه وهكذا فإن الديمقراطية تخدم لاضفاء شرعية على نظام حكم موجود مهما بلغت مساؤه.

  العنصر الثاني المهم في قانون الاخلاق الديمقراطي هو حظر الانفصال. على عكس مسألة الشرعية، يناقش هذا العنصر باستمرار- مثلا في مثال كندا فيما يتعلق بانفصال اقليم (كيبك) . فالانفصالات بلا حدود سوف تهدم  الديمقراطية . إذا عقدت انتخابات حرة ونزيهة متعددة الاحزاب في مجتمع مفتوح وكل من لا يوافق على النتائج ينفصل في دولة خاصة فلن تعتبر هذه في عرف – دعاتها – ديمقراطية . ففي صلب الديمقراطية ينبغي ان تكون هناك وحدة او (كتلة) لايسمح بتجاوزها الانفصال: وهذه الوحدة تسمى (ديموس demos) ومرة اخرى نقول ان هذه تسمى في  اللغة السائدة (الدولة الوطنية الديمقراطية) وتلاحم هذه الدولة مهم مثل الشرعية لأن الشرعية تنهار في وجه الانفصالية. والانفصاليون يرون في الحكومة القائمة "أجنبية" ولا يشعرون بضرورة الالتزام بقوانينها ومؤسساتها وسياساتها. وفي النهاية تضطر الحكومة  الديمقراطية لاستخدام القوة العسكرية للحفاظ على وجودها في سدة الحكم ولمنع المزيد من انفصال الاقليات.  
++
الى الحلقة السادسة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق