الخميس، 17 نوفمبر، 2016

هل فشلت الديمقراطية؟ الحلقة السادسة

كتب باء
الحلقة الخامسة

بقلم: بول ترينور
ترجمة / بثينة الناصري
  اللامساواة في الديمقراطية

فشلت الديمقراطية في القضاء على اللامساواة الاجتماعية ويبدو ان هذا فشل دائم وهيكلي. لايمكن انكار ان كل المجتمعات الديمقراطية فيها ظلم اجتماعي : تباين في الدخول – في الثروة – في المكانة الاجتماعية. واستمرت هذه الاختلافات وليس هناك مايشير الى ان اللامساواة هذه سوف تختفي في الدول الديمقراطية. بل تزداد . والنمط الراسخ في الولايات المتحدة هو ان اقل الدخول لا تنمو وكل منافع النمو الاقتصادي تذهب الى الاغنياء. 
فحسب احصاء 2000 لاحدى الهيئات الرسمية الامريكية ارتفع معدل دخل 1% من دافعي الضرائب الاغنياء بنسبة 31% للفترة من 1995 الى 1997 في حين أن معدل دخول الـ90% من دافعي الضرائب الفقراء ازداد 3% فقط .
ولابد اننا نلاحظ أنه في كل دولة ديمقراطية ليبرالية هناك قطاعات من الشعب معزولة ومهمشة سياسيا.

في الماضي, كان المحافظون يخشون الديمقراطية "لانها تسمح للفقراء بالاستيلاء على ثروة الاغنياء" ولكن واقع التطبيق شئ اخر:
فالديمقراطيات الغنية لا تعنى "الناس العاديين" ضد "الصفوة" وانما تعني تحالف "الناس العاديين مع الصفوة" لسحق المعدمين.
في العقود الاخيرة صارت كلمة "ديمقراطية" مرادفة لكلمة "دولة غنية" وهذا ما يجعل انصار الديمقراطية يقولون " الديمقراطية تجعلك غنيا" !
ربما، لكن الاحصائيات تبين انهم يغتنون بافقار الاخرين. 

وكما أن اللامساواة بين طبقات الشعب داخل الدولة الديمقراطية تتعمق, فانه بنفس الطريقة تتسع الفجوة بين الديمقراطيات الغنية والدول الاخرى. ولكن ماذا فعلت هذه الدولة الغنية لانقاذ العالم من الفقر؟ هل منعت المجاعات ؟
كلا لان الديمقراطية لا تؤمن بالمساواة بين البشر.(1)
 
بعض اشكال اللامساواة الإجتماعية تكمن في صلب النظام الديمقراطي وهذه حقيقة تهملها النظرية الديمقراطية. في النظرية الديمقراطية انه لو كان هناك 100 ناخب فإن حزبا من 51 ناخب يمكن ان يصادروا ملكية الناخبين الـ 49 الاخرين. ويمكن ان يقتسموها فيما بينهم.  على اي حالة لو كان احد الناخبين مريضا في يوم الانتخاب فإنهم يفقدون أغلبيتهم. وحزب يتكون من 52 لديه حظ اوفر لتقسيم ملكية الاقلية ولكن الان الاقلية هي 48 وهكذا فما يمتلكونه اقل شيئا ما. وحزب من 99 سيضمن النجاح ضد اقلية تتكون من واحد ولكن الحصص بعد التقسيم ستكون صغيرة.

ولكن عمليا ، تحالف من ثلثين او ثلاثة ارباع يمكن ان ينجحوا في تجريد  اقلية (من ثلث او ربع) من المنافع . مثلا يمكن للاغلبية ان تستثني الاقلية من سوق العمل، ثم تجبر هذه الطبقة المستثناة الى القبول بأقل الأجور. وبروز الطبقة المتدنية يعتبر عادة تغييرا هيكليا داخل المجتمع لكنه قد يكون اثرا جانبيا للديمقراطية. كل ديمقراطية هي اغراء (للاغلبية) لتجريد الاقليات من حقوقهم. وعمليا كل دولة ديمقراطية لبرالية موجودة هي مجتمع مزدوج فيه اقلية مهمشة سياسيا (وهي عادة فقراء المدن)
وضمانات الحقوق الاساسية لا تمنع الاقلية الفقيرة من الاستهداف سياسيا واجتماعيا. في عدة دول  اوربية تتنافس الاحزاب السياسية ضد بعضها البعض من اجل تبيان شدتهم ضد الاقلية غير المرغوبة – مثلا طالبي اللجوء. وليس هناك مايمكن للاقلية فعله طالما ان  الاحزاب السياسية لا تضمن حقوقهم. وللاسف هذه التطورات في بداياتها فالأسوأ قادم. في الدول الديمقراطية اولئك الذين في قاع السلم الاجتماعي يمكن ان يتوقعوا ظروفا اسوأ في الحياة.
  
الانتقال المدمر الى الديمقراطية

في الانتقال الذي حدث مابعد 1989 في وسط وشرق اوربا وجدنا اول مؤشر شامل على الاثار السلبية للديمقراطية (الديمقراطية اللبرالية بالترافق مع السوق الحرة وهو ما تعنيه وسائل الاعلام والحكومات الغربية حين يتحدثون عن الديمقراطية في اوربا الشرقية) في الدول الديمقراطية الاقدم فإن نموذج الديمقراطية الراهن بدأ من اكثر من 100-200 سنة. لايمكن مقارنة بريطانيا في 1800 مع بريطانيا بعد قرنين : الاختلافات الهائلة ليست مجرد (نتيجة الديمقراطية)

وعلى اية حال، في اوربا الشرقية ، تطلبت الدول الحديثة نظاما سياسيا واقتصاديا جديدا خلال سنوات قليلة – بسجل احصائي كامل . روسيا في 1985 يمكن مقارنتها بروسيا 1995: الاختلاف الى حد كبير يرجع الى الانتقال الاقتصادي والسياسي.(2)
وقد لخصها برنامج التنمية التابع للامم المتحدة في تقرير له بسبعة تأثيرات اجتماعية واقتصادية هي :

* انخفاض معدلات الحياة
*ارتفاع معدلات الوفيات خاصة بين الشباب ومتوسطي العمر بسبب انتشار امراض كانت قد انقرضت مثل السل
*الارتفاع غير العادي للفقر
*اتساع الفجوة بين الفقراء والاغنياء في الدخل والثروة
*ازدياد التمييز في الجنس حيث فقدت المرأة في النظام الديمقراطي مساواتها مع الرجل في الوظيفة والاجور وازدادت اعباؤها في المنزل والعمل
*التدهور المستمر في التعليم
*ارتفاع البطالة والاجور القليلة .(3)
والتقرير يفصل كل هذه السلبيات خاصة مايخص الفقر. ومن المنظور التاريخي ، هذا ليس مؤشرا على اختيار ارادي للتحرر والتقدم. بل هذه الخصائص تتفق مع النمط التاريخي التقليدي للتوسع بالغزو. وسنفصل المزيد عن هذا (الغزو الديمقراطي) لاحقا.
إذن مايحدث لو الغيت ديمقراطية السوق القائمة في دول ديمقراطية لبرالية قديمة مثل بريطانيا وهولندة؟ ليس من الممكن اعادة خلق مجتمعات الكتلة السوفيتية في الثمانينات في هذين البلدين  ولكن التجربة في اوربا الشرقية تشير الى  ان المنافع المحتملة لانتقال عكسي هي:
ازدياد معدلات العمر
تحسن الصحة العامة : انخفاض الامراض المعدية
انخفاض الفقر بشدة رغم احتمال انخفاض الدخل ايضا
اللامساواة في الدخول سوف تنخفض
سيكون للمرأة مكانة اجتماعية افضل، وظائف في الادارة السياسية وتقليل بطالة المرأة
سيتحسن مستوى التعليم وفرص التعلم
انخفاض نسب البطالة والبطالة المقنعة

يستخدم دعاة الديمقراطي مقارنات اجتماعية وسياسية بين مجتمعات مختلفة جدا- على سبيل المثال بين روسيا الستالينية (او المانيا الهتلرية) والولايات المتحدة الحالية. واللوبي الغربي المؤيد لعملية الانتقال في اوربا الشرقية يشيدون بالنجاحات – مستخدمين  ايضا مقارنات شاقولية مع مجتمعات لايمكن اجراء مقارنات بينها. وإذا كانت المقارنات عابرة الاجيال وعابرة الثقافات وعابرة المجتمعات مقبولة في تبرير الديمقراطية فلماذا لايمكن قبولها في نقد الديمقراطية؟

الموت في الدول الديمقراطية

اللامساواة في الدخل ربما لا تكون افضل مؤشر على الظلم الهيكلي في الدول الديمقراطية. بل إن احصائيات الصحة تعطي صورة اكثر شمولية للظلم الاساسي طويل المدى والمقاوم لكل سياسات الحكومات المعلنة. إن شواهد الهوة المتزايدة تبدو اوضح في احصائيات الصحة.

وفوق كل شيء، اللامساواة في نسب الوفيات هي خلل اخلاقي في الدول الديمقراطية. وفيما يلي تعليق حول دول  اوربا الغربية وكلها دول ديمقراطية.
اختلاف نسب الموت والمرض صادمة تماما. فالرجال غير الفعالين اقتصاديا يواجهون خطر الموت المبكر ثلاث مرات اكثر من الرجال العاملين. وفي حين ان انتقاء الرجال الأصحاء والأقوياء يزيد من خطر الابعاد من سوق العمل، يبدو انه من المحتل ان هناك اسباب عكسية تؤدي الى العزل الاجتماعي و الضغط النفسي. وقد استخدمت فنلندة والنرويج لتوضيح مفهوم معدلات الحياة الصحية.

الرجال النرويجيون والفنلدنيون من حاملي شهادات تعليم مابعد الثانوية يعيشون 3-4 سنوات اطول من الرجال الحاصلين على شهادة تعليم ابتدائي و 10-12 سنة اكثر من الحياة الصحية اي بدون امراض مزمنة.

تغير واحد مهم بين السبعينات والثمانيات من القرن الماضي كان فقدان السويد والنرويج والدنمارك لمواقعها الدولية المفضلة في مايخص حجم الفروقات بمعدلات الوفيات بين الطبقات الاجتماعية.
  
وهناك كشوفات مهمة اخرى : الفرنسيون الذكور في الطبقات الاقتصادية الاجتماعية الأدنى يعانون من معدلات وفيات اكثر بكثير من النسبة الاوربية وقد ارجعها كونستKunst  ومن معه الى سبب محتمل هو مستوى استهلاك الكحول. وفي حين ان اختلاف معدلات التعرض للامراض في  الدول يرجع  لتفاوت المستوى التعليمي فإن  في بريطانيا يرجع سبب اختلاف نسب الوفيات الى تفاوت  الدخول.(4)

دوريات الصحة وعلم الامراض مليئة بمثل هذه الامثلة للامساواة في الرعاية الصحية. في العديد من الدول كانت هناك دراسات مهمة على المستوى الوطني  تؤكد ان اللامساواة في الصحة والوفيات هو نمط شائع. في بريطانيا اوضح تقرير في  1998 Acheson report  ان اللامساواة في الرعاية الصحية زادت سوءا منذ آخر دراسة مهمة بعنوان (التقرير الاسود) في 1980. كانت تلك سنوات الحكومات المحافظة في بريطانيا ولهذا ربما السبب هو سياسات المحافظين . ولكن هذه هي المشكلة : كانت تلك الحكومات منتخبة ديمقراطيا. وإذا كانت الديمقراطية نظاما يمنع اللامساواة في معدلات الموت إذن ستمنع الديمقراطية وصول حكومة تزيد من هذه اللامساواة. وإذا كانت الديمقراطية نظاما يمنع اللامساواة في معدلات الموت، فلن يكون هناك لامساواة. ولكنها موجودة والديمقراطية كما يبدو زادتها سوءا.
خلال السنوات العشرين الماضية هبطت معدلات الوفيات بين الرجال والنساء وعبر كل طوائف المجتمع . ولكن على اية حال الفرق بين المعدلات بين اولئك الذين على القمة وفي القاع من السلم الاجتماعي قد اتسع.
 
على سبيل المثال، في بداية السبعينات من القرن الماضي كان معدل الوفاة في اوساط الرجال بعمر العمل أعلى بضعفين  في طبقة العمال غير المهرة من في الطبقة (الماهرة) . وفي بداية التسعينات كانت اعلى بمقدار 3  اضعاف.

الفرق المتزايد يرجع الى انه رغم هبوط المعدلات ولكنها هبطت اكثر بين الطبقات العليا اجتماعيا من الطبقات الادنى "وليس فقط ازداد الفرق بين الاعلى والادنى ولكن الزيادة حدثت ايضا عبر كامل طيف طبقات المجتمع
 
يمكن تخليص معدلات الوفاة في توقع معدل الحياة عند الولادة. بالنسبة للذكور في الطبقتين الاولى والثانية مجتمعين زاد معدل الحياة بسنتين مابين اواخر السبعينات واواخر الثمانيات من  القرن الماضي. اما بالنسبة للطبقات الرابعة والخامسة مجتمعين فإن الزيادة كانت اقل (1.4 سنة) . الاختلاف بين اولئك في القمة والذين في القاع من السلم الإجتماعي في اواخر الثمانينات كان 5 سنوات، اي 75 سنة مقارنة بـ 70 سنة .  بالنسبة للنساء كان الفرق اقل (80 سنة مقارنة بـ 77)
 .
الوفاة المبكرة (اي قبل سن 65) اعلى بين العمال غير المهرة. لو كان لدى كل الرجال من الفئة العمرية (20-64) نفس معدلات الوفاة التي لدى الطبقات 1 و 2 ، فمن المقدر انه كانت ستقل معدلات الوفاة بمقدار  مايزيد على   17 الف وفاة كل عام من 1991-1993 (5)
تقدير الوفيات الزائدة- بمعنى الزيادة بالمقارنة مع معدلات وفاة اعتيادية – تعطي فكرة عن مدى المعاناة المتضمنة. وقد بينت الابحاث في اسبانيا بأن هناك 10% زيادة في الوفيات حسب المناطق الجغرافية :

عدد الوفيات الزائدة في معظم المناطق الجغرافية الفقيرة تساوي 10% من العدد الكلي للوفيات سنويا .. الزيادة السنوية الكلية للوفيات قدرت بحوالي 35 الف في  اسبانيا.(6)
  
من الصعب ايضاح ان الديمقراطية هي التي تسبب هذه الوفيات،  ولكنها بالتأكيد لا تمنعها. وهذا بحد ذاته سبب للشك في شرعيتها الاخلاقية. في اوربا الشرقية، كان معدل الوفيات المرتبط بالانتقال الى ديمقراطية السوق اكبر بكثير. وقد قدر رولاند شارف بان الزيادة في الوفيات الكلية في سنوات الاصلاح 1992-1996 كانت 3.5 مليون.(7)
قضية الوفيات هنا هي الافضل توثيقا في التاريخ والانتقال نفسه هو السبب. ولكن حتى هذا يتلاشى الى العدم إذا ماقارناه بزيادة الوفيات على المستوى العالمي.

للبحث بقية
----------------------
  هوامش:

(1) Historical Effective Tax Rates, 1979-1997., Congressional Budget Office, 2001, p. 5

(2) The UN Development Program listed 7 social-economic costs of the process (the reference to "life   expectancy levels achieved in the 1990s" should apparently read "1980's" 


Health and health care policy : inequality and the risks of exclusion, Council of Europe Human (4) Dignity and Social Exclusion Project. See the CoE site for footnotes and references, deleted here.

(5) Inequalities in Health: The Current Position, Independent Inquiry into Inequalities in Health 
Report (Acheson Report). Footnotes and references deleted. 

(6) Juan Benach and Yutaka Yasui. Geographical patterns of excess mortality in Spain explained by two indices of deprivation, Journal of Epidemiology and Community Health 53 (1999): 423-431.


 Roland Scharff . Transformation und Bevölkerungsbewegung in der Russischen Föderation (7)  Osteuropa-Wirtschaft 43, 3 (1998): 255-268.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق