الجمعة، 18 مارس، 2016

ظاهرة ترييف المدن بدلا من تمدين الريف

كتب باء
بقلم : بثينة الناصري

في قصة لي بعنوان (المنزل)* كتبت عن قصر مهجور كان شاهدا على أيام عز أصحابه ولم يعد يسكن فيه سوى سيدة قارب عمرها القرن تعاني من ذهول ونسيان فهي تعيش أغلب أوقاتها في أوهام الماضي. وفي الحديقة التي كانت في الماضي جنة أزهار تتوسطها نافورة ينهض من داخلها تمثال فينوس دي ميلو، يعيش ابراهيم ابن الجنايني والطباخة الذي تربى في جنبات القصر، وعمل في شبابه في تنسيق الحديقة، ولكن بعد تغير الظروف وانعدام قدرة السيدة على دفع أجرته، صار يعمل في حدائق الاخرين، ولكنه ظل هو وزوجته يسكنان في جراج القصر ويوسعان المطرح كلما ولد لهما طفل. سيدة القصر المسنة تعاني من ذهول ونسيان فهي تعيش في أغلب أوقاتها في أوهام الماضي. وابراهيم وزوجته يخدمانها ويطبخان لها متفضلين، وقد امتدت آثارهما فشملت الحديقة كلها حيث زرعا الخضروات بدلا من الأزهار، وحولا تمثال فينوس الذي يتوسط نافورة الحديقة الى فزاعة خضرة (خيال مآتة) يرتدي عباءة سوداء لصد الطيور عن بذور الملوخية والبقدونس. والرجل وامرأته ينتظران بفارغ الصبر أن تموت سيدة القصر لاحتلاله ايضا.

أردت بالقصة التي أختصرها هنا، أن أرمز الى ظاهرة واضحة في حياتنا الحاضرة. ثقافة الريف تزحف باستمرار لالتهام ثقافة المدينة، ولا يحدث العكس.
وهذا لا يحدث فقط في الدولة الواحدة من هجمة الاطراف على المركز، وإنما على المستوى العالمي أيضا، فعلى مر  التاريخ كانت القبائل غير المتمدنة في أطراف العالم (المغول على سبيل المثال) هي التي تهجم على الحواضر(مراكز العالم) فتدمرها حرقا ثم تفرض ثقافاتها وتقاليدها.

يمكن للساكن الآن في أي عاصمة عربية أن يتلفت حوله ليرى الشواهد، ما اصطلح على تسميته (ترييف المدن) أو تحويلها الى قرى عشوائية، بتقاليدها الجامدة التي تمتد من العقلية القبلية إلى المظاهر والأزياء.

لماذا لا يحدث العكس؟ ينبغي أن يجيب على هذا السؤال علماء  اجتماع، وأعتقد إننا في أمس الحاجة الى دراسات اجتماعية معمقة في هذه الظاهرة. لماذا لم يستطع المتعلمون أو سكان المدن المتحضرة من فرض ثقافتهم على أهل الأطراف (الريف والأقاليم)؟ هل ثقافتهم واهية؟ أنانية؟ غير مسؤولة؟ يعيشون في أبراج عاجية؟ يبدو لي – وأنا لست عالمة اجتماع – أن ثقافة أهل المدن لا تلبي الحاجات المادية الأساسية للإنسان. فالمرأة في قصرها زرعت حديقتها أزهارا ملونة جميلة ذات رائحة عطرة، حتى تستمتع بمنظرها وأريجها كلما تطلعت من نافذة غرفتها، في حين أن امرأة الجنايني انتزعت الزهور من أماكنها وزرعت بدلا منها خضروات تملأ بطون العائلة. وما فائدة تمثال فينوس دي ميلو بالنسبة لها سوى (صنم) عار ينبثق وسط الحديقة؟ ماهي وظيفته؟ أليس الأجدر استغلاله لإفزاع الطيور وطردها؟ وما فائدة اتساع الحديقة إذا لم تستبدل ببناء جدران وأسقف تلم أطفالها؟

أرى أن الإختلاف بين ثقافة المدينة وثقافة الريف هو مثل الاختلاف بين الروح والجسد. الروح تبحث عن الجمال والتحليق في السماء، والجسد يبحث عن إشباع غرائزه، والالتصاق بالأرض. ولهذا فنادرا ما يتناغمان، بل يحاول احدهما السيطرة على الآخر.

 المسألة لا تتعلق بالوضع الاقتصادي لهؤلاء وهؤلاء. لأن سكان المدن في أغلبهم من الطبقات المتوسطة أو أقل منها، كما أني اتحدث عن ثقافة ريفية تسود حتى أغنياء الريف وشيوخ القبائل في اطراف البلاد.

في محاولة للتوصل إلى إجابة، أعتقد أن سبب (ترييف المدن) بدلا من (تمدين الريف) هو طبيعة الثقافتين. في المدن هي ثقافة فردية، في حين أن ثقافة الريف جماعية، هناك وشائج القربى والتعصب للعائلة او القبيلة وفكرة العزوة بالتكاثر والتناسل. في مصر مثلا خبرنا كلنا قضية (البواب) بشكل أو بآخر. يأتي وافد من أطراف البلاد الى العاصمة، فيعمل بوابا، يستقدم زوجته ويعيشان في غرفة تحت السلم أو في الجراج او فوق السطح. ثم يتوالى انجاب  الأبناء فتكون الحاجة الى بناء اكثر من غرفة فوق السطح، ثم شيئا فشيئا، يستقدم اخاه، وابن عمه، وخال  الأولاد وهكذا حتى تصبح أعدادهم أكثر من أعداد سكان العمارة.  وشيئا فشيئا تجد الريف بعاداته وتقاليده وقد انتقل الى الحي الذي تسكنه.  
  البشر كانوا جميعا في بداية الخليقة بدوا رحلا ، ثم تجمعوا في شكل  قبائل تغزو احداها الاخرى، ثم اكتشفوا الزراعة واستقروا ، وأنشأوا المدن، فالحكومة والدولة والقوانين التي تنظم العلاقات بين السكان، ولكن هذه تركزت في الحواضر، أما الأطراف فقد ظلت على بداوتها وأعرافها الأولى. حتى الآن في القرن الواحد والعشرين، حين انتقل اهل الحواضر الى العيش في عالم الإنترنيت الافتراضي، مازال أهلنا في الأطراف يستدعون (جلسة عرب) حين تواجههم قضية جنائية، ويحلونها بعيدا عن القوانين التي تحكم الدولة، بل يسعى موظفو الدولة الى إقامة مثل هذه الجلسات لحل تلك القضايا بدلا من الاحتكام الى القانون الساري. ومازال أهل البوادي يسافرون الى الحواضر لتنفيذ جرائم الثأر في أفراد العائلة التي تعدى أحد أبنائها على فرد من قبيلة أخرى، أو يسعون وراء امرأة لقتلها غسلا للعار.

غلطة من هذه؟ لماذا لم نستطع تمدين الريف؟ وكيف ساهم الإبقاء على النظام القبلي في أطراف الدول في خراب الحواضر؟ 
+++
  * قصة (المنزل) في المجلد الأول من (كتاب المغامرات) الصادر 2016

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق