الأربعاء، 16 مارس، 2016

النهوض مع الكتابة

كتب باء
بقلم: بثينة  الناصري

(يقول مثل بابلي"إن من يريد الكتابة عليه أن ينهض مع الشمس" فيقرن الحكيم البابلي فعل الكتابة مع الشروق، ويمنح الكاتب أهمية خاصة لأنه يضيء بكشوفاته ما كان خافيا ومنسيا، مثلما تفعل الشمس لحظة شروقها)*.

اخترع السومريون الكتابة بشكلها الرمزي المتطور قبل الميلاد بثلاثة آلاف سنة تقريبا، ولحسن الحظ إن الإنسان السومري دوّن نصوصه وملاحمه وتاريخه على ألواح الطين المفخور وهكذا وصلت إلينا محفوظة دون أن يؤثر عليها تقادم الزمن وتراكم طبقات التراب والتاريخ.
وربما، لا يكون صدفة أن تحفر أول كتابة على طين بلاد ما بين النهرين، على المادة الأولى التي جبل منها الإنسان، وانبثقت منها الحضارة، فالكتابة فعل خلق وخلود وحضارة، وبها كتبنا تاريخنا ومن خلالها روينا مشاعرنا، فالكتابة هي ذواتنا وهي حياتنا وفي أوقات السلام، نتواصل بها مع أنفسنا ومع الآخرين. وفي المحن والأزمات تكون الكتابة فعل مقاومة واستمرار.

عندما أمسك بالقلم وأنوي الكتابة، فإني لا أستحضر شعوريا كل  هذه المعاني، ولكني بالتأكيد أشعر في كل مرة أن لحظة الكتابة هي اللحظة الفاصلة بين العدم والحياة، أتحول عندها إلى خالق يصوغ كونا وفضاء وأشخاصا وأزمانا وأفعالا، فما بين أول كلمة على أول سطر حتى النقطة التي تعقب آخر كلمة في آخر سطر. يرسم هذا الخالق مصائر أبطاله الذين يملأون فضاء أوراقه، وهم في النهاية مجرد بشر من حروف وكلمات. ولكن كلما كان الكاتب متمكنا من أدواته، ازدهرت كلماته بحياة مفعمة وحافلة.

هناك في عصرنا هذا، طرق عديدة للكتابة. يمكنك مثلا أن تكتب مباشرة على الكومبيوتر، أو أن تروي قصيدتك أو قصتك على آلة التسجيل وتقوم بتفريغها فيما بعد، ولكني ، ما زلت أتشبث بالطريقة التقليدية للكتابة القلم، لأني أجد أن خط الكلمة حرفا حرفا بقلم تمسكه بقوة بين أصابعك هو نوع من النحت والصياغة ، فالكتابة فن تشكيلي أيضا. فأنت تخلق بين يديك (كلمة) كما ينحت المثال تمثالا أو يصوغ صانع الذهب قلادة. حتى طريقتك في إمساك القلم، وضغطه على الورق بليونة أو بشدة، واسلوب خطك للحروف.. صغيرة  أو كبيرة، ممدودة أو منكمشة، مائلة أو مستقيمة.. هو جزء من التعبير عن شخصيتك وأفكارك التي تضعها على الورق.

وتشكيل كلماتنا العربية وخطوطها المتنوعة كان دائما جزء من التعبير وإضفاء معان وأبعاد عميقة له، وهكذا أعتقد أننا الذين نكتب بالعربية، ينبغي أن نعتبر أنفسنا محظوظين بهذه اللغة الجميلة، فكما هي غنية بالمفردات التي تحتشد بالإيحاءات والمعاني فإن خطوط هذه اللغة تزيدها ثراء ومرونة وحيوية.

لقد ذكرت اللغة العربية التي انحاز إليها كثيرا لأنها  اللغة التي أكتب بها. وقد سألتني يوما طالبة في إحدى المحاضرات حول الكتابة. لماذا اقول أنني أتوجه بكتاباتي إلى القارئ العربي؟ ومن البداهة أن الجواب كان: لأنني أكتب بالعربية.

وقد كان دائما مثل لغز بالنسبة لي، هؤلاء الكتاب العرب الذين يكتبون بلغات أخرى. أعني هل يمكن أن نعتبر كتاباتهم الإبداعية بلغات غير لغتهم الأم: أدبا عربيا لانتسابه لكاتبه، أم يحسب على الأدب الأجنبي باعتبار اللغة التي كتب بها؟ أنا أميل إلى هذا الرأي الأخير، لأن اللغة تراث حضاري ومعايشة وإسلوب حياة وتفكير. وكنت دائما أؤمن بأنك تستطيع أن تعتبر نفسك متقنا للغة ما.. إذا وصلت إلى مرحلة أن تجري عملية التفكير في رأسك بهذه اللغة وليس بلغتك الأم، وإذا بلغت هذه الدرجة، فماذا بقي لك من لغتك الأصلية؟
على العموم، هذه مسألة جديرة بجدل واسع.



الكتابة عملية شاقة ولكنها في نفس الوقت متعة لا تضاهيها متعة أخرى. وأعود إلى المثل البابلي (إن من يريد الكتابة عليه أن ينهض مع الشمس) الذي أفهمه بطريقة أخرى. وهو أن الكتابة جهد ومسؤولية، ولهذا ينبغي ألا نمارسها بترف في الأوقات التي تحلو لنا أو أن نجلس في المكان ننتظر هبوط ربة الوحي والإلهام على أناملنا. وإنما هي عمل واع ومسؤول ينبغي ان ننهض له مع الشمس كما يفعل الفلاح في أرضه والعامل في مصنعه.
ولكن الكتابة في نفس الوقت، عمل خاص جدا، ما أن تجلس إلى أقلامك وأوراقك، حتى يذوب العالم الواقعي الذي حولك وتدخل عالمك الذي تخلقه. ولأنه عالم من صنعك، فإنك تحاول أن تسيطر على مجرياته، ولكن في أحيان كثيرة يجد الكاتب أن الأمر خرج عن سيطرته، ويفاجأ بأن مسارات أبطاله بدأت تتشكل بنحو آخر رغما عنه. وهذا يحدث حين يتوغل الكاتب في عالمه المصنوع حتى يصبح جزء منه فيفقد سيطرة الخالق.
وليس بالضرورة أن ينتج عن هذا إبداع أقل تميزا، فأحيانا نجد أن ما حدث كان أفضل من الخطوط التي وضعناها لهذه القصة أو تلك. وأحيانا نجد أنه من الممتع والمريح أن نخلق الشخوص ثم نترك لها العنان لتقود حياتها بنفسها كما تشاء. ولكن يبقى أن ما لا يتوقعه الكاتب إطلاقا هو أن يعترض القارئ فيما بعد على مصار بعض الأبطال لاسيما إذا كانوا قد رسموا بدقة ونفخت فيهم حياة حافلة فيصبحون جزء من حياة القراء، عندئذ قد يعترض البعض منهم على المنتهى الذي انتهى إليه هذا الشخص أو ذاك، أو على مسارات الأحداث وقد يضطر الكاتب إلى تعديل نهايات بعض أبطاله في أجزاء لاحقة من الرواية أو القصة، فتجد أن المؤلف الذي أثار موت بطله حزن وغضب القراء، يعمد إلى كتابة جزء تال يحيي فيه من مات، مع تقديم التبريرات المقنعة طبعا. وفي هذه الحالة يمكن أن نقول أن الأمر قد خرج كليا عن سيطرة المؤلف وأنه لم يعد يكتب حسب رؤاه أو رؤى أبطاله النابعين من دواخله، وإنما تعداه إلى الخضوع لإرادة القارئ.
ويجرنا هذا إلى الحديث عن العلاقة بين المؤلف والقارئ. فهي علاقة متكاملة لا تتجزأ ، فالمؤلف خالق حياة جديدة ولابد أن ينال بالتالي اعتراف الطرف الآخر وهو الجمهور بهذه الحياة، وبغير ذلك، يصبح الأمر كأنه لم يكن. فالمؤلف لا يكتب ليدفن كتاباته في الأدراج فإذا لم يطلع عليه قارئ ويعترف بهذا الخلق، كان الأمر كأنه لم يكن. وهكذا وبهذا المعنى يشكل المؤلف والمتلقي علاقة حيوية يحتاج فيها الطرفان أحدهما إلى الآخر.
المشكلة التي تواجه المؤلف هنا: هل يكتب ما يريده الجمهور من أجل إرضائه والإحتفاظ  به، أم يكتب رؤاه التي يريد أن يعتنقها جمهور قرائه؟ بالنسبة لي: أميل إلى الرأي الأخير، لأني أؤمن دائما أن طبقة الكتاب هم الذين يستحضرون في كتاباتهم دروس التاريخ واستشراف المستقبل، وهم الطبقة التي تتحمل مسؤولية تغيير مجتمعاتها، فالكلمة مثل الرصاصة، إذا انطلقت، لابد أن تصيب الهدف. هذا إذا كان ، خلفها كاتب جيد، أما الكتابات الغثة فإنها مثل الرصاص الفارغ الذي لا نسمع له سوى دوي يضيع في الفضاء بعد حين.
إذن، دعونا نضبط ساعاتنا، وننهض مع الشمس.
--------

* (شريكات المصير الأبدي: المرأة المبدعة في حضارات العراق القديمة) لطفية الدليمي - نشر دار عشتار 1999 القاهرة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق