السبت، 13 ديسمبر، 2014

ابن منقاش كذبوه وابن داعش صدقوه

علي عويد منقاش
في مارس 2003 نشرت في صحيفة الحياة اللندنية قطعة من القلب عن علي عويد منقاش الفلاح العراقي الذي أسقط أباتشي امريكية  ببندقية برنو في أول ايام الغزو. في حينها وجهت الي الشتائم والسخرية من كتاب عراقيين من دعاة تدمير العراق، وكتاب كويتيين، واعتبروا المقالة التي كتبتها جزء من آلة الدعاية العراقية ، إذ من يعقل ان تسقط بندقية في يد فلاح طائرة أباتشي؟؟ اليوم صمت المنافقون الخائنون وهم يقرأون خبر إسقاط مروحية لجيش العراق المحتل برصاص داعش. لم يشكك أحد في كيفية اسقاط مروحية  بالرصاص. وهم في هذا يقبلون من بن داعش وهو اصلا صناعة امريكية، ما أنكروه على بن منقاش لأنه من طين الرافدين.
بهذه المناسبة أود أن أعيد نشر مقالتي (فعلها ابن منقاش)
بقلم: بثينــة الناصـري
لقد فعلها ابن منقاش !! كان فلاحا عراقيا وكان لديه بندقية برنو قديمة وقلب شجاع ويدان مجبولتان من طين العراق.
صباح الخير . . ياعراق .
بعد ليلة أرقتك فيها القنابل . دعني أمد يدا أضناها الخوف عليك ياعراق وألمس هامتك وهي تتسامق مع جبال زاخو وتنحدر يدي جنوبا . . تمر على القلب: بغداد ، ثم تربت على قدميك وهما تغتسلان في شط العرب.
عصيّا تظل ياعراق . . . رغم الخرائط التي رسمها تلاميذ خائبون لم يسهروا الليل في حبك كما كنا نفعل صغارا نحفر بالقلم على تعرجاتك حتى طبعناها على القلوب. لكن هؤلاء الغرباء المدججين بالسلاح الذين لايعرفون رسم الخرائط اختصروا مدنك وشوارعك التي نعرف الى دوائر وأسهم وأرقام باردة كشفرة السكين.
يقف تومي فرانكس يضع على الجدار . . خارطتك . . ياعراق . . الخارطة التي نعرف . . يشير بعصاه الى أرض الجنوب . ويشرح ماذا ينوي ان يفعله بمدينة المدن البصرة . ويرسم الكومبيوتر سهما عريضا أسود باتجاه البصرة . ولكن تومي فرانكس . . لايذكر لنا جيكور وبويب وبيوت محمد خضير ومحمود البريكان وكاظم الحجاج. وكل الرجال السمر الفارعين والنساء الفاتنات الصابرات. ولايأخذك السهم الى نخيل البصرة والعشار وأبي الخصيب.
وينبثق سهم آخر . . يتبعه الجنرال بعصاه . . الى بغداد.
أين يمر هذا السهم الاسود ؟ فوق القلب ام تحت الكبد ؟ ام داخل شغاف الحاجب الحاجز ؟ أي شريان يهتك وأي وريد يقطع؟ هل تراه يمر قرب بيتي في الاعظمية؟ هل شطر أهلي عن بعض أهلي ؟
هذه بغداد . . أيها الرجل الغريب المدجج بالسلاح .
(هذي بلادي لي بها نخلة
وقطرة في السحاب
وقبر يحتويني
هي عندي اجمل من مدن الضباب
من مدن لاتعرفني
أجوب الشوارع فيها وحيدا) (1)
نجوب الشوارع بعيدين عنك ياعراق . نجلس على المقاهي . ندخن النرجيلة ونتحدث عن عظمة امريكا. نتفرج على فضائياتنا وهي تطفح بخبرائها الاستراتيجيين يحدثوننا عن عظمة امريكا . قنابلها وصواريخها عابرة القارات واساطيلها. صرنا نحفظ اسماءها واحدا واحدا . . أكثر مما نحفظ أسماء جيراننا.
يطل رامسفيلد بائع السلاح بين الفينة والاخرى وهو يبيع لنا اسلحته المتطورة ويشرح بالتفصيل محاسن وفضائل تلك الاسلحة . . كيف يمكن لهذه التقنية الامريكية الهائلة ان تلقي (الصدمة والرعب) في قلب (مصطفى) * وتجمد ضحكته اللاهية ، وكيف تستطيع ان تفلق بمهارة رأس (آيات)* وتنتزع ظفائرها الجميلة من جذورها . وكيف صممت هذه التقنية الفائقة خصيصا لتطفيء بكل دقة وحسم ، التماع الأماني في عيني (هند)*.
أليست أمريكا عظيمة ؟
ولكن . . ربما. . تجيد امريكا ابتكار ديمقراطية النابالم واليورانيوم المنضب وشرائح الكومبيوتر وخلطة الهامبورجر وعضلات رامبو، لكنها بالتأكيد لم تستطع ان ترسم خارطة العراق. مع انها ليست بهذه الصعوبة فأي تلميذ عراقي في الابتدائية يستطيع ذلك . وهي بالتأكيد لم تعرف كيف تفك لغز مدن العراق وأنهاره ونخيله. وفوق كل شيء لم تعرف كيف تقرأ مايدور في رأس (علي عبيد منقاش آل فتلة) . لم تدلها عليه اجهزة الرصد لديها ولا أعتى رجال استخباراتها.
ولكننا كلنا . . في قلوبنا العراقية . نعرف ابن منقاش هذا. رغم ان اسمه ليس تومي فرانكس ولايظهر على شاشات الفضائيات ولم يحلم يوما ان يكون حاكما مدنيا او عسكريا ، ولكن علي منقاش كان فلاحا من (الهندية) . هذه الناحية الصغيرة التي لم يذكرها تومي فرانكس على خرائطه لأنه لم يضع في حسبانه ان علي منقاش يتمركز فيها. وعلي منقاش هذا كان فلاحا من الهندية:
(كان لايعرف أبعاد المسافات
خطوط الطول و العرض وترسيم الحدود
كان لايفهم تقسيم الفضاءات
او الحظر على الجو وتزييف الوعود
كان لايفهم مايروونه عن لغة الزيف والارقام في حرب النجوم
كان في الحلم له كوخ من السعف ومشحوف يطرّ لاهور
أقمار من الطين وصيف من الكروم
وله من المد وأسماك من الفضة في صمت الغروب،
وقناديل من التمر تضيء الحزن في ليل الجنوب ) (2)
علي منقاش كان عراقيا وفي اعماقه وشم العراق. كان فلاحا . ولاوقت لديه يقضيه في المقاهي ولاتلفزيون في بيته يرى فيه اولي الامر وهم يظهرون في الفضائيات العربية معطرين ومتأنقين وخلفهم جيوشهم العربية الجرارة ، يتساءلون بدهشة رخوة (لقد فعلنا كل ما نستطيعه، بذلنا كل جهودنا ولكن من يستطيع ان يقف في وجه أمريكا؟)
ولكن فعلها - والله – ابن منقاش !
ربما كان عليكم ان ترموا ترسانتكم من السلاح الامريكي المتطور . . في البحر. هذه التقنية التي تعطبها ذرة غبار، وتشتروا بدلا منها بنادق برنو قديمة، ولكن حتى لو فعلتم . . فمن اين تبتاعون قلوبا شجاعة مثل قلب علي منقاش – قلوبا تتعطر بطين الارض و(تتبختر بعراقيتها)(3) ؟ ... قلوبا لاتعطبها ألوف الصواريخ التي ألقيت على ارض العراق ولا أطنان القنابل الفتاكة ولا هدير الطائرات المقاتلة ولا حرائق النابالم واليورانيوم المنضب، ومن أين لكم أيد ثابتة لاتهزها المحن؟
لقد فعلها ابن منقاش !! كان فلاحا عراقيا وكان لديه بندقية برنو قديمة وقلب شجاع ويدان مجبولتان من طين العراق.
انتهكت صفاء سمائه طائرة أباتشي ضخمة . . وكما اعتاد ان يصطاد بين الحين والاخر طيرا للعشاء . . رفع بندقيته (البرنو) العتيقة . . وسمّى باسم الله وباسم العراق ومحمد وعلي والحسين . . فتهاوت هيبة أمريكا تحت قدميه .
__________
** كتبت ونشرت هذه المقالة مارس 2003 ف صحيفة الحياة ، والحرب على اشدها إثر سماع قصة الفلاح العراقي الذي اسقط طائرة اباتشي ببندقية قديمة . ويومها كذبت ابواق امريكا الحادثة واعتبروها دعاية عراقية . ولكن الاحداث فيما بعد والتي مازالت تجري تثبت بما لايقبل الشك كيف يمكن لسلاح بدائي ان يسقط اباتشي ويعطب مدرعات. وهؤلاء الناس ابناء الارض هم الذين يروونها الان بدمائهم.
• (آيات وهند ومصطفى) اسماء احفاد الكاتبة ، يعيشون (اذا سمحت لهم صواريخ بوش) في الاعظمية : آيات ولدت عام 1993 حين دشن كلينتون رئاسته بقصف بغداد ،وولدت هند عام ثعلب الصحراء ، واحتفل بوش بعيد ميلاد (مصطفى) الثاني بحملة حرية العراق ومازال الاحتفال مستمرا.
(1) من قصيدة للشاعر العراقي عبد اللطيف الراشد
(2) من قصيدة للشاعر العراقي محفوظ داود سلمان
(3) (يتبختر بعراقيته) عنوان قصيدة للشاعر العراقي رعد فاضل

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق