السبت، 31 يوليو 2021

الموسيقى الحلال

كتب باء

بثينة الناصري

هل الموسيقى رجس من عمل الشيطان؟

ماذا يفعل المؤمنون بتحريم الموسيقى حين تقتحم آذانهم موسيقى بدون رغبتهم؟ وهم سائرون في الشارع؟ من نوافذ الجيران، من اعلانات التلفزيون الخ. هل يصمون آذانهم؟ هل يستغفرون بشكل مستمر حتى تنتهي محنة الموسيقى؟ هذا السؤال يراودني منذ أن التقيت بشاب يعمل ساعيا في إدارة حكومية . كان شعلة من النشاط يتحرك لتنفيذ طلبات الموظفين: انسخ الوثيقة هذه - هات الملف من الأرشيف - اطلب لنا الشاي من البوفيه - خذ هذه الورقة للتوقيع من المدير - ابحث لي عن جريدة اليوم الخ وهكذا يعمل في دأب على الاستجابة لكل الطلبات، إضافة الى اضطراره للرد على اي مواطن صادفه في الطرقة لسؤاله عن مكتب فلان او قسم تقديم الطلبات الخ . لاحظت أنه يضع سماعتين في أذنيه، من النوع التي يضعها الشباب للاستماع للموسيقى. سألته: هل تستمع للموسيقى؟ أجاب: كلا .. أنا لا أسمع سوى القرآن الكريم. فأشرت الى السماعتين فقال : نعم إني اشغل القرآن طول النهار. قلت له: وكيف تستطيع التركيز والانصات لكلام الله وانت مضطر بحكم عملك للاستماع لكلام الناس؟ أليس هناك آية تقول "وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ"

ومثله الموظفة التي رأيتها تضع المصحف أمامها على مكتبها، لتقرأ فيه وهي ترد بين حين وآخر على طلبات المواطنين !! طيب أنت موجودة الآن لخدمة المواطنين، أليس من الواجب و(العبادة) أن تتفرغي بكل حواسك وعقلك لانجاز أعمال المواطنين ؟ او ذلك الذي يجلس في ميكروباص مزدحم فيخرج مصحفه الصغير ويبدأ يقرأ فيه ، باعتبار ان ذلك يمنعه من ان يسمع (لغوا) او ربما موسيقى من راديو السيارة الخ .. أو ربما يمنعه من ان يقع بصره مضطرا على كعب قدم امرأة جالسة الى جواره.

لايمكن ان تكون الموسيقى حرام، لأسباب عديدة سوف نتطرق اليها ومن يقول بذلك يقع في تناقض كبير وحين لا يعرف الرد يحاول إفحامك واسكاتك بالقول :" يكفي ان الله والرسول حرماها". أين كان ذلك ؟ يأتون لك بتفاسير لتعبير (لهو الكلام) و(المعازف) وبعدها يخففون عنك بالقول أنه ليس كل الموسيقى محرمة وإنما فقط الألات الوترية وآلات النفخ والبيانو الخ ولكن الطبول والطبلة والدفوف حلال. وهناك من يقول لك أن موسيقى الكون (تغريد الطيور ونبض القلب وخرير المياه وصفير الرياح ووقع سنابك الخيل واصطفاق الشجر الخ ) كل هذه حلال سماعها ولكن الموسيقى التي يصنعها الإنسان حرام!!

مع أن الإنسان لم يصنع موسيقاه إلا تقليدا لموسيقى الله في كونه، فقد قلد الإنسان كل هذه الاصوات كما يدلنا تاريخ الموسيقى وكيف بدأت. وبالتأكيد ليس كل انسان يستطيع صناعة موسيقى، وإنما المبدعون فقط وهؤلاء يتلقون الوحي بأعظم الألحان من موسيقى الكون، أي موسيقى الله.

كل المبدعين في مختلف المجالات (الرسم - الكتابة - التصوير - التلحين - الغناء - صناعة التماثيل الخ) يقلدون الله في خلقه بوحي منه، لأن هذه الملكات لم توزع على كل البشر وإنما على البعض منهم، ولأن البشر يشمل في خلقه الجزء الحيواني الذي يشده الى الأرض والجزء الروحاني الذي يشده الى السماء، فيحاول تقليد ماخلقه الله ، ليس تشبها به أو شركا به، وإنما للسمو الروحاني. ولهذا حين يشدو الانسان بصوت جميل يوصف عادة بأنه (العندليب) (الكروان) (البلبل) وبكل اسماء الطيور المغردة ويعتبر هذا اجمل لقب ممكن ان يوصف به المغني من البشر، فما معنى هذا؟

حتى رقص الباليه مثلا يقلد في حركاته الطيور الرشيقة ذات الارجل الطويلة برفرفة اجنحتها وحركات جسمها المتناغمة. كل ما أبدعه الإنسان مستوحى من الكون . التصوير مثلا.. يلتقط تعاقب الوان السماء عند الشروق والغروب، اشكال الاشجار مع تعاقب الفصول، ثورة البحر وهدوءه، القمر والشمس والرياح والفيضانات والوجه الانساني ولغة اجساد البشر في اوضاعها المختلفة، ونادرا ماتجد لوحة مرسومة او فوتغرافية تصور جمادات صنعها الانسان إلا نادرا، ومبدع الروايات والقصص يخلق عوالم مشابهة او مختلفة عن عالمنا، ويخلق كائنات شبيهة بالبشر او مختلفة ، كل هذا تقليد لإبداع الخالق. العقل الانساني المحدود لا يأتي بشيء جديد إلا (يتشابه بالموجود أو يتناقض معه) وكما علمنا من علماء الرياضيات والهندسة أن الكون مخلوق على نفس أسس السلالم الموسيقية. ويعلمنا علماء الأحياء أن حنجرة الانسان بأوتارها تشابه في عملها آلالات الموسيقية الوترية.

كل هذه المعلومات موجودة وموثقة لمن يريد ان يستزيد.. فإذا كانت الموسيقى فطرة انسانية (وحيوانية ايضا) إذ تبين أن الموسيقى تؤثر على المخ فتضبط الكيمياء داخل الجسم فتريحه او تسعده او تحزنه او تهيجه الخ حتى الأبقار شاع قبل سنوات اكتشاف تأثرها بالموسيقى مما يجعلها تدر لبنا اكثر.

فإذا كانت الموسيقى فطرة فطرها الله تعالى، فمن اين التحريم ولماذا؟

(لماذا) هذه يكرهها المتشددون كره العمى، لأنهم سيضطرون الى فضح تهافتهم وتناقضهم وجهلهم. لايريدونك ان تسأل عن السبب، يخرسونك بقولة (هذا موجود في القرآن والسنة) .. والواقع أنه ليس هناك دين جاء بوحي من الله (إذا كنت تؤمن بذلك حقا) يمكن ان يعارض فطرة الله في الانسان والحيوان. والفطرة نعرفها من كل ما ذكرته آنفا، وأيضا بملاحظة بسيطة لأي طفل عمره لايتجاوز الاربع شهور: طفل لم يتعلم الكلام بعد، ولم يتعلم الحرام والحلال، ولم يسمع عن الشيطان بعد، ولم يتناول تفاحة ابليس لتتبدى له (عورته)، أو ليعلم معنى الخطيئة. هذا الطفل لم يتعلم السلم الموسيقي ولكن ما أن تبدأ امه تترنم له أو يسمع ايقاعا قريبا، او تصفيقا منغما حتى يبدأ في التقافز على حجر أمه على وقع مايسمعه من موسيقى. كلنا خبرنا ذلك مع اطفالنا واحفادنا.. هذه هي الفطرة الموسيقية لدى الانسان. الموسيقى تؤثر على المشاعر فتحرك الجسم .. ومن هنا نشأ الرقص عند الفرح، واللطم بالجسد عند الحزن (العراقيون يعرفون بالضبط كيف تحرك النساء اللاطمات اجسادهن وهن جلوس) والرقص الديني في الأذكار (تحريك الجسم تناغما مع الدفوف) وتحريك الجسم ايضا على قرع الطبل استعدادا للحرب. فالموسيقى والرقص والغناء فطرة نشأ عليها الانسان منذ قديم الأزل وفي كل أغراضه: الفرح والحزن والحرب والسلم الخ. وربما هذه سبقت اللغة لأن الموسيقى والقرع على الطبول والعزف على الات بدائية اخرى والنفخ في القصب والابواق المصنوعة من قرون الحيوانات ، كانت تؤدي أغراض اللغة في التواصل والتعبير عن المشاعر أو لايصال رسالة.

لماذا إذن الموسيقى حرام؟ هل تلهي عن ذكر الله؟ وهكذا فهي من الشيطان؟

هل تلهي الموسيقى عن ذكر الله ؟ يقول لك المتشددون أن قوله تعالى (وماخلقت الجن والإنس إلا ليعبدونِ) معناها ان يصلوا ليل نهار وأن يقرأوا القرآن في كل مكان .. وهم في العمل، وهم في السيارة ، قبل النوم بعد الاستيقاظ ، حيث ان السمع والبصر واللسان لم يخلقوا إلا لسماع القرآن ورؤية حروفه وقراءته مع التسبيح والاستغفار في كل دقيقة من حياتك، وماعدا ذلك فهو لهو يلهيك به الشيطان عن هذه (العبادة) التي خلقت من أجلها.

لا أدري من فسر وشرح لهم ذلك . لأن (العبادة) هنا ليست التحول الى ببغاوات تردد الكلام وتؤدي (الطقوس) بدون فهم المعنى الحقيقي للعبادة. في أحد المواقع وجدت هذا في تفسير الآية ((العبادة) الطاعة، والتَّعبُّد التَّنسك. فمعنى «لِيَعْبُدُونِ» ليذِلّوا ويخضعوا ويعبدوا. { مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ } «مِنْ» صلة أي رزقاً بل أنا الرزّاق والمعطي. وقال ٱبن عباس وأبو الجوزاء: أي ما أريد أن يرزقوا أنفسهم ولا أن يطعموها.) تمام .. يعني يحبسوا أنفسهم في بيوتهم دون أن يسعوا أو يعملوا أو يجتهدوا فإن الله سوف يبعث لهم الغذاء والدواء واللابتوب والثلاجة والتلفزيون وكل ما يحتاجه البيت.

لا أحتاج الى قراءة كتب او فتاوي أو سؤال شيوخ حتى أفهم معنى العبادة بفطرتي وبالعقل والمنطق والبديهة. العبادة هنا هي (الاقتداء بقيم وأخلاق وروح الدين) هي الاقتداء بالخالق (الذي تحبه وتعبده) بتعمير الأرض وخلق جنتك ونارك عليها. والآن قل لي كيف يستقيم ان تعتبر أن كل (عمل او علم ) يلهيك عن ذكر الله في كل لحظة وكل دقيقة ، هو من اباطيل الشيطان؟ كيف يستقيم ان أصطحب القرآن معي الى مقاعد الدراسة وبدلا من الانتباه الى المدرس اخرج القرآن لأقرأ به لئلا يلهيني المدرس عن ذكر الله. كيف يستقيم أن اكون مهندسا واحتاج تكريس ساعات طويلة حتى ارسم خارطة بناء وربما حتى تفوتني الصلاة ، مع متطلبات المتشددين أن لا ينطق فمي إلا بالتسبيح والاستغفار؟ كيف اكتب رواية تشغل كل تفكيري لأشهر عديدة ، ربما حتى انسى ان استغفر الله إذا كتبت كلمة خارجة تقتضيها الرواية؟ وبالمقابل كيف اندمج بقراءة الرواية كقارىء وانسى نفسي واهلي وكل شيء وانا اتابع بعيني احداثها المثيرة؟ (من حسن الحظ انهم لم يحرموا كتابة وقراءة الروايات وهي اكبر لهو حسب تعريفهم للهو) .

لو اتبعنا اسلوبهم في الحياة فوداعا لأي عمل ولأي علم (ماعدا علوم القرآن) ولأي متنفس يرتاح اليه المخ الذي خلقه الله بهذه الكيفية : مخ يتجاوب مع الموسيقى.

يقال لك أيضا أن الإسلام حرم الالات الوترية والنفخية والبيانو واشباهه وحلل الدف والطبل والطبلة. لماذا ياترى؟ هل ذكر القرآن ذلك بالنص؟ أليس (نفخ الصور) في يوم القيامة يعني استخدام آلة نفخ مثل البوق وعلى قول الرسول محمد (ص) في تفسيره لأتباعه أن (الصور) مثل (القرن) وقد ذكر القرن لأن منه كانت تصنع آلة البوق بشكلها البدائي. ولماذا خلقت الحنجرة التي تصدر اصواتا خشنة او ناعمة حسب شكل الاوتار، بالضبط مثل الآلات الوترية.

تاريخيا، كان الطبل هو أول اشكال الآلات الإيقاعية. كل قبائل ماقبل التاريخ كانت تستخدم الطبول بشكل أو بآخر، او بالأحرى (القرع على شيء ما) ربما قرع خشبتين او القرع بصخرتين او أي شيء تطوربعدها الى اختراع الطبلة . القرع والنقر مأخوذان من أصوات الطبيعة (حوافر الحيوانات الراكضة ، او المتهادية ، نقر بعض الطيورعلى جذوع الاشجار الخ) والواحد منا حتى لو لم يكن موسيقيا حين تعجبنا نغمة ما نجد انفسنا ننقر او نقرع بإيقاع على المنضدة التي نجلس اليها او على الركبة أو على ظهر اليد الخ .. اي شيء يصلح للنقر عليه. وبالتأكيد كانت هذه عادة اي انسان بدائي لا يعرف ماذا تعني موسيقى، ولكنها فطرة . الجسم (متمثلا باليد والاصابع) ينقر او يدق على اي شيء للتعبير عن غضبه ، فرحه، حزنه، تواصله الخ .

إذن النقر على الطبول هو فطرة انسانية تحرك المشاعر (البدائية والهمجية) وليست المشاعر الرومانسية الحالمة الرقيقة السامية التي تحركها الأوتار و(المعازف الأخرى) .

أريد أن يجيبني أي شخص يقرأ هذا: ما الذي يدفعك الى القيام من مقعدك وربما الالتحام بدبكة او القفز والرقص وانت جالس في حفلة زواج مثلا أو غيرها: ايقاع الطبلة أو صوت الكمان؟

ايها يحرك مشاعرك ويدفعك لتحريك جسدك بنشاط مفاجيء؟

ايقاع الطبول طبعا ولهذا كانت تستخدم في الحث على الحروب.

أيها يستدعي في وجدانك (الشهوة والغريزة) ضرب البيانو أم ايقاع طبلة ودفوف؟ والشهوة هنا يحركها حافز آخر مرتبط بالطبل مثل ارتباط صوت الجرس بالشعور بالجوع لدى كلب بافلوف في التجربة الشهيرة. قيل أنه من الأحاديث النبوية (ولعله ضعيف) أن الآلة الحلال هي الدف والطبلة ولاينبغي استخدامهما سوى في الأعراس .

إذن في ذهن المسلم المؤمن الذي يحلل ويحرم ، ترتبط الطبلة بـ(ليلة الزفاف) فكلما سمع صوت طبلة تذكر تلك الليلة وما تحركه من غرائز. إذن من باب أولى أن تكون الطبلة هي (مزمار الشيطان) في تحريك شهواتك ورغباتك المكبوتة وليس اصوات الناي الحزين او البيانو الرصين أو الكمان الرقيق الحالم .

يقول لك البعض أن تلك الالات (ماعدا الطبلة ) حرمت لأنها تبعث على الحزن. هذا تفسير جديد، لأن في الأحاديث النبوية يُذكر أن قراءات القرآن ينبغي ان تكون حزينة وتبعث على الحزن!!!

وبمناسبة ذكر قراءة القرآن، فإن التجويد يقوم على 7 مقامات موسيقية هي نفسها اساس المقام العراقي واغاني الطرب.

في رأيي أن مسألة تحريم (المعازف) ومزامير الشيطان الخ ترتبط ارتباطا تاريخيا بمسألة القيان والجواري خاصة الأجنبيات من خارج الجزيرة العربية ، لأن الالات الوترية والنفخية ربما كانت تأتي من حضارات اخرى، وبما ان مجالس القيان كان يشوبها فسق وفجور وتحلل، فقد كان ذلك التحريم (إذا كان المقصود به هذا) يتعلق بالبيئة المصاحبة للموسيقى والغناء، وهما فنان مثل بقية الإبداعات يمكن ان تخرج منها بما يضر البشر أو بما يفيده. وعلى ذكر الغناء، أذكّر فقط بأن النبي محمد (ص) كان يتخير لتأدية الأذان أحسن الناس صوتا، وكذلك لقراءة القرآن لأنه يعرف تأثير الصوت الحسن على الأسماع، أما الاجيال الحاضرة التي ترى أن الموسيقى حرام والغناء حرام والصوت عورة، فنحن نرى خطل رأيها في اختيار اسوأ الأصوات للأذان ، وسوء التنسيق حين يتداخل عشر اصوات من مآذن متقاربة بأصوات ذكرت في القرآن لقبحها، تتداخل فيما بينهما بنشاز غريب لاتنفع معه طبلة ولا بيانو.

والله جميل يحب الجمال.

 

 


الاثنين، 12 يوليو 2021

حظ السلاحف

كتب باء
قصة قصيرة

بثينة الناصري

  هل كان أمرا غريبا ان يتوقف الرجل بسيارته لشراء علبة سجائر قبل مغادرة المدينة الساحلية في طريق العودة الى بلدته؟ كان شارعا ضيقا ، ذلك الذي وجد نفسه فيه ، ولكن هذا هو حال اكثر الشوارع الداخلية لتلك المدينة الغافية على الساحل. هل كان صدفة ان يكون كشك السجائر بجوار محل لبيع طيور واسماك الزينة ؟ ولكن من هنا بدأت الحكاية.
انفتح باب السيارة الخلفي بقوة واندفع منها طفلان احدهما في السادسة والاخر في الرابعة، ورغم تحذير الام التي كانت تنتظر زوجها في المقعد الخلفي ، الا انهما دخلا محل بيع الطيور وأخذا يتفرجان على الاقفاص. يحاول الصغير ان يمد اصبعه بين القضبان ، فيما يصطنع الكبير اصواتا ويغير من سحنته ليرهب الاسماك الملونة السابحة التي كانت تتوقف قليلا تنظر اليه ثم تهز ذيولها وتمضي بعيدا. دخل الرجل خلف ولديه ووقف يتفرج معهما برهة ثم اخذ يحثهما على مغادرة المحل لولا ان الكبير كان يقف متسمرا امام صندوق من الكرتون موضوع على الارض. كان ينحني عليه حذرا محاولا استكشاف ما بداخله. أطل الرجل في الصندوق فرأى عددا كبيرا من السلاحف الصغيرة تتكوم ساكنة قرب بعضها. فأثار المشهد فضوله وسأل صاحب المحل:
- ألا تعيش هذه السلاحف في الماء ؟
- هذا نوع بري يعيش في المنازل
مال الرجل على ابنه وقال: هذه هي السلحفاة التي رويت لك قصتها مع الارنب .. هل تذكر ؟
قال الولد: اريد ان اراها تمشي !
وانضم اليه اخوه الصغير ، وان كان يتشبث بساقي والده وينظر من بعيد بخوف ولهفة. أخرج صاحب المحل سلحفاة صغيرة من الصندوق. وضعها على الارض فلم تحرك ساكنا. كانت تختفي كلية تحت درعها .
- اريد ان اراها تمشي
صاح الولد.
قال أبوه – انتظر انها خائفة كما يبدو.
لكزها صاحب المحل ، فمدت عنقها وأرجلها ودبت قليلا ثم توقفت وضمت نفسها داخل الدرع ثانية .
وفي هذه اللحظة ، انطلق نفير السيارة المنتظرة في الخارج. خرج الرجل الى باب المحل فأشارت له امرأته من بعيد متسائلة عما يؤخرهم .
تقدم نحوها وقال:  كنا نتفرج على سلاحف برية .. صغيرة هكذا بحجم اليد.
- آه .. أنا اسمع انها تعيش مائتي عام .
قال الرجل – لا اصدق .. ربما تقصدين السلاحف الضخمة التي نسمع عنها ؟
- دعني أراها .
قالت ذلك وغادرت السيارة ، وفي داخل المحل بادرت صاحبه وهي تقلب السلحفاة الراقدة على الارض:  أليس صحيحا انها تعيش مائتي عام ؟
- أجاب : ليس بالضبط ولكنها تعمر طويلا .
- وهل هناك من يشتريها ؟
قال صاحب المحل بثقة : كثير ! يأخذونها للبركة . إنها سلاحف مبروكة كما تعلمين.
- التفتت المرأة الى زوجها وقالت باسمة : والله فكرة ! دعنا نأخذ واحدة تجلب لنا الحظ في البيت الجديد.
ضحك الرجل وهو يقول : وتعيش بعدنا وترث البيت !
تقافز الولدان : نريد واحدة .. نريد واحدة .
وهكذا انطلقت السيارة على الطريق الصحراوي وهي تحمل الضيفة الطارئة التي انزوت اول الامر دون حراك ، ثم يبدو ان ارتجاج السيارة أثار قلقها ، فتحركت فجأة واختفت تحت المقعد الامامي ، ثم اطلت برأسها من بين قدمي السيدة وواصلت تقدمها . وهنا تشبث الابن الاصغر برقبة أمه صارخا:  تريد ان تأكلني !
لكنها ربتت عليه ، وانحنت لتحمل السلحفاة وتضعها على حجرها.
- انظر .. إنها لا تأكل أحدا .. انظر انها خائفة منك !
لكن الولد ازداد صراخا وانتقل الى المقعد الخلفي يحتمي بأخيه .
قال الرجل :نسينا ان نسأل إن كانت السلحفاة هذه ذكرا أم أنثى ؟
قلبت المرأة الحيوان بيدها وقالت : لاشيء ظاهر.. ولكن لابد ان تكون هناك طريقة لمعرفة جنسها .
اطل الولدان برأسيهما من المقعد الخلفي يتأملان السلحفاة في يد الام وأبدى الولد الكبير رغبة في ان يلسمها .. مد اصبعه بحذر وربت على رأسها فيما لامس الصغير درعها السميك بسبابته
سأل الاب :هه؟ ماذا نسميها ياولاد ؟
قالت الام : نسميها مبروكة .. أو محروسة .
قال الابن الكبير : شيرين .. شيرين .
علق ابوه :  ذوقك حلو ياولد .
صاح الصغير :لا يا بابا . سوسو أحلى .
حسمت الام النقاش قائلة:  لتكن شيرين .. اسم جميل فعلا . هذه اختكما ياأولاد . على افتراض انها انثى .
سأل الاب ابنه الصغي  : مارأيك الان في اختك شيرين .. خائف ؟
هز الولد رأسه نفيا وراح يتأمل السلحفاة بإدراك جديد بعد ان اتخذت اسما بشريا . ونقر على رأسها بإصبع مرتعشة .
مد الرجل يده واحتوى السلحفاة ليضعها على ساقه.
قالت زوجته :انتبه للطريق !
-      لاتخافي .. دعيني آخذ قليلا من البركة لعل الامور تتحسن في الشغل .
تحركت السلحفاة على فخذه باتجاه المقود . وصلت اليه . تشممته ثم حاولت تسلقه .ضحك الرجل وجذبها برفق ثم اعادها الى فخذه ، ولكنها استمرت في خط سيرها ذاته حتى اصطدمت بالمقود ثانية وتسلقته .
- هو تحدّ إذن ؟
- انتبه للطريق !
أعادها الرجل الى فخذه .. لكنها لم تتوقف . تحركت ببطء .قال محدثا زوجته :
- إني اسمع ان السلاحف اذا ماتت انقلبت على ظهورها .
- اشك في ذلك . كيف تفعلها ؟ يمكن انها اذا وقعت على ظهورها مدة طويلة تموت؟
قال الرجل : دعينا نجرب .. نقلبها على ظهرها ونرى إن كانت تستطيع ان تعدل نفسها .
مال الولد الكبير بكل ثقله على كتف أبيه وحاول ان يمسك السلحفاة ولكن اباه تشبث بها قائلا : انتظر لنرى ماتفعله .
وعاتبته زوجته : دعها للاولاد ..
شد الولد ذراع أبيه وهو يصيح : هات شيرين .
وفي هذه اللحظة سقطت السلحفاة بين ساقي الرجل وانحشرت تحت دواسة البنزين. انحنى ليلتقطها .
- انتبه !!
ضاعت الصرخة إذ افلت زمام المقود من يده ، وانحرفت السيارة بشدة الى حافة الطريق واندفعت الى الهوة . اصطدمت مقدمتها بالارض ثم انقلبت على ظهرها .. ظلت عجلاتها تدور في الهواء فترة ثم ... خمدت .
ران السكون ..
ينجلي التراب المتطاير .. رفيف حركة وسط الصمت. يطل رأس صغير من باب السيارة الموارب . تقذف السلحفاة نفسها الى الخارج . تقبع على الارض ساكنة وقد اختفت داخل درعها . ثم شيئا فشيئا تمد رأسها .. تلتمع عيناها السوداوان .. وببطء شديد .. تدب حثيثا بعيدا عن السيارة ..

**

نشرت في مجموعة (وطن آخر) 1994 وترجمت الى الانجليزية من قبل المستشرقة الامريكية Gretchen Michele McCullough 

الجمعة، 9 يوليو 2021

لماذا لا نذهب الى البحر كثيرا ؟

كتب باء
قصة قصيرة 
بثينة الناصري

 أتذكر أن الوقت كان أواخر الشتاء، ولكن الشمس يومها كانت ساطعة، حين توقفت السيارة الصغيرة البيضاء على شاطئ البحر. 

قالت أمي، وهي تطفئ المحرك:

- احذروا أن تبللوا ملابسكم.

اندفعنا باتجاه البحر، نرتجف شوقاً إليه، شريف ورفيق وياسر وأنا، شمّرتُ أطراف البنطلون، وكذلك فعل الآخرون. خلعنا أحذيتنا، وركضنا نحو الماء، ونحن نحجل على الحصى الصغير المتناثر على رمل أبيض.

لسعت برودة الماء باطن قدمي، واخترقتْ جلدي، قشعريرة فرح، فتوغلتُ في الماء، غير آبه بالبلل، والماء ينقّع البنطلون حتى فخذي. فجأة، لطم خدّي نثار ماء.

التفتُّ، كان رفيق يعاود الانحناء ليملأ كفيه من ماء البحر، ولكن قبل أن يعتدل صوّبتُ نحوه رشة بقدمي اليسرى، التي اعتدت أن أركل بها الكرة.

ودون أن ندري، كنا جميعا وسط البحر نتقاذف الماء، حتى سمعتُ صوت أمي يناديني غاضباً. التفتُّ مرغماً، وجدتها تلوّح من بعيد، وهي تسند ظهرها، على باب السيارة .

خرجتُ إلى الشاطئ، ومشيت نحوها متردداً، والماء يقطر من ملابسي، شاعراً بالأسى لانتهاء المتعة سريعاً. لكنها حين اقتربتُ قالت:

- اخلع ملابسك. ضعها هنا على سقف السيارة لتجف.

- ملابسي كلها؟

- كلها. تستطيع أن تسبح إذا شئت. هل الماء بارد؟

- قليلا.

- إذن هيا، وليفعل إخوتك مثلك.

بلمح البصر، كنت قد خلعت ملابسي حتى لم يبقَ سوى القطعة الداخلية الأخيرة، ورجعت طليقاً نحو إخوتي، الذين ما إن رأوني حتى تراكضوا نحو الشاطئ، وهم يتملّصون من ملابسهم شيئاً فشيئاً، وسرعان ما اختفت معالم السيارة تحت الملابس المنشورة عليها 

أحسست بكل ذرة في جسدي تتوتر، وبعضلاتي تتجمد، وأنا أرتمي على الماء. غصت حتى عنقي، ولكن البحر كان دافئاً. ضربت الماء بذراعيّ قليلاً، ثم انقلبت على ظهري، وتركت نفسي مرتخياً، أنظر إلى سماء زرقاء صافية. ثم أغمضت عينيّ، وأنا أحس بجسدي يتهادى على الموج الخفيف، حتى انتابني شعور بأني توغلت مسافةً كبيرةً داخل البحر، عندها فتحت عينيّ فزعاً، وجاهدت لأقف على قدميّ، فإذا بهما تلمسان الأرض، وإذا بي قريب من الشاطئ.

كان رفيق وشريف يرشقان أحدهما الآخر بالماء. أما ياسر، أصغرنا، فقد وقف، بجسده الناحل، ينتفض مرتجفاً على حافة البحر.

أشرت إليه أن يأتي:

- هنا الماء دافئ. تعال، لا تخف.

تطلع إليّ متردداً، فهتفت:

- أمسك يدي.

لكنه تراجع إلى الخلف، ضاماً ذراعيه إلى صدره، وعيناه تعانقان البحر شوقاً.

بعد نحو عشرين سنة، حين رأيته مسجّى على طاولة المشرحة، وقد جيء به من جبهة القتال، وجسده العاري ناحلاً شاحباً، وذراعاه مضمومتين إلى صدره، تذكرت صورته ذلك اليوم، وهو واقف على الشاطئ يرتعش خوفاً ولهفةً. وشعرت بالأسى، لأن الخوف يومها ابتلع رغبته في مجاراتنا. وها نحن لن نذهب إلى البحر معاً بعد الآن. كان وجهه هادئاً، وعيناه مفتوحتان، على بحار وسموات غير مرئية. همست يائساً:

- لماذا لم تنزل إلى البحر؟ كان الماء دافئاً والشمس ساطعةً.

لكنه ظل يتراجع حتى استدار راكضاً. خرجتُ وراءه مهدداً بأن أجرّه الى البحر، فلاذ بأمنا التي كانت تقف إلى جوار السيارة الصغيرة.

حين اقتربنا، فوجئنا بها تمسك بسيجارة، رفعتها حين رأتنا إلى فمها، ونفثت دخانها في وجهينا، وهي ترقب ذهولنا، بعينين باسمتين. كانت المرة الأولى في حياتنا التي نرى فيها أمنا تدخن سيجارةً.

هتف ياسر:

- دعيني أجرّب.

فوضعت السيجارة في فمه، ولكنه حين حاول أن يسحب الدخان اختنق بالسعال. تشجعت واقتربت، وعاجلت إلى امتصاص السيجارة، بعمق، ونفثت الدخان بمهارة، كنت قد أتقنتها في الشوارع الخلفية.

ومع تبدد الدخان، في هواء ذلك اليوم الشتائي، بدأتُ أرى أمي بضوء مختلف، متواطئةً وصديقةً، وفي الوقت نفسه كان يتنامى في داخلي شعور بالقلق، من براعتها في إخفاء هذا الأمر عنّا، حتى أننا لم نعثر، يوماً، على آثار سجائر في بيتنا. ولكنها كانت قادرةً على إخفاء أمور أخرى، توّجتها بقفزها من شباك غرفتها، بعد خمس سنوات، من يوم الشاطيء ذاك، وارتطامها على سلم العمارة الخارجي، بدويٍّ مكتوم، ظل يرن في أذني سنوات طوال بعد ذلك. أذكر تحلّقنا حول جثتها المرمية، بغير عناية على السلم، ونحن نحدق، بذهول اليقظة المفاجئة، من غيبوبة عميقة، نحاول أن نفهم لماذا ترتمي أمنا بلا حراك على سلم العمارة، ووجهها شديد الشحوب غائباً عمّا حوله؟

- حان وقت الرجوع.

قالت أمي، وانهمكت في مساعدة ياسر على ارتداء ملابسه.

برز رأس رفيق من تحت الماء، وقد احمرّ وجهه، وتندت عيناه. نفض شعره المبلل، وأشار إلى بقعة بعيدة على الشاطئ، حين سألته عن شريف، واتجهتُ بنظري إلى حيث كان شريف ينحني على الأرض، يجمع القواقع في كيس ورقي.

- هيا يارفيق حان وقت الرجوع.

غطس مرة أخرى، وانتظرت لحظات قبل أن يرتفع رأسه، وهو يصيح:

- هل رأيت هذه الحركة؟

- هيا أخرج.

- ولكن هل رأيت هذه الحركة؟

- أستطيع البقاء مدة أطول منك تحت الماء.

- تعال ولنر من يستطيع أن يقاوم أكثر!

التفتُّ إلى حيث أمي، ثم ترددت هنيهةً، قبل أن أقفز إلى البحر.

- واحد، اثنان، ثلاثة.

وغطسنا معاً، في وقت واحد. كتمتُ نَفَسي حتى أحسستُ بصدري يكاد ينفجر، فرفعت رأسي، وأنا أشهق، في نفس اللحظة التي ظهر فيها وجه رفيق. نظرنا إلى بعضنا بتحدّ، ثم انفجرنا ضاحكيْن. قلت له “هيا لا تدع أمّنا تنتظر”.

راقبته، وهو يخرج من الماء، يمشي خافض الرأس، كعادته، وكأنه مستغرق في تفكيرعميق. كان رفيق أكثرنا ذكاءً وتفوقاً في المدرسة. ينجح دون أن يبذل جهداً في هذا السبيل. بل كان يقضي أوقاته، يلعب الكرة مع أولاد الجيران، أو يتمدد على سرير أمنا (وكان أشدنا التصاقا بها) يحدق في السقف حالماً.

كان يفعل ذلك حين اقتحمت عليه الغرفة، ثائراً، بعد سنوات. لم تتحرك قسمات وجهه، وهو يستمع إليّ أعنّفه. ولكني حين أطحت بزجاجة الخمر، التي كان يضعها تحت السرير، نهض متثاقلاً محاولا أن يمسك يدي، فلطمته، وهززته من كتفيه، علّه يصحو، لكنه كان غائباً عما حوله.

ظل جالساً، يستمع إليّ خافض الرأس، وأنا أحاول أن أغريه بأن الوقت لم يفت للعودة إلى الدراسة مرةً أخرى. حين انتهيت رفع وجهه، فلمحت دمعتين تجريان على خديه. حدق في وجهي، ملياً، ثم تحامل على قدميه، ومشى مترنحاً، حتى جاوز باب الغرفة، حيث أقف، ثم التفت إليّ، وابتسم كما خيّل إليّ، معتذرا، وغادر البيت.

آخر ما رأيته ظهره المحني، ورأسه المطرق، وكأنه مستغرق في تفكير عميق.

- شريف.. تعال.

اعتدل شريف، حين اقتربت منه، وقال وهو يريني ما بداخل الكيس الورقي:

- أنظر ماذا وجدت، قواقع كبيرة ملونة.

- ماذا ستفعل بكل هذه القواقع؟

غمغم بشيء ما، وسوّى وضع نظارته، وسار معي، وهو ينحني بين حين وآخر، ليلتقط قوقعة هنا وأخرى هناك.

ودون أن أدري، وجدتني أتنقل ببصري، بين الرمل، ومخلفات الشاطئ، لألقط القواقع، وأسقطها في الكيس. وجدت واحدةً مقفلةً. وقفنا نحاول فتحها، فلما استعصت طوحت بها إلى البحر. ثم أخذنا نتبارى، فيمن يرمي الحصى أبعد من الآخر.

كان شريف أقرب إخوتي إلى نفسي، ربما لأنه كان يصغرني بعام واحد فقط. كنا لا نكاد نفترق، وحتى عندما حصل، بعد انتهاء الحرب، على عقد عمل في دولة عربية، ظل يراسلني، عدة سنوات، بانتظام، وفي كل رسالة، يعد بأن هذا هو عامه الأخير في الغربة، وأن عودته صارت وشيكةً. ويمر العام، ويمضي آخر، بل إن رسائله، ظلت تتباعد، حتى انقطعت نهائيا. وبدا كأنه غاب عنّي إلى الأبد.

توقفنا نفحص قوقعة لامعةً، بخطوط صفراء وبنية، حتى سمعنا صوت نفير السيارة يتعالى بالحاح، فحثثنا السير.

أذكر الآن، بوضوح، صوت قرقعة القواقع في الكيس الورقي الذي يطوّحه شريف، وهو يسرع إلى جانبي. لا أدري ماذا فعل شريف بالقواقع بعد ذلك. على الأرجح ركنها في جانب من غرفتنا ونسيها.

لكن صوت قرقعتها يملأ عليّ، الآن، زنزانتي الانفرادية، وأنا منكفئ على وجهي، متورم الجسم، ممتلئا بقروح تنزّ ألماً.

كان صمت الزنزانة يثقل أذني بطنين غريب، بعد ساعات التحقيق الطويلة. ولكن جسدي يضجّ بألم زاعق، في حين لا أستطيع أن أحرك عضلةً واحدةً في جثتي المنكفئة. كنت أود أن انهض وأغادر المكان.. أركض..

- هيا ياشريف، لا تدع أمنا تنتظر.

كانوا قد اقتادوني، عبر ردهة طويلة، معصوب العينين.

وصلنا إلى السيارة، اختطفنا ملابسنا، وارتديناها قطعةً، قطعةً. كانت ما تزال ندية، لكن من يعبأ؟ قفزنا إلى السيارة، ياسر في المقعد الأمامي إلى جانب أمنا.

سمعتُ صرير باب يدفع، ويُطلب مني أن أجلس وأرفع العصابة عن عينيّ. كان الضابط الذي يواجهني يماثلني في السن، ويرتدي ملابس مدنيةً. سألني عن اسمي، وعملي وقدم لي سيجارةً. كانت رقته مثيرةً للريبة.

مرت ربع ساعة تقريباً، وهو يرمي إليّ بأسئلة عامة وشخصية، ثم فجأةً اكتست ملامحه غلظة وجمود، وهو يشدد على كل كلمة من سؤاله المباغت:

- ما صلتك بالجماعة؟

وقبل أن أجيب التفتتْ إلينا أمنا. هل كان وجهها شديد الشحوب، غائباً عمّا حوله؟

نظرت في وجوهنا واحداً واحداً، أولادها الأربعة، وسألتنا:

- ما رأيكم بهذه النزهة؟

تصايحنا "كانت نزهة جميلة. لماذا لا نذهب الى البحر كثيرا؟”.

اعتدلت في جلستها، وأدارت محرك السيارة، وانطلقنا. عبثت أصابع أمي بمؤشر المذياع. توقفت عند موسيقى مألوفة. انساب صوت عبد الحليم حافظ دافئاً "أهواك وأتمنّى لو أنساك”، وصدح صوت أمي “"وأنسى روحي ويّاك”.

- الله.. الله.. صوتك جميل يا أمي!

"أهواك..” ارتفعت حناجرنا جميعاً حتى أغرقت صوت المغنّي. أسرعت السيارة باتجاه المدينة، وخمسة أصوات زاعقة، تغني بهمة وحماس، على وقع الموسيقى، وأسمع ياسر، وهو يصرخ، وسط الضجيج المنغم "ما معنى أهواك؟”.

وصوت أمي يرتفع، فيملأ فراغ الزنزانة:

- أحبك.

***  

نشرت في مختارات ( لماذا لا نذهب الى البحر كثيرا؟) القاهرة -  2008


الخميس، 8 يوليو 2021

الإستيقاظ صباحا في غوانتنامو

 قصة قصيرة

بثينة الناصري

الأصوات تبتعد وتقترب . . هدير. . حفيف . . رنين . . صليل . . لهاث . .
 أفتح عيني فأجدني أحدق في عيني ذئب. 
-  ذئاب . . أجج النار.
صرخ أحد الرفاق، فحركت الخشب في النار التي تكاد تخمد. هناك في تلك الحفرة التي تحلّقنا حولها، في موقعنا ذاك من جبل (سورتانجي).
كنت جديد عهد بهذه الرفقة، ولم يفت في عضدي، مثل هذه المهمات الصغيرة التي توكل إلي. ولهذا كنت أقوم بها، بهمة وحماس، تثيران تندرهم غالبا، فيهتف أحدهم :
-  الذئب يسأل صاحبه: من يرعى النار هذه الليلة؟ فيجيبه الملا عبد الله فيقول له: اذن لافائدة من الإنتظار فناره لاتخمد أبدا .
ولكن . . لهاث الذئب يقترب . . ماذا حدث؟ هل خمدت النار؟ ربما سرقني النوم؟ أحاول أن أتحرك. أفتح عينيّ. أرى الذئب واضحا، هذه المرة، وقريبا جدا. ولكن كأنه داخل قفص. هل أحلم؟ إن الذئاب لاتعيش في أقفاص. أين أنا ؟ أشحت بوجهي، وحاولت أن أتسلل إلى الحلم مرة اخرى .
ولكني أفقت على صليل حديد، يرن كالمطارق في رأسي. وشيء حاد، ينخس أضلاعي. وقبل أن أتبين شيئا، شعرت بذراعي تقيدان، ثم بقدمي تكبلان .
فتحت عيني على سعتهما. ماذا يحدث؟ غريبان يشدانني من الأرض إلى وضع الوقوف. في حين مازال الذئب يكشرعن أنيابه داخل قفصه . لا . . لم يكن . . كان طليقا! أنا الذي في داخل قفص! وضع الغريبان عصابة على عيني. لم يكن ذئبا. بل كلب حراسة. أين أنا؟
حاولتْ أيادٍ دفعي إلى السير. أين يذهبون بي؟ جررت قدمي، وكدت أتهاوى. تصايح الرجال حولي بلغة لم أفهمها. سمعتُ حركة، وجلبة، ثم دفعني أحدهم في صدريـ فهويت على . . مايشبه أرجوحة . ربما نقالة . . ترتج بي . . وتهتز .
أرفع جفني . . سماء زرقاء صافية، شديدة الضياء. ولكن الضوء المبهر للنهار، يخز عيني، بألم فأطبقهما. لا أدري منذ متى لم أر ليلا. وكأن كل أوقاتي، منذ جاءوا بي الى هنا . . أعيشها في وهج حارق . . ضوء . . ضوء . . طوال الوقت. ألا يأتي الليل أبدا؟ يتأرجح جسدي يمينا ويسارا ( الله . . هوو ) (الله .. هوو) (الله . . هوو ) تترنم أمي، بصوت موجوع رتيب (الله . . هوو) وهي تؤرجح مهد أخي الصغير، فيغفو مبتسما، وتخفت ترنيمتها حتى تتلاشى، فأتقدم من أمي أطوق عنقها :
 - لماذا لايكون لي مهد هزاز مثله؟
فتضحك وهي تنتزع ذراعي من حولها :
- هذا كان مهدك ولكنك كبرت الآن . هيا . . إذهب وإلعب مع الصبيان .
يتأرجح جسدي، يمينا ويسارا. أتوارى في حضن أمي، وهي تحيطني بذراعيها، مودعة، وأنا ذاهب للحاق بالرفاق في الجبل (الله . .يحميك ياإبني ) وتصرّ أن آخذ مصحفا صغيرا (ضعه في جيب الصديري دائما وتحت مخدتك في الليل) ولكنه لم يعد معي . . الآن . . إنتزعوه من ملابسي، حين أجبرونا على ارتداء هذه البزة الحمراء. رغم شوقي إليك ياأمي، فإني لا أتمنى أن تريني بها. إنها تشبه السراويل الحمراء التي تختص بلبسها النساء عندنا، تحت ثيابهن الفضفاضة. أخذوا المصحف الصغير، ولم اره بعد ذلك. ولكن قبل أيام جاء إمام المعسكر. واحد منهم يقول إنه مسلم، ولكنه يرتدي ملابس عسكرية، وهو حليق الوجه. يقول إنه يريد أن يعلمنا. وزع علينا كتاب حكايات (الف ليلة وليلة ). أشرت إليه بأني لا أقرأ العربية، الا في كتاب الله، وطلبت مصحفا .
هز رأسه، وفهمت منه إنه يقول: ممنوع !
ثم سألني، كما فهمت، عن اللغة التي أتكلم بها :
 - باشتو . . باشتو
رفع حاجبيه دهشة وكأنه يسمع بالكلمة لأول مرة .
توقف اهتزاز جسدي فجأة. وهبطت النقالة على الأرض. حملني إثنان على الوقوف، وأدخلوا رأسي في غمامة سوداء. هذا هو الليل يجيء اخيرا !
لا أسمع سوى قرقعة أصفادي، وأنا أقاد، حثيثا، عبر عتبات وابواب. نتوقف. أسمع حركة الحارسين، وهما يبتعدان، وفي نفس الوقت، أتلقى ضربة شديدة بشيء صلب على رجلي، تطيح بي أرضا. ثم تمسك بي يدان، تحاولان بخشونة إجلاسي في وضع الإقعاء .
 - إسمك !
كان الصوت يتحدث الباشتو . رف قلبي وأنا أردد :
- عبد الله .
**
-  إسمي عايشة .
كانت تحمل خشب الوقود، على رأسها، في ذلك الممر الذي يخترق جبل "سور تانجي"، عندما تساقط بعض الخشب، فهرع إلى التقاطه، وإحكام وضعه على رأسها. ورف قلبه إذ تلامست أصابعهما عفوا. ثم انفلتت من أمامه، مثل غزال بري. راقبها وهي تسرع الخطا، مبتعدة بقامة مشدودة، توازن حمولة الحطب على رأسها .
عدّل العمامة، بعد ان انزلقت على جبينه، وأحكم امتشاق بندقيته على ظهره. وبدأ يدندن بـ لندي(1)، وهو يستأنف سيره .. .
يووار دي لاس به لاس كي راكه(2)
وعلا صوته شيئا فشيئا هو يصدح بين الجبال . .
دا لاس نيوي به دي تر ديرة يادومة (3)
كان الصوت الذي يسأله بالباشتو، قاسيا وصارما وعدائيا. أشعره بالغربة من لغة أهله. كل شيء هنا خالٍ من الودّ. الباشتو والإمام المسلم الذي يمنع أن نصلي جماعة، والذي رغم ذلك وضع لافتة بكلمة (القِبلة) بخط يده، وباللغة العربية، وعلقها على أحد أبراج الحراسة، في مكان نستطيع أن نراها من بعيد. ولكن أغلبنا لم يعد يصلي. وكيف ذلك ونحن لم نر الماء على أجسادنا منذ شهور، سوى مايرشوننا به في أقفاصنا، بخراطيم المياه المصوبة إلينا من بعيد .
كان الرجل يطلق عليّ أسئلته، قصيرة وحادة، وبصوت رتيب خال من المشاعر .
- أعيدوني إلى وطني. أنا باشتون، ولست عربيا. ولا أعرف أحدا منهم .
وكأنه لم يفهم الباشتو التي أتكلم بها. لا أدري إن كان هو الذي لطمني بشدة على رأسي، ولكن صوته استمر يسأل بحدة، ويكرر الأسئلة، وأعيد الاجوبة، ولكن كل ماقلته لم يعجبه .
- إذا كنتم ترونني مذنبا، فاقتلوني بالله عليكم. أما إذا لم أكن كذلك، فلماذا أبقى هنا؟ اُقتلوني أو أعيدوني إلى وطني. اُقتلوني أو أعيدوني .
- أعيدوه إلى قفصه !
وفي تلك اللحظة، وهم يسحبونني خارج المكان، أحسست أن ضوء النهار الحارق، وخلوة زنزانتي، إلا من لهاث كلاب الحراسة، أحسن مما أنا فيه. شهقت، وهم يرفعون غمامتي، وأرى وجه السماء، مرة اخرى .
تأرجحت بي النقالة حتى توقفت، قرب صف أقفاص الحديد. تحاشيت النظر في وجوه الرفاق، وهم خلف قضبانهم، يحدقون في وجهي، بأمل أن يستشفوا شيئا، منتظرين دورهم، بحذر وترقب، وشيء من التوق أيضا للخروج من الأقفاص بأي ثمن وإلى أي مكان .
- الحمد لله؟
سمعتُ جاري يسأل. كان عربيا، ولانستطيع التحدث بغير كلمات القرآن الكريم .
- الحمد لله !
ملأتُ كوبا من السطل الذي بقي فيه شيء من ماء الشرب. إلا أن الماء تعثر في بلعومي وأحسست بغصة .
- هل يذكرني أحد الآن؟(4) 
اخواي حميد وعبد الرحمن؟ آخر مارأيتهما عندما اُسرنا في قلعة "جهانجي" قبل أن يفصلوننا. أمي في بيتنا المنزوي في حضن الجبل؟ هل يكتب لي الله أن أراهم مرة أخرى؟ ام تُراهم . .؟ وعايشة ؟ آه . . من لمسة يدها. أما زال يسقط عن رأسها خشب الوقود، وهل يساعدها مفتون آخر؟ أم تُراها الآن تتحلق مع عائلتها، حول الصندل(5) ترتشف الشاي الأخضر وتفكر بي خلسة، وهي تذكي نار الفحم؟
كم يبدو كل شيء بعيدا . . مضببا. إلا أنني أرى بوضوح، جبال "سبين غار" و "سور تانجي" جبالا بيضاء، وحمراء، وجبالا خضراء، تغطيها نباتات برية.
يضطجع على الحشية، ويعقد ذراعيه خلف رأسه، وهو يرى نفسه، وسط عشيرته، وقد طالت لحيته مرة اخرى. يرتدي جوبان(6) أبيض، وحوله رفاق صباه، وهم يصفقون، على ايقاع الطبلة والرباب والسازاندة(7) يغنون لندي وكلاسيك (8) وفي البيت المجاور، عروسه عايشة،  تلتمع عيناها العسليتان، وهما تتابعان رقص صويحباتها على ايقاع الديرة (9)  .
صليل منغم يخترق أذنيه. وفكر" إنهم يأخذون العربي للتحقيق". يرفع صوته ليسمعه جاره قبل أن يبتعد بخطى ثقيلة، بقدر ماتسمح به الأصفاد: الله رحيم .
يتوقف السازندة عن الغناء . . وتصمت الرباب، ويكف الرفاق عن التصفيق. يسود السكون .
-  حانت الساعة . . إستعدوا . 
ويزف في موكب طويل . . من رجال لم يعد يعرفهم. كانوا جميعا، حليقي الرؤوس والذقون، يرتدون بزات حمراء كالنساء او المهرجين . . بدون عمائم. كانت أيديهم موثقة من الخلف. يمشون، مطأطئين، خجلين، من أن يراهم أحد او يرون بعضهم بعضا. كانوا مسربلين بالذل والمهانة. أحس كأنه يمشي عاريا، وسط عشيرته. كان يظن أن هذا الكابوس سينتهي عند وصولهم إلى الباحة التي يساقون إليها، فيعدمون، وأخذ يقرأ سورة (الفاتحة) مرارا، حتى وجد نفسه يُحمل حملا إلى داخل طائرة. ما أن تعثر داخل بابها، حتى أجلس على مقعد، وقيدت يداه وقدماه إلى المقعد. تلفت حوله بارتباك، ثم بغضب . أحس بوخز إبرة في ذراعه، ثم رُشق شريط لاصق غليظـ على فمه فغاب صوته، ثم دُس شيء في أذنيه فغاب سمعهـ ثم أدخلوا رأسه، بقناع أسود، فغاب نظره .
ولكنه مع ذلك ، استطاع أن يرى والطائرة ترتفع، ذرى جبال أفغانستان مغطاة بالثلوج، وعايشة وهي تؤجج النار في الصندل، وتنظر إليه بعينين ضاحكتين، مغطية فمها بالخمار، واستطاع أن يسمع صوتا يشبه صوت أمه، ينهمر مع الشلالات المتحدرة من الجبال والوديان، مترنما، متوجعا :
من كه به ميوند كي شهيد نشوي(10)
زما لاليه بي ننكي ته دي ساتينة (11)
استطاع عندئذ أن يفك إسار يديه، ويجثو عند قدميها، يحيط وجهها الصابر بكفيه، ويقول لها: إنتظريني . . لن أغيب طويلا .

 ***

الهوامش

1-لندي : كوبليه غنائي فولكلوري
2-إعطني يدك مرة والى الابد
3-سوف اتذكر لمسة اليد هذه زمنا طويلا
4- من المعتقدات الافغانية إذا تغرغر الماء في بلعوم احدهم، يعني أن أحدا يذكره في تلك اللحظة .
5- الصندل: موقد لتدفئة العائلة، يتكون من منضدة مربعة خشبية، توضع بارتفاع 40 سم، فوق فحم متقد، وتغطى المنضدة بلحاف قطن كبير
6-جوبان: جبة من الصوف بلون أبيض عادة يلبسها الرجال في الجبال شتاء
   7-السازندة : المغنون المحترفون
8-الكلاسيك : الغناء الأفغاني القديم الذي لايقدر عليه إلا المغنون المحترفون .
9- الديرة : آلة موسيقية تشبه (الدف) تستعملها النساء فقط
10- اذا لم تسقط شهيدا في معركة ميوند
 11- فإن الأيام تدخرك ياحبيبي لأيام الذل

ملاحظة القاصة:  من اجل كتابة هذه القصة ، درست أولا عادات المجتمع الافغاني وجغرافية البلاد، وشيئا عن لغة البشتون.
نشرت في مجموعة (يوميات الكوفي شوب وقصص أخرى) الالكترونية 2016

الأكثر مشاهدة خلال 30 يوما