الأربعاء، 30 يونيو 2021

غرفة في فندق رخيص

قصة قصيرة

بثينة الناصري

السلم ، في النهار ، يشبه أي سلم آخر : مثلوم  الدرجات ، مقشر  الجدران ، لكنه في الليل يطفح بالرطوبة والعفونة اللاذعة والخوف .

امتدت الى برودة الحائط يد راعشة . كان يرتدي سترة فضفاضة وبنطلونا واسعا متهدلا . تأرجحت احدى القدمين في الهواء مترددة ثم هوت على الدرجة الاولى . اتكأ  الرجل على الحائط فيما رفع قدمه الاخرى ، لكنها لم تلمس الارض .

وإذ ندت عنه صرخة المفاجأة وإحساس داهم بالخطر ،  انزلقت رجله الى هوة .. وقبل ان  تجد القاع لطّت حافة السلم ركبته ودوى في رأسه  انفجار .. مسح يائسا  الارض حوله .. انكسرت ؟

دلّته الرائحة وبرودة  السائل الذي راح يسيح على الدرجات فتعثرت يده بكسرة زجاج. كان القعر سالما مايزال يحوي بقية العرق . ضمه اليه ونظر الى السلم . احتار في أن يصعد مجازفا بالخمرة الباقية او يحتسيها توا ؟ تلفت حوله زائغ العينين .. هل يتركونه حتى يشربها .؟

عبّ العرق ثم تناثرت الزجاجة وهي ترتطم بالجدار . لمّ سترته حول جسده فانخمش قلبه للحنان الذي احس به نحو نفسه. وفي غمرة الدفء لم يعد وحيدا . نظر الى فوق.. ماعاد السلم مضنيا .. صارت غرفته أقرب ، وبدا له انه يستطيع النجاة على أية حال.

حين يقترب من باب الغرفة يلقي بثقله عليه فينفتح .. يندفع الى الداخل.. يقف برهة يبحث بسرعة عن مخبأ .. تحت السرير كما اعتاد ان يفعل .. يقرفص هناك .. يسوي اطراف الغطاء ويبلع لهاثه . صار في فضاء معتم .. ينزوي في ركن من السرير كاتما انفاسه ، منصتا لوقع أقدام تصعد السلم .. تتبعه .  تدخل الغرفة .. تقف عند السرير .

يكتم انفاسه .. ثم تنشق الظلمة فجأة عن وجه أمه .كان وجها  غاضبا قبيحا في غضبه .. تمد يدها عليه .. يزحف بعيدا .. لكنها تمشي اليه على أربع وتنقض حتى يختفي وجهه الصغير تحتها .. ويحس بأسنانها تنغرز في كتفه . يكزّ على شفته لئلا يصرخ .. تغوص أسنانها في كتفه ، وشيئا فشيئا يتخدر لحمه كما يحدث دائما ويعرف عندئذ انه يستطيع ان يتحمل الالم الى مالانهاية.

وقفت المرأة الى جانب سريره . أحس بوجودها فجأة . رأته يحرك يده برخاوة . أراد أن يقول شيئا لكن لسانه كان حجارة ثقيلة .

رأها تجلس دون ان  تعبأ به على كرسي قريب وتمد ساقيها الى حافة سريره . مطّت يدها الى المرآة المدورة التي يرى فيها وجهه  احيانا.. وبدأت تصلح زينتها . لعقت اصبعا وسوت حاجبيها . كانت تثرثر بأخبار زبائنها ..نزلاء الفندق المستديمين الاخرين .. عرفهم جميعا من خلالها .

جاسم يضاجع مرتين في الزيارة الواحدة .. أبو علي مسافر الى البصرة .. غرفة رقم 2 بها زبون جديد، طالب من الارياف ..

كان ينظر الى فمها يتحرك .. يفتح .. ويعوج .. اشار اليها بضعف ان تسكت  وتتركه في حاله . أدار ظهره وكوّر نفسه في  الفراش لاصقا ركبتيه بصدره . قامت اليه المرأة ، دثرته بالغطاء وربتت على مؤخرته وخرجت .

**

مؤخرته مدماة .. حاول ان يخفي ذلك عن امه لكنها صرخت على حين غرة ومزقت عنه الدشداشة واختلط عويلهما.

كانوا اربعة اولاد كبار يلعبون معه . ثم فجأة انقلبت سحناتهم واتحدوا ضده .. كان قد فعل شيئا ما . شتموه ودفعوه دفعا الى زاوية في البستان حيث يلعبون. رأهم يتقدمون نحوه صفا واحدا .. انحصر في الحائط الطيني وتلفت حوله . لم يكن ثمة من مهرب سوى ان ينفذ من بينهم بسرعة .. وكأنهم أحسوا بما نوى فوقفوا متماسكين حتى حجبوا عنه نور الشمس. وبدأ كل منهم يقترح نوع العذاب ولكن اكبرهم والذي مافتيء طوال الوقت يحرك يده داخل بنطلونه ضحك مهتاجا ولفظ كلمة .

وسرعان ماتحول الذين كان يعرفهم الى وحوش .. انتزعوه من الزاوية .. طرحوه أرضا وصلبوه تحت افخاذهم المتوترة . صرخ فكمّ احدهم فمه حتى اختنق ..

 دفع اللحاف عن وجهه .. حاول ان ينهض لكنه سقط منهكا .

متى تركته المرأة ؟ نظر الى الباب بقلق . لماذا خرجت اليوم متعجلة على غير عادتها ؟ ربما لم تأت حقيقة ؟ قد يكون حلما آخر ؟ لكنها اعتادت ان تأتي كل اسبوع في اليوم نفسه .. أي يوم هذا ؟ لايمكن ان يكون الخميس لأن الحمام كان  مغلقا . واعتادت ان تجعل منه محطة استراحة ريثما تعدل زينتها قبل ان تنتقل من زبون الى آخر .

هل تدبر أمرا ما؟ هل يمكن ان تكون واحدة منهم؟. حين استوعب عقله هذه الفكرة .. فتح عينيه بقوة وشعر ان عليه ان يبقيهما مفتوحتين مهما كلف الامر . كما ان عليه ان يصحو وينهض . هناك أمر يُبيت ضده في هذا الفندق . أحس بذلك منذ وطئت قدماه عتبته . ويجب ان يفعل شيئا قبل فوات الاوان . لم يكن وهما إذن . طالما تصنت في الليالي السابقة الى وقع اقدام خفية تروح وتجيء خارج غرفته .. ربما تتجه نحو بابه الليلة؟

تراخت جفونه قليلا فشدهما بيديه معتصرا صدغيه النابضين بهاجس حارق .. لهذا ارسلوا المرأة في غير موعدها لتتأكد من انه سكران ولا حول له .كم مضى على خروجها ياترى؟ ربما  اوصلت النبأ الان .. ولم يبق غير لحظات .. ولكن هل جاءت حقيقة ؟

عذبته شهوة في ان يستسلم لمصيره الذي يتربص به منذ أمد بعيد . يغطي رأسه باللحاف ويهدأ وينتظر . تسارعت دقات قلبه . لكن .. لابد من حل عاجل لورطته لئلا يفاجأ وحيدا أعزلا . أول شيء أن يغادر الفراش . أن يصحو .. يصحو . مد يده الى دورق الماء الموضوع الى جانب السرير ودلق الماء على رأسه .

ساحت البرودة داخل أذنيه وعلى صدره  وانسلت قطرات تجري على طول ظهره . كان يرقب بقبقات المطر في حوش الدار .. يحاول ان يجسها بإصبع حرة .  يحس بفرح يمطر داخل جلده .. ينط واقفا ويدور حول نفسه رافعا رأسه وذراعيه الى المطر . تنتفخ الدشداشة بالهواء و هو يدور ويدور .. يرفرف بذراعيه كجناحين ويطير ويطير حتى ينقع المطر شعره وتلتصق ملابسه بجسمه  الصغير مثل عصفور اغرق ريشه  المطر . 

وينتفض من لسعة برودة مفاجئة فيركض الى  الغرفة .. يلبد قرب "البريمز"* يحتضن جسده المرتعش بذراعيه  النحيلتين ورائحة شاي العصر تملأه بالدفء. 

من الزاوية البعيدة التي قرفص فيها كان يرى ضوء الممر يترامى على عتبة باب غرفته خافتا تقطعه بين حين وحين ظلال تتحرك . تبطيء . تقف .. تقترب.. تجتمع الظلال .. وتتفرق .. ثم تقترب حتى تحجب ضوء الممر .  انهم عند الباب. 

استجمع قوته ودون أن يصدر أي صوت بدأ يحبو على أربع حتى وصل  الى السرير، وخبطت يداه جيب سترته . أخرج مفكرته وقلمه . اقتطع بضع وريقات وخربش على كل منها كلمة حاول رغم الظلمة وارتعاش يده ان تكون واضحة قدر الامكان . زحف حتى النافذة .. فتحها بما يسمح ليده ان تفلت  الاوراق ثم  اغلقها بسرعة وانسل عائدا الى زاوية الغرفة .

تحركت أكرة الباب .. لابد ان الاوراق قد سقطت على الارض الان .. تخلخل  الباب تحت اكتافهم .. استطاع ان يرى خطا من ضوء  الممر  على طول حافة الباب . ولكن هل من فرصة في ان تقع الاوراق بيد احد ما ؟

كم بقي من الليل ؟

خارج النافذة تهاوت  اوراق صغيرة لعب الهواء بها .. بعضها علق في شجرة كاليبتوس وبعضها هبط على الرصيف لحظة مرور الخفير  الليلي  الذي التقط  الاوراق الساقطة ونظر فيها وقلبها . ثم استند بظهره الى جدار ،  وأرخى البندقية الى جانبه .. وتفحص الاوراق مرة اخرى .. الكلمة نفسها  على مايبدو .. ابتدأ يتهجى .. أ .. ن .. ق .. ذ.. و .. و.. ني ..وكرر  بصوت عال " أنق ؟" "ذوني ؟" وتنهد وهو يكلم نفسه " كان يجب ان اتعلم القراءة" ثم كور الاوراق ورماها الى جانب الحائط وامتشق بندقيته وواصل طريقه.

 +++

* البريمز – التسمية  العراقية للموقد الصغير النفطي ذي الفتيلة . ويبدو ان كلمة بريمز كانت الاسم التجاري الاجنبي لهذا النوع من المواقد وصار اسما معرفا لها . 

** نشرت  القصة في مجموعة (وطن آخر)  القاهرة 1994

الصورة بكاميرتي

الجمعة، 25 يونيو 2021

فتى السردين المعلب

كتب باء

قصة قصيرة 

بثينة الناصري

حين دفع الرجل الضئيل باب المطعم طرفت عيناه لشدة الضياء فى الداخل وكاد بياض الموائد وبريق الاقداح يعشى بصره فجمد حائرا موزع النفس وفيما هوعلى تلك الحال راى النادل الانيق يتقدم منه بخطوات ثابتة فدب فيه خوف والتفت صوب الباب يغمره احساس بأنه قادر بوثبه سريعة واحدة أن يصل إليها قبل أن يدفعه الرجل دفعا وكان هذا ما يزال يتقدم منه لكنه فى اللحظه التالية تذكر أنه يرتدى البدلة الجديدة التى أشتراها عصر اليوم وانه قد حلق ذقنه ومسد شعره ثم هناك ومد يده بسرعة إلى جيب الستره الداخلى وجس للمرة ألالف حزمة النقود.
 وقف النادل فجأة فتراجع الرجل خطوات لكنه تسمر فى مكانه حين  رأى النادل يفحصه مليا
ثم يبتسم بأدب ويشير إلى مائدة قريبة، أسرع الرجل إليها وارتمى على الكرسى بلهفة وكأنه يخشى أن يبدل احدهم رأيه،  ثم كان يحس بشكل ما،  أنه لو جلس واختفى نصف جسمه على  الأنظار لما ارتاب احد فى أنتمائه إلى مثل  هذه الأمكنه. والأمر يختلف حين تكون واقفا والعيون الفاحصة تعريك من بدلتك الجديدة وقد تنفذ إلى ثيابك الداخلية المقطعة.
ولأول وهلة حار أين يضع يديه وبعد تردد طويل ارتأى أن يسند اليمنى على طرف الكرسى والأخرى يمس بها  ركبته. ومن جلسته المسترخية المتوترة تلك استطاع ان يدير رأسه حوله  ويألف النظر فى الوجوه دون أن يحمر وجهه .
رأى  بضع ياقات منشاة واربطة حريرية  وستر تحيط ابدان اصحابها مثل الخاتم بالاصبع ، ثم نظر الى نفسه : اى شىء فيه يختلف ؟ بل يكاد يقسم انه يحمل من النقود  ومست اصابعه جيب السترة -  اكثر مما لدى اى واحد منهم ... ربما صفرة الوجه تفضحه؟
لكن من يحدس ان الجوع كان السبب؟
وحين وصل الى هذا الحد من التفكير تنفس بارتياح وارخى ساقيه مد يده فى احد جيوبه واختار بمهارة احسن اعقاب السجائر الموجودة فيه لكن ما ان رفعه الى شفتيه حتى انتبه فجأة للعقب المطفأ بين اصابعه فرماه  الى الارض بسرعة  وكأن نارا لذعته .
اخرج من جيب اخر علبة السجائر الاجنبية وكان قد اشتراها لتوه  مزق السيلوفين بهدوء وتناول سيجارة مترفة وضعها بين شفتيه ، وفيما  كان ينفث الدخان بمتعة لم يشعر بها من قبل ، لاحظ لأول مرة ان اللونين الاخضر والبرتقالي يشيعان بإلحاح وأناقة في جدران واثاث المطعم .... حتى منفضة السجاير على مائدته كانت برتقالية وعلى المائدة المجاورة خضراء ....   لابد ان صاحب المطعم قد اختار اسما ملائما لمحله ... ولو كان الاختيار له لسماه الخضرة والبرتقال او ربما شيئا اكثر شاعرية مثل العشب والشمس؟
قطع خياله حضور غريب الى جانبه . رفع رأسه ... كان النادل ينحنى على المائدة يمسك قلما ودفترا ، فاُخذ الرجل على حين غرة ، ولم يدر ما يفعل سوى ان يطفىء السيجارة ويرمى عقبها فى جيبه ....   ولم ينتبه للمعة الغريبة التى انسلت الى عينى النادل ولا ابتسامة الهزء التى ارتسمت على وجهه ولا النبرة الوقحة التي قال بها :
- طلباتك
اذ رد دون اكراث :
-         قائمة الطعام .... من فضلك :
وحين قذفت القائمة امام وجهه شمر عن كمية وفتحها ... طالعته اسماء اجنبية لم تطرق سمعه من قبل وخشى  من السؤال ان يفضحه كما قدر انه لن يستطيع لفظ الكلمات صحيحا .....
وحتى يكون فى الامان وضع القائمة تحت انف النادل واشار الى الاسماء المكتوب امامها أعلى الاسعار.
تردد النادل فى كتابة الطلب وسأل الزبون :
- تريد هذا ... وهذا ؟
واتقلت الحيرة للرجل :
- اه .. اى شىء تقترح انت ؟
- سمك ؟
صرخ الرجل :
- سمك ؟ لا !
واضاف بغضب :
-         يسبب لى حساسية : اتينى بما طلبته.
  اى قدر وضع هذه الكلمة فى فم النادل ؟ اى عذاب ؟ وكان قد عزم اثر ضربة الحظ الاخيرة ان يحذف الكلمة من حياته بعد ان ظل طوال الشهرين الاخيرين لا ياكل غير وجبه واحدة فى اليوم من السردين .... مرة تكون غذاء ومرة عشاء.
وكان ترفا ان يحصل على صنف مغاير لما اكله فى اليوم السابق
ومن رحمه الله ان هناك اصنافا متعددة من السردين بالزيت ، بالطماطم ، بالليمون، بالفلفل وكانت ثيابه القديمة تفوح دوما برائحة السمك حنى عرفته جوقة كلاب الحى  وصار عليه ان يبذل الكثير  لصدها عن السباق للقياه او التعلق باطراف سترته او السير خلفه مسافات طويلة حتى ينال منها التعب او اليأس.
وكم كان ثأره منها اليوم شديدا حين طرق الحى لابسا بدلته الجديدة وما ان هرعت الكلاب لاستقباله كالعادة حتى رمى اليها بثيابه القديمة فهوت عليها نهشا لكنها ما وجدت  غير بقع الزيت تلحسها وفتاحة العلب التى اثارت معركة ضاربة انتهت بعواء حاد وبضعة اسنان مكسورة، وضحكة عميقة لم يستطع ان يكتمها الان وهو يرى اطباقا عامرة توضع فوق مائدته وكالمأخوذ تناول الشوكة والسكين ثم اعادهما  الى المائدة وجلس ينظر حالما مدهوشا.
فى احد الاطباق كانت ثمه قطعة لحم سمينة محمرة يزين حواشيها قضبان من ذهب اصفر
مد اصبعا حذرة ولمسها : كانت ساخنة هشة .......   هل يمكن ان تكون بطاطس؟
لطع اصبعه والتهمت عيناه الطبق الاخر كانت تغطيه شريحة لحم رقيقة ينتشر عليها رذاذ اسمر مع كومة قضبان البطاطس الذهبية ايضا ..... وصحن ثالث مستطيل تطرزه ورود حمراء وخضراء وبيضاء وكم كانت دهشته عظيمة حين تعرف على ورقة خس صغيرة وقطعة خيار وشريحة طماطة ....   وحبات زيتون.
رفع يده ..... حرام ان يختل هذا التشكيل الجميل .... وفى وسط كل هذا تنهض القارورة حملها والرهبة تملا جوانبه... قربها من الكأس فاندلقت حمرة الشفق فيه .
احتوى الكأس بين راحتيه كان مثل كرة بلور ساحرة.
راح يتأمل فيها ايامه فرأى باب الجنه يفتح  ينحنى رضوان ويشير الى اريكة قريبة.
يدخل بين اكوام من الذهب الساخن الهش ترى تحته انهار كوثر.. لاسمك يسبح فيها وانما قطع من اللحم يقطر منها السمن وافخاذ فراخ مشوية .
اعاد البلور الى موضعه فارتجت شمس الغروب فيه .
اطال بصره فى المائدة ثم نادى النادل الذى كان يقف على كثب يترصده:
- اين الحلوى التى طلبتها ؟
- بعد الاكل؟
- اريدها الان .
خففة ناعسة من الكريم والشيكولاتة كانت الحلوى يزينها نثار فستق وكرات من العقيق الاحمر .
دفع كرسيه الى الخلف وامال رأسه وهو يتأمل المائدة بنظرة حالمة عبثت يداه بالشوكة والسكين ثم تركهما تسقطان الى جانبه .
ادرك الان انه لن يستطيع ان يأكل !
غمر رأسه دوار خفيف وخوف لاحد له وهو يحس بقطعة حامضة تطفر من جوفه الى بلعومة اغمض عينيه اذ كان مرأى الاطباق يزيد من غثيانه .
هل هذا ممكن ؟ احس بالرعب يتنامى فى داخله .
دفع طبق اللحم بكوعة وافسح لرأسه مكانا على المائدة.
وحين زكمت رائحة الشواء أنفه عرف انه وصل قمة البؤس وان لاشىء بعد هذا، فانفجر باكيا . وعلا نحيبه ، واهتزاز جسمه حين ادرك بغريزة لا تخطىء انه يوشك ان يصرخ بالنادل ويطلب ... سردينا  .

 ----

* نشرت في مجموعة "موت إله البحر" القاهرة - 1977

 

 


الخميس، 24 يونيو 2021

المنزل

كتب باء

 قصة قصيرة

 بقلم: بثينة الناصري

المنزل عمره نصف قرن: طابقان وبدروم. ينفتح الباب الخارجي على صالات واسعة تحيطها غرف جانبية كانت ايام زمان مكتب السيد وغرفة الموسيقى التي يتصدرها بيانو السيدة وغرفة الطعام الفخمة. ويضم الطابق العلوي غرفة النوم الكبرى وغرفة الزينة وغرف نوم الاولاد وصالة اجتماع العائلة. أما البدروم فله باب جانبي صغير يتوارى في جانب من الحديقة ويتصل بالطابق الارضي بسلم ملتوٍ، وكان يضم سكن الخدم و المطبخ الرئيسي الذي كانت تجهز فيه وجبات العائلة وولائم الضيوف.

بعد موت الزوج وهجرة الاولاد ومَيَلان الحال، أغلق الطابق العلوي على غرف فارغة الا من ثريات قديمة معلقة بالسقف بخيوط العنكبوت. واحتشد البدروم بالأرائك المكسرة وكتب اصفرّ ورقها ، وأشياء أخرى كثيرة غطى معالمها الغبار.

وأُغلقت ابواب الطابق الارضي على مكتب السيد الذي لم يتبق منه سوى الكرسي الهزاز، وفي غرفة الموسيقى ظل البيانو الالماني الكبير صامتا ناشز اللحن، فهناك أشياء لا تباع مهما مال الحال.

الغرفة الوحيدة المسكونة الان كانت فيما مضى استراحة للزوار .. وصارت منذ سنوات عديدة ملاذا للسيدة فيها تنام وتأكل محاطة بصور العائلة التي تزحم الجدران وأرفف الدولاب الاثري . ومن شباكها الوحيد الطويل على طرز شبابيك زمان ، تطل السيدة احيانا على الحديقة.

السيدة عمرها قارب القرن . وجه مجعد مليح وشعر أبيض معقوص بعناية وثوب نوم بدون كمين يلوح منه ذراعان رقيقان . تتطلع الى الحياة المائجة خارج نافذتها وتصيح بصوت مرتعش لحوح: ابراهيم .. ابراهيم .. ابراهيم.

تلكز فتحية زوجها "رد على الهانم " لكنه يستمر في تنظيف البندقية العتيقة التي اشتراها من عشرين سنة خلت ، ولكن لما يستمر اسمه يتردد في أرجاء الحديقة .. لايجد بدّا من الصعود اليها. يدق باب الغرفة الذي تغلقه على نفسها بالمفتاح ليلا ونهارا، فيأتيه صوتها:

- من ؟

- ابراهيم

- من ؟ من أنت ؟

- أنا ابراهيم !

- ابراهيم ؟ ماذا تريد؟

- انت التي طلبتني ياهانم!

تصمت فترة طويلة ثم يسمع صوتها متسائلا بضعف:

- أنا تغديت ياابراهيم؟

ابراهيم عمره من عمر المنزل وآخر من بقي من سكان البدروم الذي ولد فيه ابنا لصفية الوصيفة ومحمد الطباخ، وأول ما شب عن الطوق خرج الى الحديقة وتعلم على يد البستاني العجوز كيف يعنى بها، فلما انتهى أجل هذا، صار ابراهيم بستانيا وهو بعد شاب صغير، وعلى مر الايام تحولت الحديقة الى جنة مشذبة منسقة تفوح برائحة الياسمين والفل والورد البلدي .. بل انه ملأ جوانب الحديقة بأشجار الفاكهة التي جاء بشتلاتها من قرية أبيه .. أشجار مانجو وجوافة وخوخ وبرتقال وليمون .. ومازالت الاشجار سخية تطرح ثمارها كل سنة. وقد استطاع ابراهيم ان ينال تعليما بسيطا شذب من طباعه ورقق جوانبه، فاستنّ تقليدا جديدا .. كان يختار كل صباح باقة ورد ملونة يضعها في زهرية وسط المائدة المنصوبة في الحديقة التي اعتاد السيد والسيدة تناول إفطارهما عليها.

ولكن مع موت السيد وتغير الحال وانقطاع اجرته، انتقل ابراهيم للعمل في حدائق اخرى وتحول الفردوس المنسق الى غابة متوحشة من الدغل والنباتات الطفيلية.

وفي جانب من الحديقة تحول الجراج الواسع الى سكن دائم لابراهيم .. فيه تزوج فتحية وأنجب منها محمد وأحمد وعوض وزينب. وكانت فتحية قد ابدت رغبتها بعد ولادة بكرها محمد في توسيع "المطرح" فأضاف ابراهيم الى الجراج بضعة أمتار من الحديقة وبنى غرفة صغيرة ثم أقام عشة للطيور والارانب .. ومع توالي الاولاد زادت وامتدت حبال الغسيل المربوطة كالاشرعة بين أشجار المانجو والجوافة والبرتقال والليمون، وتنتهي أطرافها بالإلتفاف حول رقبة تمثال فينوس دي ميلو القائم وسط النافورة الصغيرة الى فزاعة طيور، بعد ان سربلته فتحية بثوب قديم كالح لتحمي احواض الكرفس والبقدونس والملوخية.

كان كل شبر من أرض الحديقة يموج بالحياة الجديدة ، فقد تشعبت أذرعها كجذور شجرة كبيرة راسخة ، لكنها توقفت فجأة عند السلالم المرمرية المؤدية الى مدخل المنزل فما زال ابراهيم يحافظ على النظام القديم .. لا احد يجرؤ على دخول حرمة "المنزل" سواه ليلبي طلبا او امرأته لتأخذ هدمة السيدة لتغسلها مع هدوم اولادها او لتحمل لها طبق طعام صغير كانت في كثير من الاحيان لاتمسه ، فمع ازدياد نوبات نسيانها وهذيانها ، لم تعد تعرف الاحساس بالجوع او الشبع. وعلى مدى سنين طويلة ، ظل ابراهيم وامرأته يحلمان باليوم الذي لابد منه . كانت زوجته تهمس أحيانا وهي تنام الى جواره ليلا ..

- لما ربنا يتذكرها ..يا ابراهيم.

فيخرسها قائلا:

- لما !!

ويمد بصره حالما من نافذة الجراج الى المنزل الصامت الذي يشكل كتلة جامدة يحدّها الليل .. ورغم الظلام فقد كان في استطاعة ابراهيم ان يميز السلالم المرمرية الملتمعة بضوء بارد والباب المقوس والنوافذ العالية التي تزينها عقود وأطواق معمارية .. كان يعرف كل شبر وكل منحنى اكثر مما يعرف خبايا نفسه وما تحت جلده .. وطالما ولت ساعات الليل وهو يحتضن المنزل بعينيه.

 ومع إطلالة النهار .. وبعد ليلة مؤرقة حافلة بالخيالات .. تدفع السيدة بيديها الواهنتين ضلفتي الشباك وتجلس هادئة على المقعد المواجه للحديقة في لحظة خاطفة من لحظات وعيها.

يلتمع شعاع الشمس على بياض شعرها .. ترى اشجار الياسمين مزهرة وطرقات الحديقة نظيفة والحشائش مقصوصة واحواض الورد مبتلة بالندى.

- الافطار جاهز ياهانم.

ومن مكانها ترى صفية الوصيفة ترتب منضدة مدورة تحت شجرة الليمون ثم تروح وتجيء بالطباق وابريق الشاي بالنعناع. ويأتي ابراهيم .. شابا، يافعا، مهندما ليضع كعادته باقة ورد منمقة في زهرية صغيرة وسط المائدة .. ويكون ذلك ايذانا لها بالنزول.

تهبط السلم المرمري .. درجة .. درجة ..

ويبدأ يومها الحافل ...

 

الأربعاء، 23 يونيو 2021

الخروج من البحر الأحمر

  بثينة الناصري

 صخور الجرانيت الأحمر في ظل ليل أبيب، سوداء مبعثرة في الطريق الصحراوي، قميئة أو شامخة أو مائلة، تشرف على أشباح منسلة تجر الخطى، مقنعة بأردية تعبث بها الريح، بعضها فوق ظهور الدواب وبعض يمشي مطوي الظهر بوجه الريح. كانت الجمال تنوء جوانبها بالأحمال، تسير أمام القافلة وخلفها الأبقار يختلط خوارها الحزين لامتلاء ضروعها مع صراخ الأطفال على أكتاف أمهاتهم، واللعنات المكبوتة يطلقها الرجال وهم ينحنون على أقدامهم ينزعون الشوك المغروس في نعالهم الخفيفة.

منذ الفجر يسيرون ، توقفوا مرتين على عجل، مرة لملء قربهم بالماء ومرة لملء بطونهم بالخبز، قبل ان يسوقهم بعصاه السحرية ، هذا القادم من مديان.

- إسرعوا، لا وقت للراحة.

قال شيخ منهم:

- ولكنا خرجنا بإذنهم. ألم يقل: إخرجوا من بين شعبي؟

غضب القادم من مديان ونظر اليه بعين نارية ثم مال على أخيه لأن الغضب ألجم لسانه، فقال هذا:

- إتركوا الأمر لنا. مازلتم تناقشون فيما لا تفقهون.

استدار السائل متعبا. رأى وجه ابنه فهز رأسه وهمس:

- أبوك الشيخ لا يفقه! سمعته بإذني يقول: إذهبوا وباركوني أيضا.

جرّه الشاب بعيدا:

- ألم أقل لك دعنا يا أبي نموت في البلد الذي فيه ولدنا؟

سحب الرجل ذراعه من قبضة إبنه وقال وهو يبتعد:

- الموت؟ أم تلك البنت المصرية؟

ومن ترتيل االشيوخ وهم يصلون سرا، تنحدر دموعهم على لحاهم الشائبة ، ودمدمة الشباب وآهات النساء ، كانت جبال الصخر ترجّع صدى همهمة لا يقطعها سوى صفير الريح وهي تجرف الرمل تلقيه في الوجوه.

(من سكّوت نزلوا في إيثام)

تعلق ذرات الرمل في مناخير الجمال فتحم وتهز رؤوسها ثم تدفنها في ارتعاشة باقات الشوك. تميل العدول وترتفع صرخة خائفة ولكن لا شيء يحدث.

وبعد أن دفنوا رجلا آخر خلف الصخور، وخلفوه دون علامة، انسحب بضعة رجال وبدأوا يتهامسون. ارتفعت أصواتهم . صاح أحدهم محذرا، وتفرقوا.

قبل الفجر بقليل تعثرت القافلة ، كان التعب باديا في العيون الذابلة . أشار القائد بالتوقف ثم لف عباءته حوله وأومأ لأخيه أن يتبعه.

تبعتهما العيون المنهكة ، يصعدان رابية . يقفان. ينظران في كل اتجاه، ثم يجلسان متقابلين. كانت أولى خطوط الفجر تبهر الشبحين الرابضين فوق الرابية.

- إنزل يا أخي فقل لهم إنا تهنا.

ظل الآخر صامتا يحدق في وجهه.

- قل تهنا بمشيئة الرب.

نهض هارون. وقف برهة يرنو نحو المنحدر. الظلام يحجب النظر، لكنه استطاع ان يتبين كتلا من الناس والدواب مكومة على الأرض ساكنة تماما، كأنه يطل على قبور ترعى في جوانبها إبل تائهة.

تنهد هارون وبدأ يهبط.

***

كانت قاعة الإستقبال في قصر الملك رحبة تحيط بها أعمدة اسطوانية ومضلعة منقوشة بالكتابة والرسوم الملونة ، ترفع أفاريز مزخرفة بالورد والحيوانات والراقصات. وعلى الأرض المرصوفة بقطع كبيرة من الحجارة، تمتد سجادة حمراء من الباب حتى الدرجات المفضية الى العرش.

كان (مري ن بتح) يجلس على كرسي ذهبي ينتهي مسنداه برأسي ليثين رابضين، يلبس رداءه الأبيض ذا الطيات العديدة، يوشحه حزام مرصع بالذهب والجواهر ، يتدلى طرفه بين ساقيه. يقف خلفه حاملا مهفات الريش يروحان عنه حرارة الصيف، وإلى جانبيه حارسان عاريان إلا من غطاء الرأس المخطط والتنورة البيضاء البسيطة والنعال ، وكان كل منهما يحمل رمحا ودرعا.

يبدو القلق واضحا على الفرعون حتى يدخل وزيره يخب بردائه الطويل ليقف بين يديه، وقبل ان ينطق مري ن بتح بما يشغل باله، يقول الوزير لاهثا:

- سيدي. تقول الاخبار انهم تاهوا في الصحراء قرب البحيرات المرة.

ترف بسمة صغيرة على وجه الملك ويقول بصوت خفيض:

- هذا الموسى لا يخلف وعدا؟

- يبدو انه كذلك يا سيدي.

- طيب. مرهم ان يخرجوا ستمائة مركبة منتخبة مع محاربيها.

***

عند ظهر اليوم التالي ، وصلت القافلة الى مابين مجدل والبحر أمام بعل صفون. وبعد أن راح موسى جئية وذهابا أمام المكان، وضع يده فوق عينه وراقب الضفة الأخرى ثم أشار بالتوقف ونصب خيمة له اختفى داخلها مع بعض رجاله المقربين حتى حل الليل.

وتحت جنح الظلام دبت حركة طفيفة بين الخيمة والبحر، ثم خرج رجال يتأبطون شيئا، خلع قسم منهم ملابسه وقفز الى البحر يجر معه طرف شيء طويل يبدو لانهاية له.

وقف موسى ملتفعا ببردته يرقب ما يجري على الطرف الاخر من البحر. وبعد فترة بدت كأنها دهر، عاد رجاله معلنين انتهاء مهمتهم. وسرعان ماشرعوا يعالجون شيئا على الضفة القريبة من الخيمة.

همس هارون بإذن أخيه:

- الآن؟

- كلا. لم يحن الوقت بعد.

- ماذا ننتظر؟

التفت موسى وزجر أخاه:

- قلت لك إفهم هذه الحكمة الحربية: التوقيت نصف النصر.

نظر هارون الى أخيه بإعجاب ثم قال وهو يشير الى ضبابة بعيدة.

- بوادر عاصفة.

- بل أقسم ان هذا غبار المركبات المصرية.

دبت حركة عارمة، خائفة، مرتبكة في صفوف بني إسرائيل لكن هارون استطاع ان يبث فيهم السكينة بلسانه الذلق وروحه المتفائلة. ثم حثهم ان يكونوا على استعداد لعبور البحر عند انطلاق الاشارة.

اقترب جيش فرعون وسُمعت جعجعة العربات وسنابك الخيل وهي تقترب، تدك الأرض ثم تتوقف في مكان قريب.

استدعى (مري ن بتح) وزيره الى عربته وتشاور معه طويلا. كان الفرعون منفعلا. استطاع الوزير ان يلحظ ذلك إذ كان يحرك عصاه الإلهية بين يديه ويعبث بالقلائد التي تحيط رقبته حتى كاد يقطعها، وعزا الوزير هذا القلق الى جهل الفرعون بالسباحة. وأراد أن يؤكد له أنه سيكون الى جانبه طوال الوقت ، لكنه خجل في آخر لحظة وقال:

- أحس أن علينا أن ننتظر.

ومر الهزيع الأخير من الليل، وقبل أن ينبلج الصبح أحس الوزير بحركة غير عادية في معسكر العدو فأيقظ الفرعون من نومه بهزة خفيفة ، وأشار الى ما يجري في الجانب الآخر من التل.

اصطف بنو اسرائيل صفا طويلا، وبحذر شديد سار هارون أمامهم وموسى وراءهم يخفي أثرهم بعمود من الدخان والنار.

ظل الفرعون يرقب العمود الناري المتراقص بعينين مدهوشتين حتى خيل اليه أن العمود يتضاءل فيصير لهبة نار على الجانب الآخر من البحر.

استدار ونظر الى وجه وزيره مليا ثم اشار اليه أن يأمر الجيش بالحركة ، وفي اللحظة التي صعد المحاربون الى عرباتهم وهمز سائقوها الخيل ، تساقطت العجلات على الأرض محدثة أصواتا عالية وهي ترتطم بعضها ببعض.

ثم أن (مري ن بتح) أصر على جر المركبات المعطوبة خلف بني اسرائيل، وكان مما يزيد من صعوبة السير بهذا الشكل ، طبقات الرمل الكثيفة التي تغوص فيها الأقدام حتى اضطر المحاربون بعد فترة الى الهبوط من المركبات ودفعها حتى ساحل البحر.

وقف قوم موسى على تربة سيناء يراقبون بعيون لا تطرف، جيش الملك المصري يتقدم نحو الضفة الأخرى، ثم وهو يجر المركبات على الطريق الذي عبروا لتوهم عليه، وحين توسط المحاربون وخيلهم وعرباتهم الطريق ، انفصل موسى عن قومه وأشار برأسه لأخيه وسرعان ما انهمكا في عمل سريع على الضفة وقبل ان يدرك المصريون ماحدث، أحسوا بالجسر الذي ساروا عليه يهبط بهم.. يغوص.. وينطبق عليهم البحر.

هليلويا ..

ارتفعت هتافات العبرانيين تشق عنان السماء، وأعلن موسى بيانا سمعه كل شعب اسرائيل وأذاعوه بين قبائل البدو الذين جاءوا يستطلعون الخبر.

"دفع الرب المصريين في وسط البحر فرجع الماء وغطى مركبات وفرسان جميع جيش فرعون الذي دخل وراءهم في البحر، لم يبق منهم ولا واحد. وأما بنو اسرائيل فمشوا على اليابسة في وسط البحر والماء سور لهم عن يمينهم وعن يسارهم ، فخلص الرب في ذلك اليوم اسرائيل من يد المصريين ونظر اسرائيل المصريين امواتا على شاطىء البحر" (1)

انطرح المصريون على الرمال منهوكي القوى يقطر الماء منهم. كان بعضهم مايزال يحمل رمحه، ومن أطراف عيونهم المجهدة رأوا تاج (مري ن بتح) يلوح فوق الماء. ثم جسد الفرعون يسحبه الوزير الى الشاطىء ، ويرميه على الرمل.

سعل الملك وفتح عينيه، فرأى ساعده الأيمن يحدق في وجهه. هز رأسه وحاول ان ينهض فأعانه الوزير وأسنده الى صخرة. قال مري:

- ألم يشتط موسى هذه المرة؟

قال الوزير وأسبل جفنيه:

- ضرورة تاريخية يا سيدي.

اندكت الأرض قربهما. التفت الفرعون فزعا فرأى جنديين غير مسلحين يمسكان بآخر يرتجف، ويقطر الماء من تنورته الملتصقة بفخذيه الى الأرض.

- ضبطناه يقول نكتة.

قال الملك غاضبا:

- ولم ينتظر حتى ينشف؟ خذوه !

كان الفجر قد غزا الليل بلون قرمزي.

- ولضرورتك التاريخية يا عزيزي الوزير، اكتب عني هذا البلاغ ولينقله الى المدينة أسرع جندي:

- "حاق بكنعان كل سوء وسبيت عسقلان وقبض على قاجر. ينوعان أصبحت كأن لم تكن واسرائيل ابيد ولن يكون له بذر، وبلاد خارو كالأرملة لمصر، وكل البلاد مجتمعة في سلام" (2)

وقف الوزير حائرا مترددا ، ولما لحظ نفاد الصبر على  وجه الفرعون ، قال بخجل:

- سيدي.. أردت أن أقول: ألم يكن سيدي خصب الخيال في .. في .. هذا؟

وأشار الى البلاغ.

أجاب ملكه وهو يعقد مابين حاجبيه مفكرا:

- كلا.. تعرف إن أبي كان شديدا على البدو والآسيويين ، وقد انتصر عليهم انتصارات باهرة ، فصدقني لن يرضى شعبي بأقل من هذا. آه .. ياصديقي ، لو قدر لك أن تكون سليل آلهة ، لعرفت إن الحكم ليس نكتة.

***

"أرنم للرب فإنه قد تعظم"

اتحدت حناجرهم بترنيمة تمايلت أجسادهم عل وقعها وصفقت أكفهم بهزج واحد.

"هذا إلهي فأمجده"

"إنه أبي فأرفعه"

"ربي رجل الحرب"

رفع موسى ذراعيه مكشوفين الى السماء وقد اصطبغت بالنجيع، تخططه سحابة بيضاء خطوطا متوازية أفقية.

"ربي رجل الحرب"

في جانب من السماء، مازالت النجوم تلتمع فوق رقعة زرقاء داكنة.. نجوم مرصوفة لا حصر لها مثل ولايات الرب، وتمنى موسى وهو يملأ عينيه من السماء ان يكون جبل صهيون نجما يهديهم إليه.

"حتى يعبر شعبك يارب

حتى يعبر الشعب الذي اقتنيته،

تجىء بهم وتغرسهم في جبل ميراثك.

المكان الذي صنعته يارب لسكناك."

ارتفع صوت الفرعون عبر الشط قويا عميقا ملتاعا..

"ادع ياموسى لنا ربك يكشف عنا الغمة"

وكان بيرق الرب المرسوم على صفحة السماء يخيم فوق سيناء..

*

هوامش:

(1)  التوراة – خروج 14

(2) النص مترجم عن الهيروغليفية من لوحة (انتصارات مرنبتاح)

**

(كتبت في كانون أول/ديسمبر 1973) (جرت احداث هذه القصة في القرن الثالث عشر قبل الميلاد ولا صلة لها بالقرن العشرين)

الأكثر مشاهدة خلال 30 يوما