السبت، 16 يناير 2021

الجندي والصغير


بثينة الناصري

 

في وقت واحد وصل الارض البور عند مشارف القرية، جندي راجع لتوه من الحرب متأبطا بندقيته في طريقه الى  منزله، وطفل في السابعة من عمره انطلق هاربا من بيته ساحبا وراءه كلبا مشعثا مربوطا بقطعه حبل. لبد الولد و كلبه في الاثل الذي يبدأ حيث تنتهي الارض السبخة ولهذا لم يرهما الجندي وهو يرنو الى البيوت البعيدة التي كانت سطوحها وذرى اشجار النخيل المحيطه بها تسطع عند الافق بأشعه شمس شباط.  

ودّ لو مدّ ذراعه ليلمس الباب ويرتمي في حضن ظل السدرة التي تتوسط حوش البيت، لكن تورم قدميه الموجع داخل البسطال العسكري ذكره بالمسافه الهائله التي قطعها على قدميه حتى يصل اطراف القرية

من بين اغصان شجرة الدفلى اختلس الولد النظر الى الجندي الذي يقف يظلل حاجبيه بكفه وينظر باتجاه البيوت المتلاشية في الافق .احتوى الولد البندقية بعينيه والجندي يطوحها الى الارض قبل ان يتكوم متعبا الى جانبها وهو يسند ظهره الى تلة صغيرة من الصخر والتراب.... وبحركة  سريعة ضم الولد اصابعه ورفع سبابته وابهامه نحو الجندي وهمس وهو يقلد صوت مدفع رشاش"تي..تي.تي..تي"  

اراح الجندي رأسه الى التلة واخذ يتخيل لحظه طرقه باب البيت .. تفتح امه وتعقل المفاجأة و الفرحة لسانها فيحتضنها ويدور بها وهو يصرخ "انا رجعت يا امي" وربما تستطيع عندئذ ان تنطق "الحمد لله"... او يدق الباب فتفتح امه وتهتف باسمه غير مصدقة فيقول لها باستسلام"انا رجعت يا امي " كما كان يفعل حينما كان يافعا كلما ذهب الى الارض السبخة النائية ليلعب مع اصحابه فتؤنبه امه لدى عودته "ذهبت مره اخرى؟"  

فيقول"كنت العب.." فتنهره بحدة

" "قلت لك الا تذهب هناك

" "ولكن لماذا يا امي ؟ انها ارض مثل كل الارض

  "لا.. ليست مثل كل الارض.  فيها ثعابين وعقارب ويمكن ذئاب ايضا" 

وكان يعرف ان امه لا تقول الحقيقة و انما تقصد ان تخيفه من اللعب في الاماكن النائية بعيدا عن عينيها.. ويدخل الدار.. ينضو عنه ملابسه المتربة .. يتربع داخل الطشت حاملا في يده صابونة زيت الزيتون يدعك بها شعره عدة مرات.. فيما تصب امه الماء الساخن على راسه.

  "اتسلل بهدوء.. ازحف علي بطني " كان الولد خلف الاثل يحدث نفسه  "واصل اليه دون ان يشعر .. اسحب البندقية" وبحث حوله علي الارض حتى وجد عصا صغيرة فحملها بين كفيه "واصوبها هكذا الى الاعداء الذين يتقدمون نحوي .. عشرون واحدا..لا..ثلاثون..قفوا..اصرخ بهم ..لا يقفون.." وجه العصا نحو كلبه الذي افترش الارض نائما "اقف في وجوههم.. يضربوني .. اقع .. ثم انهض ثانية تي..تي..تي.." ويسقط الاعداء واحدا اثر اخر..

يصفر له رفاقه "هات الكرة وتعال معنا  الى الملعب" ويخطف الكرة ويجري وراء الرفاق يلحقه صوت امه "لا توسخ الدشداشة النظيفه بالتراب" . صديقه الذي كان يصر على ان يقف حارسا للمرمى، كان معه في خندق واحد وقد اصر على ان يقود شاحنة جنود ليلة الانسحاب وعندما اصابت الشاحنه قذيفة لاهبة لم يستطع احد ان يفصله عن المقود ..صار هو والمقود قطعة مصهورة واحدة.

"ز..ز..ز.."تزوم الطائرات فيما يقف الولد على سطح البيت "ارفع الرشاشة طك..طك واصيب طائرة.. تتفجر في الجو.. ويسقط الطيار العدو.. انتظره على السطح.. وهو يهبط.. استعد.

كان عليه ان يمشي .. ولا شيء  غير ذلك بعد ان دمرت المعابر والجسور.. وكان عليه ان يستنفد كل فطنته الفطرية لتفادي الوقوع في الاسر.. اخذ يتخفي نهارا ويسير حالما ينشر الظلام.. ظل يسير حتى تورمت قدماه وتشقق البسطال. "كم مشيت؟ لابد اني قطعت ارض الجنوب كلها" لا يدري كم من الليالي مضين لم يذق فيهن طعم النوم و الراحة.  

دعك الجندي ركبيته ثم مد ساقيه واغمض عينيه ولكنه .. كان يحس بقلق ما.. اخترق ضوء الشمس التي توشك على الغروب جفنيه المغمضين وظل يري نقطا حمراء وسوداء تتحرك بسرعة .. تقف برهة ثم تختفي خلف الستار المنسدل على عينيه ثم تظهر ثانية .. فجأه ادرك ما كان يقض راحته.. النهار لم ينته بعد..وهو جالس في منطقة مكشوفة جرداء، ماذا لو كان الاعداء قد تسللوا الى هنا ايضا؟ ان البيوت على البعد لا تنبيء بشئ . ماذا لو كانوا يختبئون - وتلفت حوله - هناك في الاثل يرصدون حركاته؟ وقد يكون هناك طيار منهم سقط بعيدا عن طائرته واختفى خلف الاثل متحينا فرصة ما .. التقط  بندقيته.  

 فوق سطح البيت اضع يدي  علي الزناد . وانتظره وهو يهبط .. عندما يصل الى مرمى البصر .. "طاخ ..طاخ " وبحركة عنيفة يلط الولد الكلب بالعصا فيطلق الكلب دمدمة خافته .. يسمعها الجندي  فيهب .. يستدير نحو الاثل .. ويضغط الزناد

  صرخة صغيرة عميقة .. اقتحمت الارض الفضاء وتردد رنينها طويلا.. صرخة لاصفة لها .. صوت انتزع من اعماق روح ما غير محددة. صرخة موت ..  تسمر الجندي في مكانه لحظات ثم سار نحو الاثل بتوجس.. فرّق اغصان الدفلى فرآه .. وجها شاحبا اذهلته المفاجاة وعينين تنطقان برعب اخرس،هبطت نظرات الجندي الى الارض تحت قدمي الولد فرأي الدم يغطيهما حيث يرتمي كلب مثقوب البطن. 

تنفس الجندي الصعداء،  لكنه لم يستطيع الا ان يغضب   

  "ماذا تفعل هنا؟"

قال الولد بصوت ضعيف:

" "كنت ألعب.. واجهش بالبكاء

قال الجندي بخشونة:  

  ""ولماذا تلعب هنا بعيدا عن البيت ؟

قال الولد بين شهقاته:

      " "اني العب هنا كل يوم ..معه

واشار الى الكلب الميت دون ان ينظر اليه

قال الجندي بصوت خيل اليه انه ليس صوته:

-       "ولكن الا تعرف ان في هذه الارض ثعابين وعقارب ويمكن ذئاب ايضا؟ هل هذا كلبك؟"

أومأ الولد برأسه وانكفا على ركبيته وهو ينشج. مد الجندي يده ولمس الولد الذي انكمش بعيدا. فأوقد الاحساس بالذنب غضبه مرة اخرى.  

  - احمد ربك لان الرصاصة اصابت الكلب ولم تكن انت

رفع الولد وجهه وصاح بتحد: "ولكني احبه اكثر من اي شئ اخر"

  - انها غلطتك. لماذا كنت تختبئ بين الاشجار؟

  - لم اكن اختبئ.. كنت العب

تامل الجندي وجه الطفل .. حك ذقنه الناتئة وقال بهدوء:

  - انهض واذهب الى بيتك.. ما فائدة ان تجلس هنا وتبكي مثل الاطفال؟

قال الولد باستسلام وهو يشير الى الكلب:  

 - لن اتركه وحده

  - وما معنى ان تاخذه معك ؟ لقد مات.. ألا تفهم ؟ اسمع.. عندي فكرة هل تريد ان تدفنه؟

تساءل الولد:

  -كما يفعلون مع الناس ؟

  اجل .. كما يفعلون مع الناس - 

وانهمك الجندي والولد في حفر قبر صغير قرب التلة .. كان رأساهما يتقاربان والايدي تتلامس وتبتعد وتصطدم ببعضها وهي تنبش التراب وتزيحه حتى اذا صار حجم القبر مناسبا قال الجندي :"هيا..هاته"

هز الولد رأسه قائلا:

 - لا استطيع

قال الجندي بسرعه:  

  - لا تستطيع حمله؟ اسحبه على الارض

ققال الولد  

  "لا..لا اريد ان ألمسه"

سال الجندي: "لماذا ؟ انه ميت لن يعضك !"  

اجاب الولد وهويهز رأسه بشدة: " لا اريد"

 - انت خائف؟

طأطأ الولد صامتا.  

قال الجندي :"الموت لا يخيف .. انه تحول من حالة الى حالة .. لقد رايت الكثير من اصحابي يموتون حولي في الحرب.  في لحظة يكلمك صاحبك وفي اللحظة الثانية يتفجر شظايا.. حتى لم يكن هناك وقت لدفنهم.. وعندما تعتاد على رؤية الموت كل ساعه وكل يوم وفي كل اشكاله وحالاته، يصبح شيئا عاديا ولكن بدلا من ان تحزن فانك ترى الامور يشكل اخر.. يمكن ان تقول لنفسك: لقد احياني الله ثانية لانه ما زال لدي الكثير لاعمله و اذا كان صاحبي قد افتداني فذلك لان الوطن يحتاجني ولابد ان انجز الان عمل شخصين او ثلاثة او اربعة.... بقدر الذين ماتوا من حولي . هل تفهم؟ هيا هات كلبك"  

كان الولد يستمع اليه مدهوشا وعندما فرغ من كلامه لم يحرك الولد ساكنا مما اغضب الجندي فصاح به :"لماذا لا تطيع؟ اليس هو كلبك؟ قال الولد باستعطاف "تعال  معي"

فذهب معه الى شجرة الدفلى حيث وقف الولد متسمرا امام كلبه دون ان يمد اليه اصبعا .

ثم امسك كف الجندي بيد وتسللت اليد الاخرى بخوف وتردد فلمست صدر الكلب.  

مسح عليه باصابعه التي مررها خلال شعره حتى طال رأس الكلب فربت عليه. انحنى الجندي على الكلب وحمله فيما سار الطفل وراءه حتى وصلا القبر الذي اسجي فيه الميت .. و اهال الاثنان عليه التراب . كان رأساهما يتقاربان والايادي تتلامس وتبتعد وتصطدم ببعضها وهي تردم القبر.   

نهض الجندي وتطلع الى الافق ثم حدق في وجه الصغير وقال:"آن وقت الرجوع"

وحمل بندقيته على كتفيه وامسك بكف الصغير الذي سرعان ما تحول الى اليد الاخرى البعيدة عن البندقية ..

سأله الجندي وهما يغذان الخطى باتجاه البيوت البعيده:"ماذا كنت تلعب؟"

- لعبة الحرب

 - نستطيع اذن ان نقول ايها الصغير  ان الرصاص اخطأنا هذه المرة.. واننا..انا و انت رجعنا من الحرب سالمين   

التقت عيونهما .. و ابتسما  

ابتدأت البيوت تقترب ولاحت تفاصيلها في دفق من اللون البرتقالي للشمس الغاربة في حضن سعف النخيل.. كان الولد يمشي بخطوات عسكريه ثابته و سريعة و الرجل يعرج محاولا اللحاق به حتى احتواهما شعاع الشمس وتداعت اولى نسيمات المساء بصوت الجندي يأتي من بعيد "هل امك في انتظارك؟"

**  
القصة منشورة في مجموعة (وطن آخر) 

الخميس، 14 يناير 2021

عازف الطبلة الصغير

كتب باء
قصة قصيرة

بثينة الناصري


حدق الطبيب بوجه الفتى الذي كان ينظر غير مبال الى الطاولة التي أمامه ، ويحرك اصابعه فوقها بنقرات صامتة     

لم يرد الفتى . كان مشغولا بالنظر الى أصابعه.

-      نبيل

أعاد الطبيب نداءه. قالت الأم:

-        هذا حاله. طول عمره لايستجيب لاسمه

سألها الطبيب عن سنه ، قالت "عشر سنوات"

مد الطبيب يده ولمس أصابع  الفتى، فجذب هذا يده بشدة دون ان يرفع بصره.

ضرب الطبيب بشدة على الطاولة . رفع نبيل عينيه الى يد الطبيب، ثم عاد الى انشغاله ناقرا  بأصابع صامتة.

تأمله الطبيب. ثم خاطب الأم:

-        يسمع لكنه لا يتكلم؟

-        نعم

-        ولا كلمة ماما أو بابا

-        أبدا.

أضافت بصوت حزين هامس:

-        لم اسمعها منه، ولا استطيع ان احتضنه، يتفلت مني بسرعة، لا استطيع لمسه. لا ينظر إلي ، لا يبتسم. اظن  انه لا يعرف الفرح ولا الحزن.

ظل الطبيب يتأمله بتمعن، ثم فجأة بدأ الطبيب ينقر على الطاولة بإيقاع منغم، دوم – دوم- تك . دوم – دوم – تك. دوم -تك – تك- دوم.

توقفت أصابع الفتى عن الحركة وتابع بعينيه ايقاعات الطبيب. ثم شيئا فشيئا حرك  اصابعه بنفس الايقاع حتى تناغم الصوتان وكأن الأصابع تحاور بعضها.

اعتدل الطبيب وقال للأم:

-        اشتري له طبلة يا سيدتي. سوف تعيد الموسيقى تواصله مع العالم.

وقفت الأم وهي تقول حائرة ومحبطة:

-        هذا كل ما هناك؟ لا دواء؟

-        هذا كل ما لديّ. طبلة.

خرجت الأم ووراءها يتقافز ابنها، وهي تلتفت اليه بين حين وآخر ، وحين وصلت تقاطع الطريق، حاولت امساك يده، لتعبر به  الشارع المزدحم بالسيارات، لكنه جذب يده بعنف. وقفت أمامه وقالت بغضب "تعال نعبر الشارع. هل تريد ان تموت؟ ماذا تريد؟"

وقف أمامها صلبا وهو ينظر الى الأرض ثم الى السماء متحاشيا النظر اليها، وفجأة سمعت صوتا يخرج من فمه:

-        ط..ط..ب..لة

ذهلت الأم ، وابتسمت ابتسامة واسعة، وتلفتت حولها لترى إذا كان الناس قد سمعوا مثلها:

-        نبيل ، انت تتكلم. ماذا قلت؟

-        ط..ب..لة

 * *

تتناثر خصلات شعره الأسود على جبهته وهو ينطوي على طبلته يقرعها بنقرات رتيبة. تأتي أمه كل يوم ، تجلس أمامه وتضرب على سطح مقعد خشبي  ضربات منغمة، فيرد عليها بنقراته الرتيبة، لكنه بدأ يرفع عينيه الى وجهها وهو ينتظر أن تنتهي من النقر ليرد عليها.

عندما يحين وقت الطعام، كانت الأم تضع الأطباق على مائدة الطعام في الغرفة المجاورة وتضرب على سطح المائدة .. دوم – دوم- تك وتنتظر، فيدخل الغرفة ليجلس في مكانه ، ثم ينظر اليها. تنقر مرة اخرى .. دوم – دوم – تك ويبدآن في تناول الطعام.

عند الانتهاء، يسرع الى غرفته ليختفي فيها ولا تسمع أمه في الساعات التالية سوى القرع العشوائي للطبلة.

ثم خطرت لها فكرة ، وما  أكثر الافكار التي تراودها حين تنهمك في غسل الاطباق وجليها في حوض المطبخ. تساءلت "لماذا لا نربط الكلمات بالنقر على الطبلة؟"

جففت يديها بسرعة ودخلت غرفته. جلست الى طاولة صغيرة أمامه ونقرت "دوم-دوم-ماما-تك-تك -نبيل" أعادتها أكثر من مرة . كرر الفتى النقرات بدون النطق بكلمة.

أعادت عليه "دوم-دوم- ماما" واشارت الى نفسها "تك تك نبيل" مشيرة اليه.

بعد عدة محاولات ، يئست من ان يستجيب لها باللفظ، تنهدت وتركته عائدة الى المطبخ. كان عليها ان تنتهي قبل المساء لتتفرغ لمحنة جر ابنها الى  الحمام للاستحمام الاسبوعي.

تأخذ بيدها ملابس نظيفة مطوية وتدخل غرفته وهي تقول بصوت منغم "حمام.. حمام"

في اول الامر لا يعيرها انتباها فتقرع على باب الغرفة ايقاعا معينا. يرفع نظره اليها لحظة ثم يعود الى استغراقه في ذاته. تتقدم منه محاولة انهاضه من  السرير، فيقاوم يديها ثم يقفز الى الارض ليهرول في ارجاء الغرفة ، فتلحق به وتمسكه بذراعين قويتين محاولة جره خارج الغرفة، واثناء ذلك تتساقط الملابس النظيفة بإهمال الى الأرض. يطلق صراخا مخنوقا محاولا انتزاع نفسه من قبضتها، يدير رأسه ويعض يدها بكل قوته.

تفلته وتخرج صارخة وتصفق الباب بعنف وراءها.

يمسك طبلته ويصرخ مهتاجا ويضربها بكل قسوة دوم – دوم ثم يصرخ "ماما" "دوم-دوم "ماما" وتزداد يده لطما لجلد الطبلة حتى ينشرخ ويحس بيده تهبط الى فراغ الجوف.

يهدأ ويتأمل الشرخ صامتا. ينقر على الجلد المقطوع، فلا يسمع له صوتا. يرمي الطبلة من يده بعنف الى السرير. يحدق بها قليلا ثم يزحف الى جانبها وتسقط دمعة تسيل الى هوة الجوف .

يفتح الفتى يده ويفرد اصابعه ثم يشير الى صدره بسبابته "ن..بـ..يـ..ل"

**

مرت أكثر من ساعة، وقد ران الصمت على البيت. سارت الأم بهدوء الى غرفته. نقرت على الباب. لم تسمع صوتا. واربت الباب قليلا. مدت رأسها.

كان منكبا على الطبلة يحتضنها وينود بجسمه معها بحركة رتيبة.

نقرت الأم على الباب النقرات المنغمة المعهودة. استمر الفتى ينود مع الطبلة. وقفت قريبة منه ترقبه وحين لم يشعر بوجودها منشغلا بما هو فيه، خرجت من الغرفة.

بدأ الليل يتسلل الى النوافذ بصمت حالك. قبل ان تخلد الى النوم، ذهبت اليه مرة أخرى. فتحت بابه وأطلت منه. كان وجهه يظهر من تحت الغطاء غائبا في النوم ، فاغرا فمه، والى جانبه رأس الطبلة المشروخ . خيل اليها انهما يصرخان صامتين.

**

تفزع الأم من نومها على صوت الباب الخارجي يفتح. تزيح الغطاء وتهرع الى الصالة فتجد الباب مفتوحا على مصراعيه وضوء الصباح يغشي البصر.

كان الفتى يركض محتضنا طبلته. تناولت الام شالا من  المشجب لفت به رأسها، وانتعلت حذاءها وانطلقت وراءه حتى اقتربت منه وهي تصيح:

-      نبيل !

لكنه لم يتوقف، بل استمر بالسير مسرعا وهي تحاول اللحاق به.

-      نبيل . انتظر . أين تذهب؟

وصلا التقاطع ولم يتوقف. حاذته وحاولت ان تمسك يده لعبور الشارع لكنه كان يلف ذراعيه حول الطبلة حتى انتهيا بسلامة الى الرصيف، فتنفست الصعداء وابطأ وجيب قلبها. سألته وهي تغذ الخطى خلفه:

-      أين تذهب يا نبيل؟

لم يلتفت  اليها. توقف عند السلم الذي يفضي الى عيادة الطبيب.

**

نظر الطبيب الى الطبلة الموضوعة على سرير الكشف، ورفع عينيه الى المرأة التي حاولت مداراة ابتسامتها المحرجة، ثم التقت عيناه بعيني نبيل.

-      ماهذا يا نبيل؟

جاهد الفتى ليخرج الكلمات :

-      ط-ب-ل-ة ، ط-ب-ل-ة ، ط-ب-ل-ة

وظل يردد الكلمة . قلبها الطبيب بيديه وسأل:

-      كيف تمزقت؟

ردد نبيل:

-      ط-ب-ل-ة

قالت الأم:

-      ضربها بشدة. كان غاضبا

قال الطبيب موجها الكلام للفتى ومشيرا الى نفسه:

-      أنا طبيب نبيل .. طبيب ماما. طبلة .. لا.

ثم التفت الى  الأم:

-      خذي الطبلة الى محل شرائها.

سألت الأم بقلق:

-      وهل يمكن إصلاحها؟

-      بسيطة . يمكن تغيير الجلد، أو  اشتري واحدة جديدة.

أشارت الأم الى  ابنها:

-      تعال نروح لطبيب الطبلة

أطاعها محتضنا طبلته. أوقفت سيارة أجرة.

في محل الالات الموسيقية ، قال البائع هو يشير الى الخرق:

-      أنا بائع ولست صانع هذه الالات. هناك مختصون بالتصليح. ولكن بدلا من التعب، اشتري واحدة جديدة.

وأشار الى رف عليه أنواع الطبل . التقط واحدة :

-      هذه شبيهة بطبلتكم لكن جلدها أقوى.

اختطف نبيل طبلته واحتضنها بشدة. ولم ينظر الى اي من الطبلات التي أنزلها البائع من الرف بألوانها المختلفة وزيناتها الجميلة. وكلما عرض البائع طبلة أخرى، ازداد الفتى تمسكا بطبلته المشروخة، ولما ازدحمت منضدة العرض بطبلات من كل الأحجام، بان الفزع على وجه الفتى واستدار يهرول متشبثا بطبلته باتجاه الباب، وأمه تحاول اللحاق به.

**

في ذلك النهار، تأخرت الأم في تحضير طعام الغداء، وحين  انتهت من إعداده كانت الشمس على وشك الغروب.

وضعت الأطباق على المائدة وضربت عليها مثل كل يوم "دوم-دوم- أكل" "دوم-دوم- نبيل".

رد عليها الصمت ، ولكن بعد عدة ضربات اخرى، انفتح باب غرفته فجأة وخرج الفتى وقد وضع فوهة الطبلة على فمه مثل بوق.

سمعت الأم صوتا يأتي عميقا كأنه ينبعث من غور سحيق:

"ماما.. نبيل.. أكل"

وضع الطبلة على كرسي الى جانبه، ونظر الى أمه وهي تبتسم في وجهه مذهولة.

زم شفتيه، ثم حركهما عدة حركات في كل الاتجاهات، ثم تمطت شفتاه بابتسامة عريضة.

**

كتبت في يناير 2021


الأربعاء، 6 يناير 2021

موتورسيكل

قصة قصيرة


بثينة الناصري

كنت أستقبل نسيم الليل البارد، بعيني، وأنفي، وشفتي المنفرجتين لهاثا من أثر مشيي الحثيث، حين جاء هذا الموتورسيكل.

منذ نصف ساعة، كنت أمشي بخطوات عسكرية، مفعمة بالحيوية، والقوة .. لم ألتفت يمينا أو يسارا. تجاوزتُ أجساما متلاحقة، متمهلة، مترددة، وأخرى متلاصقة على النواصي. كنت ألمح، في بعض العيون، حين أصطدم بها بشكل خاطف، لمعة سخرية، أو تعاطفا أو دهشة، وأحيانا تفلت جمل أسمع بداياتها، وتضيع نهاياتها، في الفضاء الذي أغادره خلفي، وأنا أغذّ السير إلى الأمام، حين جاء هذا الموتورسيكل.

كنت قد توقفت، قبل قليل،عند أحد المحلات المصطفة على جانب الشارع، وتلكأت، وأنا أشتري قطعة شيكولاتة كبيرة لطفلي الذي تركته في البيت وحيدا.

- لو جلستَ هادئا، ولم تفتح الباب لأحد، لأشتريت لك شيئا تحبه. ما الذي تحبه؟

- شيكولاتة

- لن أتأخر أكثر من نصف ساعة، وسيكون معي، عند رجوعي شيكولاتة كبيرة، ولكن عدني ألا تفتح الباب لأحد، حتى لو كنا نعرفه.

- حتى لو كان عمي؟

- حتى لو كان عمك.

أتذكر الآن وأنا أستعيد هذه المحادثة، على وقع خطواتي المتسارعة، قصة المعزى التي خرجت للسوق، بعد أن حذرت أولادها كثيرا من أن يفتحوا الباب لأحد، لئلا يحتال عليهم الذئب. وقد عصى الأولاد أمهم، وفتحوا الباب، وأوشك الذئب أن يأكلهم..تمضي القصة، ولا أذكر كيف انتهت. تراءى لي وجه طفلي، وشدة شبهه بوالده الذي لم يره أبدا: الشعر الأسود الكثيف، والأذنان، ودوران الوجه . . حتى عينيه. كنت أفكر في عينيه السوداوين الواسعتين . . حين جاء هذا الموتورسيكل.

أحتضن كيس الخبز الذي قطعت كل هذه المسافة لأحظى به، فهو خير مايصلح لشطائر الصباح. ألفها وأدسها في حقيبته، وهو يحملها على ظهره، وعند باب البيت أنتظر معه سيارة المدرسة، ولما تشرق الشمس بعد. تتهادى السيارة قادمة. تتوقف. . يهرع إليها أطفال الحي المنتظرون. أتريث حتى يصعد الجميع، فأتقدم بطفلي، أعينه على إعتلاء السلم ثم ألوح بيدي له، وللاطفال الآخرين، وأرجع إلى البيت بخطى قوية وأبدأ نهاري.

أبطأت في سيري، وأنا أهبط من الرصيف إلى الشارع، لأتفادى مجموعة من الصبيان يتعاركون بشراسة. تنهدتُ وأنا اطرد الوسواس الذي يراودني دائما من أن يعود إبني يوما من المدرسة، مزرقّ الوجه، ممزق القميص، مجروحا، أو فاقدا إحدى عينيه. كنت أفكر في عينيه السوداوين الواسعتين حين جاء هذا الموتورسيكل.

لفتّ عنقي إلى الأولاد الذين ازداد هياجهم، بعد أن سقط أحدهم على الارض، فتكالبوا عليه يضربونه، وأوشكت للحظة أن أعود لأنقذه، من بين أيديهم، لكن خشيتي أن أتأخر دفعتني إلى الإسراع في السير.

إقترب البيت . . بعد العطفة القادمة .

كنت لحظتها أفكر إذا كانت قطعة الجبن الموجودة في . .البيت . . تكفي . . لملء شطائر . . الغد . .

 حين . . جاء . .هذا . .

 **

نشرت في مجموعة (الطريق الى بغداد) القاهرة /بغداد 1998

 


الأكثر مشاهدة خلال 30 يوما