الجمعة، 16 مارس، 2012

أجندة حرب أفغانستان

 بقلم: ف. وليام انجداهل
ترجمة بثينة الناصري 

احد أهم نواحي اجندة اوباما الرئاسية المثيرة للاهتمام هي عدم او ندرة سؤاله في الاعلام او اي مكان اخر عن سبب التزام البنتاغون باحتلال افغانستان. هناك سببان اساسيان لم يكشفهما احد في العلن.

خلف كل الجدل الرسمي المخادع حول عدد القوات المطلوبة ل"كسب" الحرب في افغانستان، هل 30 الف أخرون عدد كاف ام لابد من وجود 200 الف ؟ ولكن الهدف الحقيقي من الوجود الأمريكي في ذلك البلد في وسط آسيا مخفي عن الرأي العام..حتى خلال الحملة الانتخابية الرئاسية في 2008 كان المرشح اوباما يجادل بأن الحرب يجب أن تشن في أفغانستان وليس العراق . السبب الذي قدمه ؟ لأن هناك القاعدة وهي التهديد الحقيقي للأمن القومي الأمريكي. ولكن اسباب التدخل الأمريكي في افغانستان شيء آخر تماما. الجيش الأمريكي في افغانستان موجود لسببين:
السبب الاول لاستعادة والاحتفاظ بأكبر تموين من الافيون في اسواق الهيروين في العالم ولاستخدام المخدرات كسلاح جيوبولتيكي ضد الاعداء وخصوصا روسيا. ان السيطرة على سوق المخدرات الأفغانية ضرورية لضمان السيولة لدى المافيا المالية المفلسة والفاسدة في وول ستريت. جيوبولتيكية الافيون الافغاني طبقا لتقرير رسمي من الامم المتحدة فإن انتاج الافيون في افغانستان قد ارتفع بشكل كبير منذ سقوط طالبان في 2001. وتبين الاحصائيات ان زراعة زهرة الافيون في كل من المواسم الاربعة الماضية (2004 الى 2007) تزيد بكثير عن اية سنة تحت حكم طالبان. وتخصص الان المزيد من الاراضي لزراعة الافيون في افغانستان اكثر من زراعة محاصيل الكوكا في امريكا اللاتينية . في 2007 كان 93% من الافيون الموجود في اسواق العالم يأتي من افغانستان. وهذه ليست صدفة.لقد اصبح معلوما وموثقا أن واشنطن انتقت بيدها حامد كارازاي وهو باشتوني من قبيلة بوبالزاي وكان في خدمة السي آي أي لمدة طويلة وجاءت به من المنفى في الولايات المتحدة وقامت بخلق اسطورة هوليوودية حول قيادته الشجاعة لشعبه . ان كارازاي هو "عراب" افيون افغانستان اليوم. وليس صدفة انه مايزال رجل واشنطن المفضل في كابول. ولكن رغم كل شراء وتزييف وترهيب الاصوات الانتخابية فإن ايامه كرئيس اصبحت معدودة .
السبب الثاني لبقاء الجيش الأمريكي في افغانستان حتى بعد أن نسي العالم من هو اسامة بن لادن وماهي منظمته الملفقة القاعدة او حتى اذا كان اي منهما موجودا، هو بناء قوة ضاربة امريكية دائمة مع سلسلة من القواعد الجوية في كل انحاء افغانستان. هدف هذه القواعد ليس للقضاء على القاعدة التي نجت من كهوف تورا بورا اوالقضاء على طالبان التي تتكون حسب شهادات شهود عيان من افغانيين عاديين يقاتلون للخلاص من جيوش احتلال كما فعلوا في الثمانينات ضد السوفيت..ان هدف القواعد العسكرية الامريكية هو استهداف وضرب الشعبين اللذين يمثلان اليوم التهديد الوحيد في العالم للامبريالية الامريكية الكونية ، وللهيمنة الامريكية الكاسحة كما يسميها البنتاغون. فقدان "تفويض السماء"مشكلة صفوة السلطة الامريكية حول وول ستريت وواشنطن هي حقيقة انهم الان في اكبر أزمة مالية في تاريخهم. والأزمة واضحة للعالم كله والعالم يتصرف على اساس البحث عن النجاة بأرواحهم. لقد فقدت الصفوة الامريكية ماكان يسمى في التاريخ الامبريالي الصيني "تفويض السماء" وذلك التفويض يمنح لحاكم او صفوة حاكمة بشرط أن يحكموا الناس بالعدل ولكن حين يحكمون بالطغيان والظلم والقمع فإنهم يفقدون تفويض السماء.وحتى لو كانت الصفوة الغنية والقوية جدا التي سيطرت على السياسة المالية والخارجية الامريكية طوال القرن الماضي تملك التفويض السماوي فقد فقدته . ان التطور الداخلي نحو خلق دولة بوليسية مع حرمان المواطنين من حقوقهم الدستورية واستخدام القوة المفرط من قبل مسؤولين لم ينتخبهم احد مثل وزيري الخزانة هنري بولسون والان تيم جاثنر ، اللذين سرقا ترليون دولار من دافعي الضرائب بدون موافقتهم من اجل انقاذ البنوك المفلسة كل هذا يوضح للعالم انهم فقدوا ذلك التفويض الالهي.في هذه الحالة ، تحاول الصفوة الحاكمة في الولايات المتحدة يائسة السيطرة على امبراطورية طفيلية كونية ، تسميها ماكنتهم الاعلامية "العولمة" . ومن اجل الاحتفاظ بالهيمنة تراهم مستعدين لتدمير اي تعاون في مجالات الاقتصاد والطاقة والعسكر بين القوتين البارزتين في اوراسيا واللتين يمكن ان تشكلا خطرا لمستقبل الهيمنة الاحادية الامريكية: هاتان القوتان هما الصين وروسيا.الصين لديها افضل اقتصاد في العالم وقوة عاملة شابة هائلة وطبقة متوسطة متعلمة . روسيا التي لم يستعيد اقتصادها عافيته من التدمير في نهاية الفترة السوفيتية والنهب الذي حدث خلال عهد يلتسن ، ولكنها مازالت تحتفظ بأرصدة ضرورية ، فإن قوتها النووية الضاربة وجيشها يشكلان التهديد ا لوحيد في العالم اليوم للهيمنة العسكرية الامريكية اضافة الى ان روسيا لديها اكبر احتياطي من الغاز الطبيعي والنفط الذي تحتاجه الصين. والقوتان يبرزان من خلال منظمة جديدة تم تشكيلها في 2001 تسمى منظمة تعاون شانغهاي وتضم اضافة الى الصين وروسيا اكبر دول في وسط آسيا وهي كازاخستان وقرغستان وطاجكستان واوزبكستان.إن سبب الحرب الامريكية الحقيقية تجاه طالبان والقاعدة هو في الحقيقة من اجل وضع قوة ضاربة عسكرية مباشرة في وسط الفضاء الجغرافي لهذه المنظمة الناهضة في وسط آسيا. إن ايران هي الهاء وصرف انظار. الهدف الحقيقي هو روسيا والصين. رسميا بطبيعة الحال تزعم واشنطن انها بنت وجودها العسكري داخل افغانستان منذ 2002 من اجل حماية الديمقراطية الافغانية (الهشة) . وهو سبب غريب باعتبار حقيقة الوجود الأمريكي هناك.بنى البنتاغون اول ثلاث قواعد له في القاعدة الجوية باغرام شمال كابول، وهي المركز اللوجستي العسكري الأمريكي الرئيسي ، وقاعدة قندهار الجوية في جنوب افغانستان وقاعدة شنداند الجوية في مقاطعة هيرات الغربية . وشنداند هي اكبر قاعدة امريكية في افغانستان وقد بنيت على بعد 100 كم من الحدود الايرانية وعلى مدى ضرب روسيا والصين.تاريخيا كانت افغانستان في قلب اللعبة البريطانية الروسية ، وهي الصراع من اجل السيطرة على وسط آسيا خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين . كانت ا لخطة البريطانية هي منع روسيا بكل الامكانيات من السيطرة على افغانستان ومن ثم تهديد جوهرة التاج البريطاني : الهند.والآن يعتبر مخططو البنتاغون افغانستان ذات اهمية ستراتيجية كبرى ، انها ميدان يمكن من خلاله للجيش الأمريكي تهديد روسيا والصين مباشرة، اضافة الى ايران ودول الشرق الاوسط الاخرى الغنية بالنفط. ولم يتغير اي شيء من الناحية الجيوبولتيكية بعد اكثر من قرن من الحروب.افغانستان موقع شديد الاهمية يشرف على جنوب آسيا ووسط آسيا والشرق الاوسط. وهي تقع ايضا على خط انبوب النفط المقترح من حقول نفط بحر قزوين الى المحيط الهندي، حيث شركة النفط الامريكية يونوكال مع انرون وهاليبرتون (شركة تشيني) كانت تتفاوض من اجل حقوق حصرية لخط انبوب يأتي بالغاز الطبيعي من تركمستان عبر افغانستان والباكستان الى محطة الغاز الطبيعي التابعة لشركة انرون في دبهول قرب مومباي. وكان كرزاي قبل ان يصبح الرئيس العميل، من جماعات الضغط في شركة يونوكال.
خطر القاعدة لا وجود له
ان حقيقة كل هذا الخداع حول الهدف الحقيقي من افغانستان يصبح واضحا حين ننظر نظرة فاحصة لوهم خطر "القاعدة" في افغانستان. وحسب الكاتب ايرك مارغولس، فإنه قبل هجمات 11 ايلول في 2011،
 كانت المخابرات الامريكية تزود طالبان والقاعدة بالمعونات والدعم. ويقول مارغولس بان "السي آي أي كانت تخطط لاستخدام قاعدة بن لادن لاثارة المسلين في الصين ضد الحكومة الصينية والطالبان ضد حلفاء روسيا في وسط آسيا"ومن الواضح ان امريكا قد وجدت وسائل اخرى لاثارة المسلمين في الصين ضد بكين في تموز الماضي من خلال دعم مؤتمر ويغور العالمي (ويغور هو اسم جماعة اثنية تتوزع بين الصين ودول وسط آسيا مثل كازاخستان وقيرغستان واوزبكستان وتركمستان وطاجسكتان وروسيا والباكستان يدينون بالاسلام السني والصوفي وتتمتع الجماعة في الصين بالحكم الذاتي في مقاطعة زينجيانك )ولكن يبقى "خطر" القاعدة هو ذريعة اوباما لاستدامة الحرب الافغانية.مؤخرا صرح مستشار الامن القومي للرئيس اوباما وهو الجنرال البحري السابق جيمس جونز تصريحا تم دفنه في وسائل الاعلام المؤيدة للحكومة حول الحجم المقدر لخطر القاعدة في افغانستان . قال جونز امام الكونغرس " ان وجود القاعهدة يتلاشى ., التقدير الاقصى هو اقل من 100 نفر يعملون في البلاد، وليس لديهم قواعد ولا قدرة لشن هجمات علينا او على حلفائنا"عمليا هذا يعني ان القاعدة غير موجودة في افغانستان .. حتى في الباكستان المجاورة بالكاد تجد بقايا القاعدة. وقد نشرت الوول ستريت جورنال مايلي "مطاردة من قبل طائرات امريكية بدون طيار ، وبالمشاكل المالية وصعوبة اغراء الشباب العرب بالذهاب الى جبال جرداء في الباكستان ، ترى القاعدة دورها ينكمش هناك وفي افغانستان حسب تقارير الاستخبارات وحسب المسؤولين الباكستانيين والامريكان. ويقول مسؤول امريكي كبير في جنوب اسيا " بالنسبة للشباب العرب وهم الشريحة التي تجندهم القاعدة ، فهم لا يجدون اية رومانسية في البرد والجوع والاختباء" واذا تتبعنا التصريح الى نتائجه المنطقية يجب أن نستنتج بأن السبب الذي يجعل الجنود الالمان يموتون الى جانب شباب الناتو الاخرين في جبال افغانستان لا علاقة له بكسب (الحرب ضد الارهاب ). ومعظم وسائل الاعلام تناسى وتتجاهل بشكل ملائم حقيقة وهي انه اذا كانت القاعدة موجودة حقا فهي كانت قد تأسست على ايدي السي آي أي في الثمانينات التي جندت الشباب المسلم المتطرف من كل انحاء العالم الاسلامي من اجل شن حرب ضد القوات الروسية في افغانستان كجزء من ستراتيجية بيل كيسي رئيس السي آي أي في عهد ريغان لخلق "فيتنام جديدة" للاتحاد السوفيتي تؤدي الى هزيمة مخزية للجيش الأحمر وبالتالي انهيار الاتحاد السوفيتي.أما الان فإن مستشار الامن القومي الامريكي جونز يعترف بأنه ليس هناك قاعدة في افغانستان. ربما حان الوقت لجدل اكثر صدقا يقوم به قادتنا السياسيون حول الهدف الحقيقي من ارسال المزيد من الشباب للموت وهم يحمون محاصيل الأفيون في افغانستان.
***
ف. وليام انجداهل - مؤلف عدة كتب سياسية منها (بذور الدمار: الاجندة الخفية للاستغلال الجيني ) و(قرن من الحروب: سياسات النفط الانجلو امريكية والنظام العالمي الجديد) وكتابه الأخير (هيمنة مطلقة: الديمقراطية الشمولية في النظام العالمي الجديد)
 المقالة الأصلية هنا
نشرت ترجمة المقالة لأول مرة في دورية العراق الأحد, 25 تشرين الأول 2009

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق