السبت، 16 يوليو، 2011

القاعدة في العراق وخطة الجنرال بترايوس !

بقلم: بثينة الناصري

لماذا لم نعد نسمع في العراق سوى اسم "القاعدة"؟ فكل من تعتقله قوات الاحتلال او تقتله لابد ان يكون من "القاعدة" . ولكن هذه هي الاسطورة التي علينا ان نصدقها .في الاسابيع القليلة الماضية ، خرج علينا الجيش الامريكي بخبر اعتقال "وزير الاعلام" في "دولة العراق الاسلامية " مع صورة واسم رباعي كامل لشخص حقيقي بدون كنية وبدون غموض. والرجل حلقة وصل بين تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين وبين اسامة بن لادن والظواهري. واكثر من هذا قيل لنا ان الدولة الاسلامية التي كانت رائدة افلام وعمليات الجهاد في العراق التي يتناقلها عشاق الاسلام والمقاومة على الانترنيت هي دولة وهمية افتراضية .

اي دولة لا توجد الا في خيال شخص ما يجلس الى جهاز الحاسوب ليكتب بياناته وان المدعو ابا عمر البغدادي أمير هذه الدولة هو بالتالي شخص افتراضي ايضا ، خارج لتوه من فيلم ماتركس . وفهمنا ان هذا الخيال العلمي هو واجهة "عراقية" لتغطية تنظيم القاعدة "الاجنبي" الذي يمارس الارهاب في العراق.

هذه القصة هي احدث مرحلة في مراحل تطور مسلسل "القاعدة" في العراق ، وقد سبقتها مراحل مختلفة حسب الحالة والظرف.

وتبدأ القصة منذ أسر الرئيس الراحل صدام حسين ، حيث كان الخطاب الامريكي يركز على ان (التمرد) على وجود الاحتلال في العراق هو من قبل (فلول وازلام النظام) و (السنة الذين فقدوا مصالحهم) ، وكان العالم قد ادرك ان اسلحة الدمار الشامل وهي الكذبة التي غزت بها امريكا العراق لا وجود لها ، وكان على الادارة الامريكية ان تختلق مبررا آخر لاطالة وجودها العسكري في العراق – على الاقل حتى تستولي على النفط وتبني القواعد – فتغير سبب الغزو الى (تحرير العراق) من الدكتاتورية .

وحسب مبررها هذا كان على جيش العدو ان يغادر البلاد بعد تخليصها من حاكمها المستبد .

ولكن ليس قبل تسليم السيادة ومساعدة العراقيين على بناء الديمقراطية ، الانتخابات ، الدستور ، الاستفتاء ، اقامة حكومة انتقالية ، مؤقتة ، دائمة .. كل ذلك تم في عشرة شهور .

بعد ان انتهى البناء الديمقراطي ، كان لابد من ايجاد مبرر طويل المدى – على الاقل حتى نهاية حكم بوش – وهنا ظهر الزرقاوي على مسرح العمليات .

فجأة اصبحت كل عمليات المقاومة بفعل الزرقاوي . دمرت المدن المجاهدة من الفلوجة الى القائم الى تلعفر الى كل المدن في طول العراق وعرضه والسبب كان البحث عن الزرقاوي الذي يبدو انه كان مثل سوبرمان وباتمان وسبايدرمان ، يزحف ويطير وينتقل بسرعة البرق بين مدينة واخرى وينزلق من بين ايدي القوات الامريكية ، ويتبخر قبل دقيقة من المداهمة . كل عبوة ناسفة في العراق و كل رصاصة قنص تخترق رأس حارس امريكي ، كل صواريخ تضرب ، بفعل رجل واحد اوحد هو الزرقاوي .

ولكن فجأة .. قرر الرجل في 2005 ان يترك الامريكان ويوجه جهاده نحو ابناء المذهب الشيعي وصارت خطاباته تحريضا على اقتتال العراقيين مع بعضهم البعض . كما قرر وان يوسع عملياته ليفجر فنادق في عمان ، ثم يقيم فروعا لتنظيمه باسم "جند الشام" لضرب المصالح السورية .

لماذا عمان وسوريا ؟ لأنهما بوابتا العراق وكانت امريكا تحاول غلق التعاطف فيهما نحو المقاومة العراقية ، وامكانية عبور مجاهدين عرب الى العراق. ولأن هذا مصداقا للخطاب الامريكي من ان "القاعدة" خطر على الجميع وليس على امريكا فقط وان العراق اصبح ملاذا ومعسكرا لتدريب "الارهابيين" . ثم ان ظهور الزرقاوي والخطاب الاعلامي الصارخ عن القاعدة والارهاب كان مواكبا لاعادة انتخاب بوش .

في هذه الاثناء اشتعلت اوار عمليات فرق الموت او ماتسمى عمليات "البيارق المزيفة" وذلك بقيام فرق خاصة بارتكاب مذابح بين الشيعة يتهم فيها السنة ومذابح بين السنة يتهم فيها الشيعة ، توجت بتفجير القبة الذهبية في سامراء في شباط 2006 وماتلى ذلك من اعمال عنف طائفية قامت بها جماعات حقيقية و مزيفة .

الان لدينا "اجنبي" هو الزرقاوي يقوم بكل تلك الافعال لقتل العراقيين ولابد من وجود الامريكان لحماية الشعب العراقي من هذا "العدو" الاممي القادم من وراء الحدود .

في هذه الفترة ورغم الجرائم التي ارتكبت بحق العراقيين من قتل على الهوية وذبح وتشريد ، ازدادت اعمال المقاومة ضد جيوش الاحتلال ، وتصاعدت تصريحات بعض قادة الجيش الاميركي من قلة اعداد "العرب" و"الاجانب" الذين يشاركون العراقيين في الجهاد فمن قال انهم يشكلون 5% او 10% . ومع تدهور شعبية بوش لكل هذه الاوضاع ، وعدم تحقيق اي تقدم يقدم مبررا للبقاء في العراق ، فقد حان الوقت للتخلص من الزرقاوي الذي لم ير العالم منه سوى صورتين في شبابه نشرتهما له السلطات الامريكية .

ولكن قبل ان يقتل كان لابد من ان يراه العالم في فيلم متحرك في صورته الاخيرة وللسخرية من قدرته العسكرية الخرقاء (وليست الخارقة) كما صور من قبل ، حيث ظهر وهو لا يعرف استخدام بندقية رشاشة
وكان الغرض هو قتل الاسطورة التي خلقتها امريكا وصارت حلما في عيون الانصار والمحبين والمريدين الذين يملأون المواقع العربية والاسلامية .

وبعد الغارة العجيبة في 8/6/2006 التي اختلف في تفاصيلها حتى شهود العيان ، اقيم مؤتمر صحفي وظهرت صورة الزرقاوي ميتا بعد اصابته بخدوش بسيطة من تفجير منزله بقنابل ذات زنة 500 رطل.ولكن هل انتهت اسطورة القاعدة ؟ كلا .. لأن امريكا مازالت في حاجة اليها . وهكذا اعلن الجيش الامريكي انه على يقين من ان القاعدة في بلاد الرافدين سوف تنتخب اميرا جديدا وانه على الارجح ابو ايوب المصري ويسمى ايضا ابو مهاجر المصري.

كيف علم البنتاغون بمن ترشحه القاعدة ؟ ولكننا سنعلم دائما ان الامريكان مكشوف عنهم الحجاب خاصة فيما يتعلق بنوايا "القاعدة" .

وبالتأكيد بعد خمسة ايام ظهر بيان القاعدة على شبكة الانترنيت ليعلن مرشح الامريكان ابو ايوب المصري.

وثار جدل اوله من مصر التي قالت ان المقصود هو معتقل في السجون المصرية وشكك آخرون بالاسم . وعلى اية حال لم نر من المصري سوى صورة وحيدة نشرها الامريكان ايضا . ولم تمض شهور قليلة حتى قرر جيش الاحتلال ان يضعوا وجها عراقيا على الاسطورة كلها . وهكذا في 12/10/2006 أعلن في الرمادي عن تأسيس دولة العراق الاسلامية بزعامة اميرها ابو عمر البغدادي . وكان الجدل الدائر في الاشهر التي سبقتها هو تحقيق الفدرالية وكان رئيس ائتلاف العملاء وابنه يجوبان الوسط والجنوب لاقناع الشعب الصابر بأن الفدرالية هي التي سوف تضمن سلامة (الاغلبية) واعلاء شأن المذهب .

وفي الوقت الذي كان تقسيم العراق خطا أحمر لكل المقاومين الوطنيين ، فجأة تنبثق هذه الامارة الاسلامية التي يفترض ان تضم كل المحافظات التي يسميها الاحتلال "المثلث السني " وتعلن اهدافها وهي ضمان حقوق السنة الذين يجري تهميشهم ، وتطبيق الشريعة الاسلامية ونشر الاسلام في العالم وتطهيره من المشركين " . وهي اهداف كما ترون تتماشى مع خطاب بوش الذي يقول ان القتال في العراق ليس بين محتلين ومقاومين وانما بين "سنة يسعون وراء مصالحهم وهم يريدون فرض ايديولوجيتهم على العالم بالقوة وبالارهاب".

بعد اعلان الدولة انضم ابو ايوب المصري اليها مع 12 الف مقاتل !! هل هناك في العراق هذا العدد من المقاتلين العرب ؟

وبالتأكيد كان رد فعل بوش مناسبا ففي 11/10/2006 (قبل ان تعلن الدولة رسميا ) قال في خطاب له "ان وجود امريكا في العراق هو لمنع اقامة دولة الخلافة التي ستهدد مصالح الغرب وتهدد أمريكا في عقر دارها " ومصداقا لقوله اعلن ابو عمر البغدادي (امير الدولة) في شباط/فبراير 2007 "ان الجهاد لن يتوقف حتى نجلس تحت اشجار الزيتون عقب تدمير المنزل الشرير المعروف باسم البيت الابيض"

فهل هذا هو فعلا احد اهداف المقاومة في العراق ؟

ولكن ماذا لدينا الان ؟ نحن امام "عدو" لأمريكا والعالم يحمل في نياته "الشريرة" كل ما يخيف الغرب ، ويحتاج الى قتال طويل الامد ، وهذا مبرر رائع ومعقول وشرعي ولاغبار عليه ومقبول من جميع الحلفاء لاطالة تواجد القوات الامريكية على ارض العراق .

ولمن يقول لأمريكا انت التي اتيت بالقاعدة الى العراق وانت التي فتحت الابواب للاجانب ، ولماذا لا تغادرين العراق وتحاربين هؤلاء خارجه ؟ سيكون الجواب : ولكن هؤلاء عراقيين وليسوا اجانب بدليل اسم المنظمة (دولة العراق الاسلامية) ورئيسها ابو عمر البغدادي ( هل هناك اكثر من ذلك ؟) ، وبدليل ان الذين ارسلوا لتفجير عمان كانوا عراقيين وكذلك في احدث اشاعة تفجيرات في لندن بطلها طبيب عراقي . إن "الارهاب "العراقي يهدد العالم .

في آخر يوم من عام 2006 ، وفي توقيت غير مناسب وتسرع غير مفهوم جرى اغتيال الرئيس الشهيد صدام حسين بحكم من محكمة الاحتلال .

ويمكن ان نتصور كل الاسباب التي قيلت لهذا التوقيت وربما كلها صحيحة ، ولكني انطلق من تصوري ، ان امريكا هي اللاعب الاساسي ، ولم يكن انهاء حياة رجل بحجم صدام حسين سيمر دون موافقة امريكية ودون توقيت يخدم السياسة الامريكية بالاساس .

في 7/11/2006 فاز الحزب الديمقراطي في الانتخابات النصفية على الحزب الجمهوري فوزا ساحقا ، وكان الحزب الديمقراطي قد اكتسب كل هذه الاصوات لتعهده بسحب الجنود من العراق . كانت شعبية بوش وحزبه قد وصلت الى الحضيض الذي توجته هذه الهزيمة النكراء .

في 15/12/2006 اصدر ديفد بترايوس بالتعاون مع الجنرال جيمس اموس "دليل مكافحة التمرد" وهو اول دليل يغير العقيدة الامريكية في القتال ، فالحرب التي تخوضها امريكا في العراق بفشل ذريع هي حرب لم يدرب عليها الجنود الامريكان المستعدون لمجابهة جيوش نظامية ، وتجرى غالبا من الجو حيث تؤكد امريكا تفوقها العسكري والتقني . ولكن مايحدث الان في العراق ان الجنود يخوضون حرب شوارع في بلاد لا يعرفونها ولايتكلمون لغتها ولا يستطيعون التمييز بين "الطيب" و"الشرير" حسب تصنيفهم للبشر. اعتمد الدليل في كثير من اجزائه على دليل آخر كان قد كتبه ضابط فرنسي هو ديفد غالولا عام
1964 بعنوان "حرب مكافحة التمرد: النظرية والتطبيق" وكان يعتبر انجيل هذا التوجه رغم ان امريكا لم تأخذ به في حربها على فيتنام .

بترايوس في نظريته حول انجح الطرق لمحاربة "التمرد" كما سنرى فيما بعد، كان يتفق مع بوش والجمهوريين في أمرين :

1- مزيد من الوقت قد يصل الى عشر سنوات
2- مزيد من القوات وليس خفضها او سحبها .

استطيع ان اتكهن ان حديثا جرى بين بترايوس وبوش بعد اصدار هذا الدليل ، اقنع بوش بأن بترايوس هو جورج مارشال العراق ونتذكر ان مارشال كان "مهندس النصر " في الحرب العالمية الثانية كما سماه ونستون تشرتشل. اذن رأى بوش ان بترايوس هو خير من ينفذ مايسميه "الاستراتيجية الجديدة في العراق" اي زيادة القوات لفرض القانون في بغداد والانبار بمعنى القضاء على "القاعدة" التي جعلت الانبار ملاذا لها (انا اتحدث بنفس منطق بوش) وبغداد حيث تصول وتجول فيها الميلشيات الطائفية ..

كل هذا قبل التسرع باعدام الشهيد صدام حسين . كان هناك اشبه بحرب طائفية يغذيها الاعلام الغربي والعربي ، وكان النفوذ الايراني عن طريق العملاء في الحكومة والميليشيات قد وصل الى النخاع .

وكانت التهديدات بضربة امريكية لايران تطفو على السطح . وكانت هناك الحاجة لتكتل اقليمي سني "معتدل" اي الخليج ومصر والاردن ضد شيعي "متطرف" اي سوريا وايران .

وكان هناك جنرال امريكي لديه وصفة جاهزة للنصر .
   
وهكذا ظهرت صور اغتيال الرئيس صدام حسين على الشكل الذي رأيناه. زمرة طائفية محددة تنتهك حرمة الموت ، واختيار توقيت سيشعر المسلمين "السنة" في الاقليم والعالم بأنه عدوان صارخ على قيمهم الدينية . وبهذا يضعهم في مواجهة مبررة مع المسلمين "الشيعة" . اضافة الى تقديم طعنة واحباط للقوميين والمقاومين الوطنيين الذين يرون في صدام حسين الرمز الوطني للعراق العربي القوي الموحد والمتطور . وبهذا تمهد الارضية للسنة القادمة 2007 التي سيجرب فيها الجنرال بترايوس وصفته السحرية . عام 2007 هو عام الحسم. وبالفعل بدأت المطاردة العلنية والمفتوحة لجيش المهدي والذي بدا وكأنه كان جزءا من عملية اغتيال الرئيس مباشرة بعدها .

وقبل مرور شهر على اغتيال الرئيس وفي 26/1/2007 عين بترايوس قائدا للقوات متعددة الجنسية في العراق، وفي 10/2/2007 تسلم القيادة الفعلية.

ولكن ماهي وصفة بترايوس للقضاء على المقاومة في العراق وكذلك على النفوذ الايراني الذي تمثله المليشيات المرتبطة بالعملية السياسية التي يديرها الاحتلال ؟

دعونا نتعرف على اهم مقادير تلك الطبخة من كتابه "دليل مكافحة التمرد" علما انه يرى ان المقاومة هي ضد حكومة شرعية وان القوات الامريكية موجودة في البلاد لمساعدة تلك الحكومة على فرض القانون . هذه افتراضية الدليل لأنه لا يقتصر على العراق او افغانستان ولكنه اساس نظري وتطبيقي لكل (التدخلات) الامريكية في العالم. فأمريكا هنا ليست محتلة وانما "صديقة" ، ولهذا لن نرى اي اشارة الى "احتلال" الذي يعطي شرعية – حسب القوانين الدولية - للمقاومة ضده .

1- جوهر مكافحة التمرد هو تأكيد شرعية الحكومة واسقاط الشرعية عن المتمردين . وفرض القانون معيار مهم لشرعية الحكومة.
2- اصلاح اسباب الشكوى والتظلم التي تجعل الناس ينخرطون في التمرد ضد الحكومة .
3- شق صفوف الفصائل المتمردة بعرض العفو او صفقات كريمة على فصيل دون آخر وافتعال الصراع بينها او استغلال الخلافات العقائدية .
4- اظهار المتمردين كمجرمين يعملون ضد الشعب من اجل تجفيف الدعم الشعبي لهم. او كأصحاب عقائد غريبة لا يألفها الشعب وتجافي عاداته وتقاليده (اقرأ ظهور دولة العراق الاسلامية في هذه الاتجاه) والخطابات على لسان الزرقاوي وخلفائه حول قتال (الروافض).
5- اختراق التنظيمات المتمردة بالمخبرين (والافضل ان يكونوا اعضاء من داخل التنظيات ذاتها ) وبخلق فصائل موازية تعمل على تشويه اهداف التمرد وينص الدليل على القيام باعمال تنتهك الاعراف باسم المقاومة .
6- تأكيد التزام امريكا بالمساعدة لفترة طويلة لأن الحكومة (العميلة) والشعب يعتقدان ان امريكا لن تطيق الخسائر في المال والارواح وان الشعب الامريكي لايصبر طويلا.
7- الحفاظ على تأييد الشعب الامريكي لانتشار قواته لفترة طويلة.
8- على المستوى الاعلامي : تغذية الصحف والاعلام باخبار الانجازات على الا تعرف الجماهير ان هذه اخبارا مزروعة لئلا تقضي على مصداقية مكافحة التمرد. واختيار الكلمات بعناية مثل الابتعاد عن كلمة احتلال و"ميدان معركة" على اساس ان القوة الاجنبية في البلاد هي قوة صديقة لمساعدة الحكومة والشعب. مع التركيز على نشر اخبار "الارهابيين" و"العنف". ضرورة التصرف بسرعة تجاه دعايات التمرد والرد عليها وعكس تأثيرها بتطوير رسائل مضادة لمهاجمة افكار التمرد .

هذه النقاط الثمانية تفسر اشياء كثيرة ، مثلا النقطة السادسة تفسر لماذا يؤكد بوش – رغم المعارضة الشعبية الامريكية له – انه سائر على النهج ولن يغيره وانه يؤيد الحكومة ويحادث المالكي بين حين وآخر ليقول له انه يدعمه ويسنده . والنقطة السابعة تفسر لماذا التركيز الامريكي على ان المقاومة في العراق هي "القاعدة" التي تريد الحاق الاذى بالعراقيين لأنها ضد تجربة الديمقراطية بل انها تريد ان تنشر ايديولوجيتها حتى اعتاب البيت الابيض. والنقطتان الرابعة والثامنة تفسران اشياء كثيرة مثل زعم بعض المتقمصين ثياب الجهاد والذين ظهروا على شاشة التلفزيون الحكومي ليعترفوا بانهم كانوا يمارسون اللواط او الاغتصابات داخل الجوامع .

والنقاط الاخرى تفسر كل ما يجري . قتل الابرياء والمدنيين واسراع الشرطة العميلة الى القول – حتى قبل ان يجري اي تحقيق- ان السبب هو "انتحاري "، ثم يتضح شيئا آخر . لأن "الانتحاريين" حسب المفهوم الرائج يتبعون القاعدة. وهذه الجرائم كانت تزيد من حيرة البعض : لماذا تستهدف المقاومة الحاضن الشعبي لها ؟ هل هذا معقول ؟

طبعا غير معقول !

والفقرة الاولى تفسر لنا لماذا سميت العمليات في بغداد باسم "فرض القانون" . انها مستقاة مباشرة من دليل بترايوس . والفقرة الثالثة تفسر لماذا تتصاعد على الانترنيت بيانات الشجب والتنديد بين فصائل المقاومة ، وهي في معظمها فصائل مختلقة وهمية لا وجود لها الا على الانترنيت ولكن معاركها فيما بينها ، تدفع المؤيدين للمقاومة للحيرة والشك . وهذا مطلوب لنزع الشرعية من المقاومة وتشويه اهدافها بحيث تبدو وكأنها زمر تتصارع من اجل الحكم والسلطة . وايضا نفس الفقرة تفسر اقامة مايسمى "مجلس انقاذ العشائر" في الانبار وغيرها لشق صف العشائر .

يرجى ملاحظة ان "مجلس انقاذ الانبار" يحقق ايضا انتصارات اعلامية وعلى الورق اكثر من الواقع . هذا الخبر مثلا من صحيفة الحياة في 17/10/2006
"شكل «مجلس الانقاذ» المنبثق عن مؤتمر «صحوة الانبار» لزعماء عشائر المحافظة، ثلاثة افواج طوارئ من ابنائهم بالاتفاق مع وزير الداخلية جواد البولاني الذي تكفلت وزارته بتجهيزهم وامدادهم بالمال والسلاح «لاستكمال عملية تحرير المحافظة من الجماعات المسلحة التي تحكم سيطرتها على اجزاء واسعة من مدينة الرمادي». واكد ان مقاتلي «مجلس انقاذ الانبار قضوا على 75 في المئة من تنظيمات «القاعدة» في المحافظة وانهم يحكمون سيطرتهم حالياً على مناطق غرب الرمادي.

ولكن في يوم 18/10/2006 كان هذا الخبر :" اكد شهود عيان نزول مسلحين يستعرضون القوة في شوارع الرمادي للاعلان عن الامارة الاسلامية التي ستضم المحافظات (السنية) وهم يقولون "نحن من مجلس شورى المجاهدين واميرنا هو ابوعمر البغدادي وسنطبق الشريعة الاسلامية هنا ونقاتل الامريكان بسبب تهميشنا من قبل الحكومة الشيعية"

ياله من سبب لقتال الامريكان !!

وهذا يدل على ان الاثنين "مجلس العشائر" و"الدولة الاسلامية " لا وجود فعلي لهما الا على الانترنيت. أما مجلس العشائر فهو تجمع "مخبرين " يعملون مع الاحتلال ويقبضون مكافآت ولكن لايقومون بأعمال عسكرية فعلية ، والهدف الاعلامي من وجودهم – الى جانب التجسس – هو شق صف العشائر العراقية لئلا تتوحد ضد الاحتلال . وكان العدو قد شق قبل ذلك صف العراقيين (بتمييزهم بطوائفهم وعرقياتهم) ثم شق صف المسلمين في العراق (بين سنة وشيعة) ، ثم شق صف الشيعة (بين موالين لايران وموالين لعروبتهم) وشق صف السنة (بين قاعديين ومعتدلين) ، وحين أعاد المحتل العراق الى ماقبل الدولة الحديثة ، وصار المواطن يحتمي بعشيرته ، حان الوقت لشق صف العشائر ايضا . الغرض الا يبقى صف واحد متحد في مواجهة الاحتلال الذي وصل به الحال الان الى تعيين شيوخ العشائر بنفسه .

نعود الى بترايوس والعام 2007 . في نيسان من هذا العام ذهب الجنرال الى واشنطن لعرض تقريره الدوري على بوش والكونغرس ، وكان الخطاب الذي عرض على الكونغرس هو ان خطة بوش الجديدة بدأت تؤتي ثمارها ، فالشعب (متمثلا بالعشائر) يقف مع الجيش الامريكي في مواجهة التمرد "متمثلا بالقاعدة"، وكذلك تقف الفصائل المتمردة "السنية " مع الامريكان في مواجهة النفوذ الايراني "متمثلا بالميليشيات " .

ونعرف حيثيات هروب مقتدى الصدر واختفائه في ايران كما قيل ، وكذلك صمت ميليشياته ، والضربات التي نفذتها القوات الامريكية على معاقل جيش المهدي ، مما ادى الى انخفاض اعداد القتل على الهوية . سواء كان من يقوم بها هذه الميليشيا او فرق موت تعمل لصالح الامريكان .

كانت الامور تبدو وردية وطالب بترايوس بمزيد من الوقت وعدم اصرار الكونغرس على حكاية ربط تمويل القوات بتحديد جدول زمني . وهذا ماكان ووافق الكونغرس في آيار 2007 على تمويل الجيش الامريكي في العراق بدون اشتراط توقيت انسحابه مما اعتبر نصرا لبوش على يد بترايوس . ووعد الجنرال الكونغرس بتقديم تقريره التالي في ايلول /سبتمبر 2007 والذي سيكون فاصلا في تقرير نجاح الخطة الجديدة.

بعد عودته قررت الداخلية العراقية قتل "ابو عمر البغدادي " وابو ايوب المصري" فأعلنت عن قتلهما واظهرت جثثا، ولكن الجيش الامريكي كذبها ، مما اضطر الداخلية الى التراجع . والوقائع تثير السخرية في التخبط واللاتنسيق الذي جرى :

في شهر آيار 2007 اعلنت الداخلية موت المصري .

كالدويل الناطق باسم العدو الامريكي : جثة ابو ايوب المصري ليست معنا ولا اعرف احدا يمتلكها .

اعلنت الداخلية : موت ابي عمر البغدادي وعرضت صورة لجثته :

كالدويل : ابو عمر على افتراض انه موجود ليس لدينا معلومات حوله!

عبد الكريم خلف الناطق باسم الداخلية : البغدادي اسمه محارب عبد لاله الجبوري وجرح في معركة بديالى وهرب ثم مات متأثرا بجراحه وجثته مع الشرطة.

الادميرال مارك فوكس الناطق باسم متعددة الجنسيات :"في هذه المرحلة لم أر أي تقارير تقول إن لدينا أي جثث أو أننا اعتقلنا.. أو أي مشاركة مباشرة لنا في هذا الامر."

عبد الستار ابو ريشة رئيس (مجلس انقاذ الانبار) مصرع المصري في مواجهات مع العشائر.

الناطق باسم الجيش العراقي : التباس واقعة اعتقال ابو عمر البغدادي . قيادي آخر اعتقل - الاستجوابات والتحقيقات مازالت جارية"

وللعلم الجيش العميل هو تحت امرة الامريكان مباشرة ودائما يتفق معهم في اقوالهم عكس الشرطة التي تتبع داخلية ايران .

وكذلك تؤيد بيانات القاعدة على الانترنيت دعاوى الامريكان وتصادق عليها ، وهكذا صدر بيان من دولة العراق الاسلامية يقول: المصري مازال حيا يقاتل اعداء الله . وكذلك صدر بيان يبشر بنجاة ابي عمر البغدادي من اي سوء .

قبل ذلك ، نذكر ان الزرقاوي كان قد مات عدة مرات على يد الشرطة العراقية ولكن كانت القوات الامريكية تؤيدها بيانات "القاعدة" تحييه مرة اخرى وتكذب موته حتى تقرر في الموعد والتوقيت المضبوط امريكيا اخراجه من مسرح الاحداث .

لماذا هذا الاختلاف بين الاحتلال وحكومته الصنيعة ؟

يكمن السبب في ان الخطاب ليس موحدا . فخطاب كل منهما موجه الى الداخل كلا في بلده . الامريكان يريدون ابلاغ الشعب الامريكي - من اجل الحفاظ على دعم طويل الامد للحروب خارج الولايات المتحدة - ان جيشهم يحارب القاعدة في العراق بدلا من ان يحاربها على ارضه .

وعملاء الاحتلال في المنطقة الخضراء يشيرون في خطابهم الطائفي بامتياز ان اعداءهم هم "التكفيريون والصداميون والبعثيون" وهم لايشيرون الى القاعدة بالاسم ابدا وانما يسمونهم "تكفيريين" للايحاء لاصحاب المذهب "الشيعي" في الداخل ان هؤلاء يكفرونهم في مذهبهم، وان الحرب هي في الاساس ضد المذهب وليست بين احتلال وعملاء ومقاومة  وقد اختزلت التسمية الثلاثية الان الى "التكفيريين" فقط لتشمل جميع انواع المقاومين لترسيخ فكرة ان المقاومة "سنية" موجهة ضد "الجماهير الشيعية ". ولا ينفع هذا الخطاب القول ان "التكفيريين" هم من القادمين من الخارج فقط ، كما يوحي لفظ "القاعدة"، وانما يجب ان يشمل "الصداميين والبعثيين" الذين يعتبرهم هؤلاء اشد اعدائهم .

ولهذا اعتقد ان الحكومة العميلة كانت تواقة دائما الى اختفاء "التكفيريين الاجانب" واحلال "التكفيريين العراقيين" محلهم . ثم انها في توقها الى تحقيق انتصارات وهمية امام الشعب ، فلابد ان يقتل بين حين وآخر قائد هذه المجموعة او تلك . اضافة الى ان وجود امريكا يشكل تهديدا لايران وهي الظهير الاساسي للعملاء في المنطقة الخضراء ولهذا كان من الضروري احيانا اشاعة وفاة زعماء "القاعدة" التي ترتكز امريكا في وجودها في العراق على محاربتهم حتى تستطيع تحقيق كل اهدافها في مد بقاء قواتها في العراق .

ومع هذا يجمع الخطابان كلمة واحدة تستخدم بافراط وهي "ارهاب – ارهابي" وهي بديل عن التكفيريين او القاعدة .

اذن بعد قرار الكونغرس في آيار 2007 تمويل القوات دون اشتراط توقيت انسحابهم ، كان امام بترايوس اربعة شهور حتى ايلول موعد تقديم التقرير الحاسم .
      
كان عليه العمل في كل الاتجاهات في العراق وحسب دليل مكافحة التمرد .

1- القيام بعمليات فرض القانون في بغداد وديالى والانبار
2- زيادة اشتراك جواسيس العشائر في مختلف المناطق من اجل الايحاء بان الشعب العراقي يعمل ضد ارهاب القاعدة
3- ملاحقة الميلشيات وضرب مقارها
4- تحسين صورة الجيش الامريكي واضفاء الانسانية على تصرفاته : مثلا اكتشاف مأساة دار الحنان وسجون سرية للحكومة، وحسن التصرف حين التفتيش والمداهمات، ومؤخرا اكتشاف رضيعة على اكوام الزبالة وقد قتل كل افراد عائلتها ، فاحتضنها الجيش الامريكي الرحيم حتى يتم وضعها في الميتم. كل ذلك لايصال الشعب العراقي الى قناعة ان الامريكان ارحم من بني جلدتهم .
5- الاصرار على سن قوانين اقتصادية وسياسية لازالة اسباب الشكوى لدى الشعب لئلا ينخرط في المقاومة مثل قانون النفط (ظاهره رحمة وباطنه عذاب) وقانون المساءلة والعدالة (اعادة النظر في اجتثاث البعث) وقانون خاص بانتخابات الاقاليم واعادة النظر في الدستور والافراج عن بعض المعتقلين الخ .
6- التركيز على ان تسليح "القاعدة" يأتي من ايران ، لايجاد مبرر مستقبلي لضرب ايران او للضغط عليها لكف يدها عن دعم الميلشيات. فجأة اصبح كل تسليح المقاومة من ايران ! في نفس الوقت الذي ينفرون الشعب منها .

فجأة في خضم ذلك يعلن الجيش الامريكي عن اعتقال عراقي اسمه (خالد المشهداني) ونشرت صورته واعترافه بانه حلقة وصل بين اسامة بن لادن والظواهري والقاعدة في العراق وان "دولة العراق الاسلامية " و"ابو عمر البغدادي" اسمان وهميان لا وجود لهما الا على الانترنيت للتغطية على "القاعدة" الاجنبية الموجودة في العراق.

اعتقد ان الغاية من هذا الاعلان ضرب عصفورين بحجر . اولا - رفع القناع العراقي عن "القاعدة الاجنبية" . وثانيا - اسقاط مصداقية مواقع المقاومة على الانترنيت التي تداولت كل البيانات والافلام والصور والاخبار التي كانت تنشرها "دولة العراق الاسلامية" عبر مؤسستي "الفرقان " و"مركز الفجر للاعلام" . بل و صل الحال الى ان اخبار هذه الدولة الافتراضية كانت تكاد تكون الاخبار الوحيدة التي تستقي منها مواقع المقاومة حصاد العمليات الجهادية .

صدر بيان وحيد من "دولة العراق الاسلامية" بعد اربعة ايام من بيان الجيش الامريكي يكذبه في ان الدولة افتراضية وان البغدادي شخصية وهمية.

ماذا لدينا الان ؟ حسب الخطاب المعادي :

1- في العراق حكومة شرعية منتخبة من نصف الشعب العراقي وهناك مؤسسات ديمقراطية وليدة . وهناك قوات متعددة الجنسيات لمساعدة هذه الحكومة وهذه الديمقراطية .
2- هناك ارهاب يتمثل بالقاعدة التي تكره الديمقراطية والحرية وهي تقتل الشعب العراقي لتخويفهم لئلا يؤيدوا الديمقراطية .
3- هناك ميليشيات خارجة على القانون تغذيها ايران لتوريط الامريكان في المستنقع العراقي .
4- هناك بعثيون من الذين فقدوا مصالحهم يريدون اعادة الدكتاتورية.
5- هناك حرب طائفية بين السنة والشيعة وهي من تدبير القاعدة وايران.
6- بدأ الشعب (ممثلا بالعشائر) يساعد الامريكان والحكومة للقضاء على الارهاب.

العلاج الامريكي للمشاكل اعلاه : احداث اصلاحات اقتصادية وانجازات داخلية (حتى لو كانت على الورق) اعادة البعثيين الى العمل و اشراك السنة في الحكم وتحييد وحل الميليشيات وتجفيف منابعها، اما القاعدة فلا ينفع معها الا القضاء التام عليها بالقتل والتدمير.

وهذا هو جوهر الخطاب الاحتلالي ، والذي يتردد في مقالات حتى الكتاب المعادين للامبريالية والاحتلال. والرؤية المفقودة هنا هي "المقاومة ضد الاحتلال" فحسب رؤيتهم اسباب "العنف" يمكن حلها بتقديم الجزرة لمن فقد مصالحه وميزاته بزوال حكومة صدام حسين ، وقطع الدعم الايراني عن المليشيات ، والضرب بالهراوة الثقيلة على "القاعدة" .

ولكن هل هذه الرؤية قاصرة بسبب الغباء ام مقصودة لتحويل الانظار عما يجري فعلا في العراق ؟ اذا كانت الثانية وانا اعتقد بهذا ، يكون لدينا عملية تشويه متعمد لطبيعة الامور ، تتسق مع قلب حقائق تاريخية وجغرافية واجتماعية كثيرة مثلا تقسيم الشعب العراقي الى طوائف واعتبار ان التوتر بين هذه الطوائف كان موجودا دائما وليس بفعل الاحتلال. ومسألة اغلبية الشيعة واقلية السنة واقتصار "التمرد" على السنة ! وتقسيم المدن العراقية الى سنية وشيعية .

ولكن هنا لا بد ان نسأل : على افتراض انهم فعلوا كل ما يرونه حلا للمشاكل العراقية حسب منظورهم الخاطيء . سيكون هناك بعثيون راغبون بالعمل في حكومة احتلال وسيكون هناك سنة سعداء بالانضمام الى المسيرة الاحتلالية وسوف تتوقف ايران عن دعم الميليشيات وسوف يقضى على "الارهابيين " الاجانب متمثلين بالقاعدة . ولكن نحن نعرف ان المقاومة ليست هؤلاء .. فكيف سوف يستقر لهم ولعملائهم الحال والمقاومة "التي لم يشخصوها" مستمرة ؟



نشرت المقالة في منتصف عام 2007 في موقع (دورية العراق) الذي أقفل على الانترنيت.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق