الخميس، 8 يوليو 2021

الإستيقاظ صباحا في غوانتنامو

 قصة قصيرة

بثينة الناصري

الأصوات تبتعد وتقترب . . هدير. . حفيف . . رنين . . صليل . . لهاث . .
 أفتح عيني فأجدني أحدق في عيني ذئب. 
-  ذئاب . . أجج النار.
صرخ أحد الرفاق، فحركت الخشب في النار التي تكاد تخمد. هناك في تلك الحفرة التي تحلّقنا حولها، في موقعنا ذاك من جبل (سورتانجي).
كنت جديد عهد بهذه الرفقة، ولم يفت في عضدي، مثل هذه المهمات الصغيرة التي توكل إلي. ولهذا كنت أقوم بها، بهمة وحماس، تثيران تندرهم غالبا، فيهتف أحدهم :
-  الذئب يسأل صاحبه: من يرعى النار هذه الليلة؟ فيجيبه الملا عبد الله فيقول له: اذن لافائدة من الإنتظار فناره لاتخمد أبدا .
ولكن . . لهاث الذئب يقترب . . ماذا حدث؟ هل خمدت النار؟ ربما سرقني النوم؟ أحاول أن أتحرك. أفتح عينيّ. أرى الذئب واضحا، هذه المرة، وقريبا جدا. ولكن كأنه داخل قفص. هل أحلم؟ إن الذئاب لاتعيش في أقفاص. أين أنا ؟ أشحت بوجهي، وحاولت أن أتسلل إلى الحلم مرة اخرى .
ولكني أفقت على صليل حديد، يرن كالمطارق في رأسي. وشيء حاد، ينخس أضلاعي. وقبل أن أتبين شيئا، شعرت بذراعي تقيدان، ثم بقدمي تكبلان .
فتحت عيني على سعتهما. ماذا يحدث؟ غريبان يشدانني من الأرض إلى وضع الوقوف. في حين مازال الذئب يكشرعن أنيابه داخل قفصه . لا . . لم يكن . . كان طليقا! أنا الذي في داخل قفص! وضع الغريبان عصابة على عيني. لم يكن ذئبا. بل كلب حراسة. أين أنا؟
حاولتْ أيادٍ دفعي إلى السير. أين يذهبون بي؟ جررت قدمي، وكدت أتهاوى. تصايح الرجال حولي بلغة لم أفهمها. سمعتُ حركة، وجلبة، ثم دفعني أحدهم في صدريـ فهويت على . . مايشبه أرجوحة . ربما نقالة . . ترتج بي . . وتهتز .
أرفع جفني . . سماء زرقاء صافية، شديدة الضياء. ولكن الضوء المبهر للنهار، يخز عيني، بألم فأطبقهما. لا أدري منذ متى لم أر ليلا. وكأن كل أوقاتي، منذ جاءوا بي الى هنا . . أعيشها في وهج حارق . . ضوء . . ضوء . . طوال الوقت. ألا يأتي الليل أبدا؟ يتأرجح جسدي يمينا ويسارا ( الله . . هوو ) (الله .. هوو) (الله . . هوو ) تترنم أمي، بصوت موجوع رتيب (الله . . هوو) وهي تؤرجح مهد أخي الصغير، فيغفو مبتسما، وتخفت ترنيمتها حتى تتلاشى، فأتقدم من أمي أطوق عنقها :
 - لماذا لايكون لي مهد هزاز مثله؟
فتضحك وهي تنتزع ذراعي من حولها :
- هذا كان مهدك ولكنك كبرت الآن . هيا . . إذهب وإلعب مع الصبيان .
يتأرجح جسدي، يمينا ويسارا. أتوارى في حضن أمي، وهي تحيطني بذراعيها، مودعة، وأنا ذاهب للحاق بالرفاق في الجبل (الله . .يحميك ياإبني ) وتصرّ أن آخذ مصحفا صغيرا (ضعه في جيب الصديري دائما وتحت مخدتك في الليل) ولكنه لم يعد معي . . الآن . . إنتزعوه من ملابسي، حين أجبرونا على ارتداء هذه البزة الحمراء. رغم شوقي إليك ياأمي، فإني لا أتمنى أن تريني بها. إنها تشبه السراويل الحمراء التي تختص بلبسها النساء عندنا، تحت ثيابهن الفضفاضة. أخذوا المصحف الصغير، ولم اره بعد ذلك. ولكن قبل أيام جاء إمام المعسكر. واحد منهم يقول إنه مسلم، ولكنه يرتدي ملابس عسكرية، وهو حليق الوجه. يقول إنه يريد أن يعلمنا. وزع علينا كتاب حكايات (الف ليلة وليلة ). أشرت إليه بأني لا أقرأ العربية، الا في كتاب الله، وطلبت مصحفا .
هز رأسه، وفهمت منه إنه يقول: ممنوع !
ثم سألني، كما فهمت، عن اللغة التي أتكلم بها :
 - باشتو . . باشتو
رفع حاجبيه دهشة وكأنه يسمع بالكلمة لأول مرة .
توقف اهتزاز جسدي فجأة. وهبطت النقالة على الأرض. حملني إثنان على الوقوف، وأدخلوا رأسي في غمامة سوداء. هذا هو الليل يجيء اخيرا !
لا أسمع سوى قرقعة أصفادي، وأنا أقاد، حثيثا، عبر عتبات وابواب. نتوقف. أسمع حركة الحارسين، وهما يبتعدان، وفي نفس الوقت، أتلقى ضربة شديدة بشيء صلب على رجلي، تطيح بي أرضا. ثم تمسك بي يدان، تحاولان بخشونة إجلاسي في وضع الإقعاء .
 - إسمك !
كان الصوت يتحدث الباشتو . رف قلبي وأنا أردد :
- عبد الله .
**
-  إسمي عايشة .
كانت تحمل خشب الوقود، على رأسها، في ذلك الممر الذي يخترق جبل "سور تانجي"، عندما تساقط بعض الخشب، فهرع إلى التقاطه، وإحكام وضعه على رأسها. ورف قلبه إذ تلامست أصابعهما عفوا. ثم انفلتت من أمامه، مثل غزال بري. راقبها وهي تسرع الخطا، مبتعدة بقامة مشدودة، توازن حمولة الحطب على رأسها .
عدّل العمامة، بعد ان انزلقت على جبينه، وأحكم امتشاق بندقيته على ظهره. وبدأ يدندن بـ لندي(1)، وهو يستأنف سيره .. .
يووار دي لاس به لاس كي راكه(2)
وعلا صوته شيئا فشيئا هو يصدح بين الجبال . .
دا لاس نيوي به دي تر ديرة يادومة (3)
كان الصوت الذي يسأله بالباشتو، قاسيا وصارما وعدائيا. أشعره بالغربة من لغة أهله. كل شيء هنا خالٍ من الودّ. الباشتو والإمام المسلم الذي يمنع أن نصلي جماعة، والذي رغم ذلك وضع لافتة بكلمة (القِبلة) بخط يده، وباللغة العربية، وعلقها على أحد أبراج الحراسة، في مكان نستطيع أن نراها من بعيد. ولكن أغلبنا لم يعد يصلي. وكيف ذلك ونحن لم نر الماء على أجسادنا منذ شهور، سوى مايرشوننا به في أقفاصنا، بخراطيم المياه المصوبة إلينا من بعيد .
كان الرجل يطلق عليّ أسئلته، قصيرة وحادة، وبصوت رتيب خال من المشاعر .
- أعيدوني إلى وطني. أنا باشتون، ولست عربيا. ولا أعرف أحدا منهم .
وكأنه لم يفهم الباشتو التي أتكلم بها. لا أدري إن كان هو الذي لطمني بشدة على رأسي، ولكن صوته استمر يسأل بحدة، ويكرر الأسئلة، وأعيد الاجوبة، ولكن كل ماقلته لم يعجبه .
- إذا كنتم ترونني مذنبا، فاقتلوني بالله عليكم. أما إذا لم أكن كذلك، فلماذا أبقى هنا؟ اُقتلوني أو أعيدوني إلى وطني. اُقتلوني أو أعيدوني .
- أعيدوه إلى قفصه !
وفي تلك اللحظة، وهم يسحبونني خارج المكان، أحسست أن ضوء النهار الحارق، وخلوة زنزانتي، إلا من لهاث كلاب الحراسة، أحسن مما أنا فيه. شهقت، وهم يرفعون غمامتي، وأرى وجه السماء، مرة اخرى .
تأرجحت بي النقالة حتى توقفت، قرب صف أقفاص الحديد. تحاشيت النظر في وجوه الرفاق، وهم خلف قضبانهم، يحدقون في وجهي، بأمل أن يستشفوا شيئا، منتظرين دورهم، بحذر وترقب، وشيء من التوق أيضا للخروج من الأقفاص بأي ثمن وإلى أي مكان .
- الحمد لله؟
سمعتُ جاري يسأل. كان عربيا، ولانستطيع التحدث بغير كلمات القرآن الكريم .
- الحمد لله !
ملأتُ كوبا من السطل الذي بقي فيه شيء من ماء الشرب. إلا أن الماء تعثر في بلعومي وأحسست بغصة .
- هل يذكرني أحد الآن؟(4) 
اخواي حميد وعبد الرحمن؟ آخر مارأيتهما عندما اُسرنا في قلعة "جهانجي" قبل أن يفصلوننا. أمي في بيتنا المنزوي في حضن الجبل؟ هل يكتب لي الله أن أراهم مرة أخرى؟ ام تُراهم . .؟ وعايشة ؟ آه . . من لمسة يدها. أما زال يسقط عن رأسها خشب الوقود، وهل يساعدها مفتون آخر؟ أم تُراها الآن تتحلق مع عائلتها، حول الصندل(5) ترتشف الشاي الأخضر وتفكر بي خلسة، وهي تذكي نار الفحم؟
كم يبدو كل شيء بعيدا . . مضببا. إلا أنني أرى بوضوح، جبال "سبين غار" و "سور تانجي" جبالا بيضاء، وحمراء، وجبالا خضراء، تغطيها نباتات برية.
يضطجع على الحشية، ويعقد ذراعيه خلف رأسه، وهو يرى نفسه، وسط عشيرته، وقد طالت لحيته مرة اخرى. يرتدي جوبان(6) أبيض، وحوله رفاق صباه، وهم يصفقون، على ايقاع الطبلة والرباب والسازاندة(7) يغنون لندي وكلاسيك (8) وفي البيت المجاور، عروسه عايشة،  تلتمع عيناها العسليتان، وهما تتابعان رقص صويحباتها على ايقاع الديرة (9)  .
صليل منغم يخترق أذنيه. وفكر" إنهم يأخذون العربي للتحقيق". يرفع صوته ليسمعه جاره قبل أن يبتعد بخطى ثقيلة، بقدر ماتسمح به الأصفاد: الله رحيم .
يتوقف السازندة عن الغناء . . وتصمت الرباب، ويكف الرفاق عن التصفيق. يسود السكون .
-  حانت الساعة . . إستعدوا . 
ويزف في موكب طويل . . من رجال لم يعد يعرفهم. كانوا جميعا، حليقي الرؤوس والذقون، يرتدون بزات حمراء كالنساء او المهرجين . . بدون عمائم. كانت أيديهم موثقة من الخلف. يمشون، مطأطئين، خجلين، من أن يراهم أحد او يرون بعضهم بعضا. كانوا مسربلين بالذل والمهانة. أحس كأنه يمشي عاريا، وسط عشيرته. كان يظن أن هذا الكابوس سينتهي عند وصولهم إلى الباحة التي يساقون إليها، فيعدمون، وأخذ يقرأ سورة (الفاتحة) مرارا، حتى وجد نفسه يُحمل حملا إلى داخل طائرة. ما أن تعثر داخل بابها، حتى أجلس على مقعد، وقيدت يداه وقدماه إلى المقعد. تلفت حوله بارتباك، ثم بغضب . أحس بوخز إبرة في ذراعه، ثم رُشق شريط لاصق غليظـ على فمه فغاب صوته، ثم دُس شيء في أذنيه فغاب سمعهـ ثم أدخلوا رأسه، بقناع أسود، فغاب نظره .
ولكنه مع ذلك ، استطاع أن يرى والطائرة ترتفع، ذرى جبال أفغانستان مغطاة بالثلوج، وعايشة وهي تؤجج النار في الصندل، وتنظر إليه بعينين ضاحكتين، مغطية فمها بالخمار، واستطاع أن يسمع صوتا يشبه صوت أمه، ينهمر مع الشلالات المتحدرة من الجبال والوديان، مترنما، متوجعا :
من كه به ميوند كي شهيد نشوي(10)
زما لاليه بي ننكي ته دي ساتينة (11)
استطاع عندئذ أن يفك إسار يديه، ويجثو عند قدميها، يحيط وجهها الصابر بكفيه، ويقول لها: إنتظريني . . لن أغيب طويلا .

 ***

الهوامش

1-لندي : كوبليه غنائي فولكلوري
2-إعطني يدك مرة والى الابد
3-سوف اتذكر لمسة اليد هذه زمنا طويلا
4- من المعتقدات الافغانية إذا تغرغر الماء في بلعوم احدهم، يعني أن أحدا يذكره في تلك اللحظة .
5- الصندل: موقد لتدفئة العائلة، يتكون من منضدة مربعة خشبية، توضع بارتفاع 40 سم، فوق فحم متقد، وتغطى المنضدة بلحاف قطن كبير
6-جوبان: جبة من الصوف بلون أبيض عادة يلبسها الرجال في الجبال شتاء
   7-السازندة : المغنون المحترفون
8-الكلاسيك : الغناء الأفغاني القديم الذي لايقدر عليه إلا المغنون المحترفون .
9- الديرة : آلة موسيقية تشبه (الدف) تستعملها النساء فقط
10- اذا لم تسقط شهيدا في معركة ميوند
 11- فإن الأيام تدخرك ياحبيبي لأيام الذل

ملاحظة القاصة:  من اجل كتابة هذه القصة ، درست أولا عادات المجتمع الافغاني وجغرافية البلاد، وشيئا عن لغة البشتون.
نشرت في مجموعة (يوميات الكوفي شوب وقصص أخرى) الالكترونية 2016

الأربعاء، 7 يوليو 2021

الحلم الإنجليزي

كتب باء

قصة قصيرة 


هذا شارع في مقاطعة يورك في المملكة المتحدة اسمه شامبلز يعود تاريخه الى القرن الرابع عشر ثم ظل حتى القرن التاسع عشر سوقا للجزارين، ثم تحول بعد ذلك الى أشبه بمتحف ومعلم سياحي من معالم يورك. بعد زيارتي للشارع  في منتصف السبعينات، استلهمت منه هذه القصة التي نشرت في مجموعة (موت إله البحر) القاهرة 1977

بثينة الناصري

 قال الفتى من جامايكا:" ليلة بائسة . لا أظنهم يخاطرون بالخروج

 وابتسم عن أسنانه اللؤلؤية.

كانت حبات المطر ترشق نوافذ السيارة وتسيل على الزجاج جداول متعرجة يتراءى من خلالها زقاق ضيق تخيم على جانبيه اشباح سوداء لبيوت مائلة . . خشبية وصخرية، جاثمة منذ القرن الرابع عشر مثل فزاعات طيور في حقل مهجور. كان ماء المطر ينحدر في ساقية صغيرة وسط الزقاق المظلم.

وقفت سيارة  شركة السياحة في ساحة مدورة . وما أن نزل السياح الستة حتى ارتفعت المظلات السود فوق الرؤوس ، ولم يكن المطر ليمنع هذه الرحلة الممتعة بل انه يضيف جوا من الرهبة. ثم انه الطقس الانجليزي على أية حال.

تقدم الدليل بحذر وأشار للجمع ان يتبعه. كان الى جانب فتى جامايكا الأسمر ذي الاسنان اللؤلؤية، اختان من امريكا، كبيرتا السن الى حد لايمكن معه تحديد عمريهما. ولكن يبدو ان البدينة هي الصغرى وكانت طوال الرحلة تحيط اختها الطويلة العجفاء برعاية غريبة. وزوجان من لندن في مقتبل العمر. كانت المرأة بخلاف زوجها الذي يحمل وجها جادا لايناسبه، طائشة الحركات تكثر من الضحك واليها كان الجامايكي يتوجه بأكثر نكاته. 

وثمة فتاة عربية لا يمكن للمرء ان يتكهن كيف وضعت نفسها مع المجموعة في هذه الليلة العجيبة. كانت تلف جسدها بمعطف مطر رخيص وتخفي نصف رأسها تحت قبعة جلدية يسيل من حوافها الماء. وكانت تهنيء نفسها على هذه الفطنة، فلو حصل ما يدعو الى الهرب، لم يكن ثمة مبرر لأن يتعثر الواحد بمظلة.

قال الجامايكي مرة أخرى:" لا أظن المساكين يخرجون في ليلة ماطرة. ."

فضحكت الزوجة الصغيرة ، ولما رن صوتها في ضجة الليل، وضعت يدها على فمها لكن الدليل التفت وجرّ الفتى الاسمر جانبا وهمس بصوت تعمد ان يسمعه الاخرون:

- كنت اخشى ان اذكر شيئا لئلا تفزع السيدات ولكن في مثل هذه الليلة وقعت الحادثة.

لفت الامريكية البدينة ذراعها حول اختها وقالت:

- تخاريف!

ردّت عليها اختها بحزم:

-لابأس! لكن لا تنسي يا أليس أننا دفعنا نقودا من اجل هذي الاثارة . فلا تفسدي الليلة علينا! دعينا نحلم ان كل شيء ممكن. وإذا كانت المسألة عندنا ألاعيب وكلاء العقارات وخدم البيوت فهذه انجلترة واهلها في غاية الجد.

تنهدت أليس ، فيما تقدمت العربية من الدليل ونقرت على كتفه مترددة وسألته:

 - ماالذي يحدث بالضبط . . أصوات؟

- اخشى أني لا استطيع ان أفيدك يا آنسة. فلم يسبق لي أن رأيت او سمعت شيئا . لكن على مايقال ان البعض رأى شبح مرجريت نفسها عدة مرات.

سألته الامريكية الطويلة بصوت حاد:

- من هي مرجريت؟

وقبل ان يجيب ارتفع صوت الجامايكي يغني:"مارجريتا . . حبيبتي مارجريتا "

زجره الزوج اللندني:

- ارجوك!

والتصقت به زوجته ضاحكة بعصبية.

قال الدليل:

- آسف اذ كان علي ان اشرح لكم . هذا هو الشامبلز. إننا نقف الان تحت دكان الصائغ اليهودي الذي كان يعيش في الغرفة العليا من هذا المسكن. وذاك البيت الذي ترون كان لحائكة ملابس. ارجوكم من هنا.

قادهم عبر الزقاق. . واحتوتهم الظلمة.

كانت المصابيح القديمة المدلاة من اطراف البيوت مطفأة يعلوها السخام. ولما توغلوا في الدرب العتيق، هبط الصمت ثقيلا. وماتت ضجة الحياة في الشوارع القريبة . ضاقت السماء من فوق لتقارب حواف البيوت حتى لم يكن يسمع غير دبيب أقدامهم وصوت المطر يلطم الخشب والحجر المسود.

صاروا وسط الزقاق تماما . وجه قمر كالح يرصدهم من بين غيوم سوداء ، يرتمي بصيص من ضيائه الشاحب على الجدران. يتعلق بالخشب المنخور ، يباغت الوجوه، فيختلط السواد بالبياض وتنزلق ظلال الخوف مع حبات عرق يتفصد رغم البرد.

- نحن الان في القرن الرابع عشر.

التصقوا ببعضهم وتسارعت انفاسهم. كان المطر يضرب ظهر المظلات . . ينثال داخل جلودهم وينبض على أرض الزقاق بوقع واجف. . سريع.

- مثل هتشكوك . . تماما

-ارجوك! 

همس الدليل:

- آسف . . لا انصحكم بالتوغل أكثر . هل ترون ذاك البيت في آخر الزقاق؟ انه البيت الذي كانت تسكن فيه مرجريت.

التف الحاضرون حوله واضاف:

- وفيه قتلت!

ارتفعت آهة. وانتظر الدليل قليلا قبل ان يقول ببطء:

- وفي مثل هذه الليلة بالضبط. . قبل ستمائة سنة تقريبا.

آهة اخرى . . وانتظر هذه المرة فترة أطول قبل ان يقول:

- وفي الساعة الثامنة وخمس وعشرين دقيقة

صعدت معاصمهم الى أعينهم وهتف الزوج اللندني:

-  ولكن الساعة الان الثامنة وعشرون دقيقة . . يعني بعد خمس دقائق .

أكمل الدليل:

-يمكن ان يحدث أي شيء !

بقبق المطر في الساقية . آه . .  ندت صيحة وشهقة مكتومة . ازدادوا التصاقا واحسوا بالبرد ينفذ الى عظامهم . واحتارت العربية لمن تلجأ ثم وقفت قرب الفتى الاسمر وكادت تمس ذراعه. 

مرت الدقائق ثقيلة . لم يستطع احد منهم ان يرفع بصره عن بيت مرجريت لينظر في ساعته. لكنهم، بعد دهر طويل، سمعوا الدليل يقول:

-  الآن !

تراجعت الاختان الى الخلف قليلا، وهمست البدينة لاختها مشجعة فيما دفنت الزوجة وجهها في معطف زوجها وجحظت عينا الجامايكي وهو يحدق في آخر الزقاق. حبسوا أنفاسهم . .ومرت (الآن) بطيئة . دون ان يحدث شيء.

رفع الدليل ساعته وثبتها في عينيه وهمس لنفسه:

ثمة خطأ ما“.

وحجب الظلام إمارات الضيق على وجهه. ضحك الجامايكي ضحكة قصيرة.

-  قلت لكم حتى الفئران لن تخرج هذه الليلة.

تنفس الجميع الصعداء واحسوا بالامتنان لصوته. كانت الامريكية الطويلة تشعر بشيء من الاسى لضياع المتعة يخالطه شعور خفي بالارتياح، ورفعت اللندنية رأسها عن صدر زوجها الذي ارتخى جسده المتصلب. جر الجامايكي ذراعه من قبضة العربية وهو ينحني عليها لأول مرة قائلا بمرح:

-لاشيء يخيف. كل شيء هاديء . . ومرجريتا لاتحب المطر .

فجأة . .مات صوته اذ خطف عينيه لمعان في نهاية الزقاق. صرخ اللندني وجرّ زوجته اليه. .

ورأى الجميع من بعيد امرأة ملتفعة بملابس سوداء قديمة الطراز تنبع من بيت مرجريت وتعبر الزقاق بهدوء . . مثل غمامة هلامية وتختفي عند الطاق الذي يؤدي الى السوق القديمة.

التصق الحاضرون بالجدار وصرخت الامريكية العجفاء اذ رأت اختها البدينة تسقط على الارض مغمى عليها .

بعد ان تحركت السيارة الكبيرة نحو مركز المدينة .. 

وقف الدليل ينظر اليها حتى اختفت . . ثم استدار وسار مسرعا الى سيارة صغيرة كانت تنتظره في عطفة السوق القديمة .

قفز الى داخلها وبادر فتاة كانت في تلك اللحظة تنازع للخلاص من لفات وطيات رداء اسود حائل اللون قديم الطراز:

-  ماالذي اخّرك بحق السماء؟

هتفت الفتاة ضاحكة .

- اسكت ياجيمس ! كادت تحدث مصيبة ! في لحظة وأنا اعبر الشارع تعثرت بالرداء وكنت على وشك ان أقع . . ولكن آخر لحظة مرّ كل شيء بسلام. 

-على أية حال . .كنت رائعة ! لقد أغمي على احداهن..

-لاشيء خطير؟

الشيء المعتاد!

عطست الفتاة . . مسحت أنفها وقالت:

 اخشى اني اصبت بالبرد.

قال جيمس: 

-  آسف ياعزيزتي 

ثم أضاف وهو يدير محرك السيارة :

-  يلزمك قهوة ساخنة . أعرف مكانا لطيفا

 ****

صورة من  الانترنيت لشارع الشامبلز في مقاطعة يورك

الثلاثاء، 6 يوليو 2021

مسألة أمتار

قصة قصيرة  

بثينة الناصري

الشارع عرضه أمتار قليلة ،  ولكن عبد العظيم أفندي حين حاول أن يعبره وهو ينوء بأكياس الفاكهة والسيارات تمرق امامه مسرعة والشمس تخرق عينيه ، لم يحسبها جيدا ، ولهذا لم يستطع الوصول الى الرصيف المقابل أبدا. 

بعد ساعات وفي الطرف الاخر من العالم ، كان  الاسطى حسين مقاول  المدافن يتربع على مصطبة داخل سقيفة في مدخل احدى حواري المقبرة ، مبنية بما يناسب التراث الذي يحيط المكان : اربعة اعمدة من جذوع اشجار ترفع سقفا من سعف النخيل . وكان يتفق بصعوبة مع مندوبي العائلة على مثوى عبد العظيم أفندي . بعد قليل حسم الاسطى حسن المناقشة بصيحة "لا اله الا  الله" وتقدم المندوبين يشق الطريق الرملي الى مدفن متهدم. تسور بقايا حائط متهالك والرجال وراءه ثم دفع بابا تشقق خشبه ، فانفتح على غرفة صغيرة ليس فيها سوى حوض مستطيل من الاسمنت والتراب وعلى الحائط رخامة سوداء مكتوب عليها "الحاجة محفوظة السيد عزمي توفيت في 18 مايو 1965". 

أشار  الاسطى الى القبر وهو يقول :

-   لم ندفن احدا هنا بعدها لأن الارض تحتها ماء . 

وسار بحذر عبر الغرفة واشار الى مكان ينخفض عما عداه ، وقال : 

-  هل ترون هذا الهبوط ؟ لو حفرنا لظهر الماء . أقول لكم الارض غير صالحة للدفن .

قال كبير  المفاوضين – ماذا نفعل إذن ؟ وصية المرحوم ان يدفن مع أمه .

كان المرحوم لاينفك يردد كلما جاء ذكر الموت "وصيتي يازينب ان ادفن مع الحاجّة . الله يرحمها كانت  تحب العشرة والناس ولا تطيق  الوحدة . 

وقبل ان تحدث  المصيبة روى عبد العظيم افندي لأمرأته انه رأى – اللهم اجعله خيرا – فيما يرى النائم ان امه جالسة في صدر مجلس منطلقة ومستبشرة ضاحكة السن كما كانت في ايام عزّها . وكانت ترحب به بإلحاف وتدعوه الى الجلوس بجانبها . 

أجاب  المقاول : هذا الله وهذي حكمته . ليس أمامنا الا  المنامات *.

وهناك في  البيت شبت النار في قلب الحاجة زينب ارملة المرحوم وهي امرأة لم تعتد ان يُكسر كلامها فتوقفت عن البكاء وسيطرت على مشاعرها بلمح البصر وقالت باصرار : 

-   لن يدفن عبد العظيم  افندي الا الدفن  الشرعي . 

قالوا لها ان المقبرة صغيرة ومتهدمة والمكان الوحيد الموجود لم يعد يصلح للدفن ولكنها ردت بلهجة متعبة صارمة : 

-  ادفنوه في أي مكان ..ولكن لابد ان يكون شرعيا . 

وعادت الى نحيبها مما تعذر مخاطبتها مرة اخرى ، ورجع رجال العائلة الى الروض وبحثوا عن الاسطى حسن حتى وجدوه يزاول عمله في مدفن غير بعيد . استمع اليهم بصبر ثم  انزوى بهم جانبا واقترح ان يستأذنوا أهل الميت الذي يحفرون له باستضافة عبد العظيم أفندي في مدفنهم . ولكن هؤلاء  اعتذروا بأن الحوش يكتظ باجساد رجال ونساء عائلتهم الكبيرة وماتبقى من مساحة بالكاد يكفي الاحياء منهم ساعة تحين آجالهم . 

رجع بهم الاسطى الى المدفن الخرب ووقف الرجال يتأملون الموقع بحثا عن مكان مناسب . أشار بعضهم الى المساحة تحت السور المتهدم ... لكن المقاول اوضح لهم عمليا خطل هذا الرأي اذ سيكون المرحوم مداسا للرائح والغادي.

في البيت عندما حانت ساعة الفراق وكان الليل قد انتصف منذ وقت غير قليل ، صرخت  النساء وأحطن بالحاجة زينب . وعلا العويل والرجال يحملون الخشبة ويضعونها في  السيارة تتبعها ارملته وهي تتساند على أذرع جاراتها . أجهشت النساء في بكاء حقيقي حين امتنعت السيارة التي تحمل  الجثمان عن القيام وقيل ان روح المرحوم مازالت تهفو الى دنيا الاحياء ،  واضمرت  الحاجة زينب في نفسها ان تشتري في اول جمعة تخرج بها لزيارة  الغالي ماكان نفسه فيه ولم يتسن له ان يهنأ به : رمانا وعنبا وخوخا .. ثم استبعدت العنب اذ لم تسمع من قبل ان احدا اخرج الرحمة عنبا ، ومالت على جارتها تسألها المشورة. 

ولما تحركت السيارة بعد محاولات مضنية، تنفس المشيعون الصعداء ، فقد كان الليل يسرع حثيثا نحو الفجر وكان السائق يتأفف بصوت عال اذ لم يسبق لميت ان  استغرق كل هذا الوقت في اللحاق بالاخرة . وحتى  عندما توقفت  السيارة اخيرا امام المدفن وحمل الرجال  الخشبة كاد احدهم ان يقع لولا ستر الله فقد تعثر بحجارة  الطريق حتى مالت الخشبة وتعالت صيحات "الله  اكبر" ثم استعاد توازنه .. وقد ظلت هذه الواقعة تذكر وتستعاد في كل مجالس  العزاء في الحي بعد ذلك . 

أخيرا ومع أول نسمات الفجر آن لعظام عبد العظيم أفندي ان تنحشر داخل مترين بين باب  الروض والطريق العام ، ومع انصراف آخر خطوات الدنيا عنه ، استكان الرجل في وحدته الموحشة الرطبة لايؤنسه غير صوت مروق السيارات السريعة على أرض الشارع .

 ******

·       المنامات – هي طريقة للدفن تشبه الطريقة الفرعونية حيث يدفن الاموات في قبر واحد متسع اشبه بقاعة يدفن فيها الرجال بمعزل عن النساء ، وهي ليست الطريقة الشرعية الاسلامية حيث يدفن كل ميت في قبر خاص به . والمدافن في مصر عبارة عن احواش اشبه بالبيت فيها غرف يدفن فيها الميت شرعيا وفسحات تحوي المنامات. والحوش (المقبرة) خاصة بكل عائلة، وهناك مقابر الصدقة للأغراب او لمن لايملك شراء حوش خاص. وتسمى المقبرة التي تضم الأحواش (الروض))

     ( جو القصة متأثر بالحياة في مصر وهكذا العديد من قصصي التي كتبتها بعد انتقالي الى مصر في 1980)

** نشرت القصة في مجموعة (وطن آخر) القاهرة 1994

الخميس، 1 يوليو 2021

جوع

 

قصة قصيرة

بثينة الناصري

في مكان ما من الليل تصطف صفائح لا لون لها تطفح بأحشاء المدينة النائمة. ومن عمق الظلام يظهر رجل محلوق الراس محني الظهر يسدل على عظامه ملابس لا شكل لها، يتقدم من صفيحة ويغرس ذراعه داخلها ناثرا الزبالة حوله على الارض، تخرج يده بأوراق خسّ. يتأملها ثم يضعها في جعبة قماش تتدلى من عنقه. يدفن ذراعه مرة اخرى فتخرج بعظمة مازالت نتف لحم ودهن عالقة بها. يقربها من أنفه ويقلبها مرارا ثم يدسها في الجعبة. يعود الى البحث بأناة وصبر. تغوص يده في لزوجة. ينظر اليها ثم يمتص اصابعه بتلذذ.
يحس بحركة خلفه فيزداد تشبثه بالصفيحة ، فيما يلقي نظرة حذرة وراءه . صبيان يقفان متحفزين . يستدير الرجل وقد فتح ذراعيه مثل شراعين وكأنه يخفي عن عيونهما صفيحته . لكن الصبيين يراوغانه ويلتفان حوله ، يضرب احدهما صفيحة مجاورة فتنقلب بما فيها على الارض وينكب صاحبه على الزبالة يقلب فيها بسرعة محمومة .
زمجر الرجل وهجم على الولدين يضربهما بكل ما أوتي من قوة . بيديه وقدميه حتى التوى احدهما صارخا وهو يضع يده على بطنه ثم لحق بالاخر الذي كان يعدو في العتمة حتى ابتلعهما الليل .
 عاد الرجل الى انهماكه السابق فانحنى على الزبالة التي دلقها الصبيان على الارض فوجد علبة سردين فيها قليل من زيت السمك. كما التقط بضع ثمرات من طماطم تالفة ولمّ بأصابع مدربة كومة أرز انتهت الى جعبته .
أحاطت عيناه بالصفائح التي لم يستكشفها بعد وتلفت حوله فلما لم ير أحدا ، ارتمى على الارض وأسند ظهره الى شجرة محاذية ومدد ساقيه واضعا الجعبة في حجره ثم مد يده فيها محاولا ان يعد أسلابه ، دون ان يحول عينيه من الصفائح المترعة وهو يمني النفس ان يلقط انفاسه قليلا قبل ان يستأنف صيده.
فجأة .. يداهمه إحساس أنه لم يعد وحيدا .. مثل همهمة .. وأنفاس حارة تلفح رقبته . يستدير بحذر .. يواجه كلبين يقفان مستعدين وقد كشرا عن أنيابهما يزمجران ، وآخر غير بعيد يتشمم احدى الصفائح .
 تسمر الرجل حائرا ينقّل عينيه بين الكلبين . وهبط قلبه وهو يرى الكلب الثالث يقلب الصفيحة ويندس فيها وصوت عظمة تتكسر تحت أنيابه . فار دم الرجل وصرخ "هش" وحرك ذراعه وكأنه يبعدهما . فازدادت استقامة ظهري الكلبين المهاجمين وتجعد أنفاهما كاشفين عن أنياب خطرة .. فارتد الرجل الى الوراء ثم تلفت حوله فلقطت عيناه حجرا .. وفيما هو ينحني عليه بسرعة انقض الكلبان .. نهش احدهما أسماله الغارقة بالزيت وغرز الآخر أنيابه في لحم ساقه . تكور الرجل صارخا وحاول ان يزحف نحو جعبته . مد يده نحوها .. لكنها اختُطِفت بعيدا وتبعثرت محتوياتها .. فيما كان لحم ذراعيه وظهره ورقبته لقمة سائغة بين أنياب غاضبة .
 جرّ الرجل جسده وهو يعوي عواء فضح سكون الليل ، فتركه الكلبان حين تأكد لهما ابتعاده ورجعا الى الصفائح يبحثان فيها عن بقايا الطعام بنهم وهما يهمهمان :" هم .. هم .."
 استكان الرجل يلهث ألما ، وقد التصق جلبابه بالدماء الناضحة من جروحه . قرب ذراعه من وجهه ونفخ في الجرح الغائر ثم لعقه علّ الالم الحارق يبرد قليلا ، ثم انحنى على جرح في فخذه ونفخ نحوه من بعيد . أغمض عينيه محاولا ان يغفو عن قروحه .
لكنه انتبه فجأة على وجع حاد في بطنه غطى على أوجاع جروحه.. أدرك أنه جائع ولابد له أن يطفيء هذه النار التي تنهش جوفه بلقمة . رنا بحسرة الى الصفائح . اصبحت الكلاب الان أربعة او خمسة . أراد ان ينهض لكنه لم يستطع .
 سحب جسمه المقروح نحو الرائحة التي لم يعد يستطيع ان يقاومها. لما اقترب من الموقع ، أقعى على قائمتيه الخلفيتين وانتظر . رفعت الكلاب رؤوسها وحدقت فيه بانتباه ، ثم عادت الى انهماكها بالأكل .. حبا على أربع وازداد اقترابا . نفر كلب من جماعته ودنا منه . طأطأ الغريب رأسه منتظرا نهشة شرسة ، لكن الكلب تشمم رأسه وأذنيه ودار حوله وتشمم ظهره وساقيه ومابينهما .. ثم هز ذيله واستدار عائدا الى طعامه .
 زحف الغريب على قوائمه حتى اقترب من احدى الصفائح فقلبها ومد يديه يبحث عن شيء يسكت به جوعه، وجد كسرة خبز منقوعة بسائل ما .. فدفعها الى فمه وهو يهمهم راضيا :" هم .. هم .."

****

 نشرت في مجموعة (وطن آخر) القاهرة 1994

تحولت هذه القصة الى فيلم كارتون في محاولة اولى لتحويل قصصي القصيرة الى أفلام،  شاهد الفيلم هنا

.جوع Hunger - YouTube

 

 

الأربعاء، 30 يونيو 2021

غرفة في فندق رخيص

قصة قصيرة

بثينة الناصري

السلم ، في النهار ، يشبه أي سلم آخر : مثلوم  الدرجات ، مقشر  الجدران ، لكنه في الليل يطفح بالرطوبة والعفونة اللاذعة والخوف .

امتدت الى برودة الحائط يد راعشة . كان يرتدي سترة فضفاضة وبنطلونا واسعا متهدلا . تأرجحت احدى القدمين في الهواء مترددة ثم هوت على الدرجة الاولى . اتكأ  الرجل على الحائط فيما رفع قدمه الاخرى ، لكنها لم تلمس الارض .

وإذ ندت عنه صرخة المفاجأة وإحساس داهم بالخطر ،  انزلقت رجله الى هوة .. وقبل ان  تجد القاع لطّت حافة السلم ركبته ودوى في رأسه  انفجار .. مسح يائسا  الارض حوله .. انكسرت ؟

دلّته الرائحة وبرودة  السائل الذي راح يسيح على الدرجات فتعثرت يده بكسرة زجاج. كان القعر سالما مايزال يحوي بقية العرق . ضمه اليه ونظر الى السلم . احتار في أن يصعد مجازفا بالخمرة الباقية او يحتسيها توا ؟ تلفت حوله زائغ العينين .. هل يتركونه حتى يشربها .؟

عبّ العرق ثم تناثرت الزجاجة وهي ترتطم بالجدار . لمّ سترته حول جسده فانخمش قلبه للحنان الذي احس به نحو نفسه. وفي غمرة الدفء لم يعد وحيدا . نظر الى فوق.. ماعاد السلم مضنيا .. صارت غرفته أقرب ، وبدا له انه يستطيع النجاة على أية حال.

حين يقترب من باب الغرفة يلقي بثقله عليه فينفتح .. يندفع الى الداخل.. يقف برهة يبحث بسرعة عن مخبأ .. تحت السرير كما اعتاد ان يفعل .. يقرفص هناك .. يسوي اطراف الغطاء ويبلع لهاثه . صار في فضاء معتم .. ينزوي في ركن من السرير كاتما انفاسه ، منصتا لوقع أقدام تصعد السلم .. تتبعه .  تدخل الغرفة .. تقف عند السرير .

يكتم انفاسه .. ثم تنشق الظلمة فجأة عن وجه أمه .كان وجها  غاضبا قبيحا في غضبه .. تمد يدها عليه .. يزحف بعيدا .. لكنها تمشي اليه على أربع وتنقض حتى يختفي وجهه الصغير تحتها .. ويحس بأسنانها تنغرز في كتفه . يكزّ على شفته لئلا يصرخ .. تغوص أسنانها في كتفه ، وشيئا فشيئا يتخدر لحمه كما يحدث دائما ويعرف عندئذ انه يستطيع ان يتحمل الالم الى مالانهاية.

وقفت المرأة الى جانب سريره . أحس بوجودها فجأة . رأته يحرك يده برخاوة . أراد أن يقول شيئا لكن لسانه كان حجارة ثقيلة .

رأها تجلس دون ان  تعبأ به على كرسي قريب وتمد ساقيها الى حافة سريره . مطّت يدها الى المرآة المدورة التي يرى فيها وجهه  احيانا.. وبدأت تصلح زينتها . لعقت اصبعا وسوت حاجبيها . كانت تثرثر بأخبار زبائنها ..نزلاء الفندق المستديمين الاخرين .. عرفهم جميعا من خلالها .

جاسم يضاجع مرتين في الزيارة الواحدة .. أبو علي مسافر الى البصرة .. غرفة رقم 2 بها زبون جديد، طالب من الارياف ..

كان ينظر الى فمها يتحرك .. يفتح .. ويعوج .. اشار اليها بضعف ان تسكت  وتتركه في حاله . أدار ظهره وكوّر نفسه في  الفراش لاصقا ركبتيه بصدره . قامت اليه المرأة ، دثرته بالغطاء وربتت على مؤخرته وخرجت .

**

مؤخرته مدماة .. حاول ان يخفي ذلك عن امه لكنها صرخت على حين غرة ومزقت عنه الدشداشة واختلط عويلهما.

كانوا اربعة اولاد كبار يلعبون معه . ثم فجأة انقلبت سحناتهم واتحدوا ضده .. كان قد فعل شيئا ما . شتموه ودفعوه دفعا الى زاوية في البستان حيث يلعبون. رأهم يتقدمون نحوه صفا واحدا .. انحصر في الحائط الطيني وتلفت حوله . لم يكن ثمة من مهرب سوى ان ينفذ من بينهم بسرعة .. وكأنهم أحسوا بما نوى فوقفوا متماسكين حتى حجبوا عنه نور الشمس. وبدأ كل منهم يقترح نوع العذاب ولكن اكبرهم والذي مافتيء طوال الوقت يحرك يده داخل بنطلونه ضحك مهتاجا ولفظ كلمة .

وسرعان ماتحول الذين كان يعرفهم الى وحوش .. انتزعوه من الزاوية .. طرحوه أرضا وصلبوه تحت افخاذهم المتوترة . صرخ فكمّ احدهم فمه حتى اختنق ..

 دفع اللحاف عن وجهه .. حاول ان ينهض لكنه سقط منهكا .

متى تركته المرأة ؟ نظر الى الباب بقلق . لماذا خرجت اليوم متعجلة على غير عادتها ؟ ربما لم تأت حقيقة ؟ قد يكون حلما آخر ؟ لكنها اعتادت ان تأتي كل اسبوع في اليوم نفسه .. أي يوم هذا ؟ لايمكن ان يكون الخميس لأن الحمام كان  مغلقا . واعتادت ان تجعل منه محطة استراحة ريثما تعدل زينتها قبل ان تنتقل من زبون الى آخر .

هل تدبر أمرا ما؟ هل يمكن ان تكون واحدة منهم؟. حين استوعب عقله هذه الفكرة .. فتح عينيه بقوة وشعر ان عليه ان يبقيهما مفتوحتين مهما كلف الامر . كما ان عليه ان يصحو وينهض . هناك أمر يُبيت ضده في هذا الفندق . أحس بذلك منذ وطئت قدماه عتبته . ويجب ان يفعل شيئا قبل فوات الاوان . لم يكن وهما إذن . طالما تصنت في الليالي السابقة الى وقع اقدام خفية تروح وتجيء خارج غرفته .. ربما تتجه نحو بابه الليلة؟

تراخت جفونه قليلا فشدهما بيديه معتصرا صدغيه النابضين بهاجس حارق .. لهذا ارسلوا المرأة في غير موعدها لتتأكد من انه سكران ولا حول له .كم مضى على خروجها ياترى؟ ربما  اوصلت النبأ الان .. ولم يبق غير لحظات .. ولكن هل جاءت حقيقة ؟

عذبته شهوة في ان يستسلم لمصيره الذي يتربص به منذ أمد بعيد . يغطي رأسه باللحاف ويهدأ وينتظر . تسارعت دقات قلبه . لكن .. لابد من حل عاجل لورطته لئلا يفاجأ وحيدا أعزلا . أول شيء أن يغادر الفراش . أن يصحو .. يصحو . مد يده الى دورق الماء الموضوع الى جانب السرير ودلق الماء على رأسه .

ساحت البرودة داخل أذنيه وعلى صدره  وانسلت قطرات تجري على طول ظهره . كان يرقب بقبقات المطر في حوش الدار .. يحاول ان يجسها بإصبع حرة .  يحس بفرح يمطر داخل جلده .. ينط واقفا ويدور حول نفسه رافعا رأسه وذراعيه الى المطر . تنتفخ الدشداشة بالهواء و هو يدور ويدور .. يرفرف بذراعيه كجناحين ويطير ويطير حتى ينقع المطر شعره وتلتصق ملابسه بجسمه  الصغير مثل عصفور اغرق ريشه  المطر . 

وينتفض من لسعة برودة مفاجئة فيركض الى  الغرفة .. يلبد قرب "البريمز"* يحتضن جسده المرتعش بذراعيه  النحيلتين ورائحة شاي العصر تملأه بالدفء. 

من الزاوية البعيدة التي قرفص فيها كان يرى ضوء الممر يترامى على عتبة باب غرفته خافتا تقطعه بين حين وحين ظلال تتحرك . تبطيء . تقف .. تقترب.. تجتمع الظلال .. وتتفرق .. ثم تقترب حتى تحجب ضوء الممر .  انهم عند الباب. 

استجمع قوته ودون أن يصدر أي صوت بدأ يحبو على أربع حتى وصل  الى السرير، وخبطت يداه جيب سترته . أخرج مفكرته وقلمه . اقتطع بضع وريقات وخربش على كل منها كلمة حاول رغم الظلمة وارتعاش يده ان تكون واضحة قدر الامكان . زحف حتى النافذة .. فتحها بما يسمح ليده ان تفلت  الاوراق ثم  اغلقها بسرعة وانسل عائدا الى زاوية الغرفة .

تحركت أكرة الباب .. لابد ان الاوراق قد سقطت على الارض الان .. تخلخل  الباب تحت اكتافهم .. استطاع ان يرى خطا من ضوء  الممر  على طول حافة الباب . ولكن هل من فرصة في ان تقع الاوراق بيد احد ما ؟

كم بقي من الليل ؟

خارج النافذة تهاوت  اوراق صغيرة لعب الهواء بها .. بعضها علق في شجرة كاليبتوس وبعضها هبط على الرصيف لحظة مرور الخفير  الليلي  الذي التقط  الاوراق الساقطة ونظر فيها وقلبها . ثم استند بظهره الى جدار ،  وأرخى البندقية الى جانبه .. وتفحص الاوراق مرة اخرى .. الكلمة نفسها  على مايبدو .. ابتدأ يتهجى .. أ .. ن .. ق .. ذ.. و .. و.. ني ..وكرر  بصوت عال " أنق ؟" "ذوني ؟" وتنهد وهو يكلم نفسه " كان يجب ان اتعلم القراءة" ثم كور الاوراق ورماها الى جانب الحائط وامتشق بندقيته وواصل طريقه.

 +++

* البريمز – التسمية  العراقية للموقد الصغير النفطي ذي الفتيلة . ويبدو ان كلمة بريمز كانت الاسم التجاري الاجنبي لهذا النوع من المواقد وصار اسما معرفا لها . 

** نشرت  القصة في مجموعة (وطن آخر)  القاهرة 1994

الصورة بكاميرتي

الجمعة، 25 يونيو 2021

فتى السردين المعلب

كتب باء

قصة قصيرة 

بثينة الناصري

حين دفع الرجل الضئيل باب المطعم طرفت عيناه لشدة الضياء فى الداخل وكاد بياض الموائد وبريق الاقداح يعشى بصره فجمد حائرا موزع النفس وفيما هوعلى تلك الحال راى النادل الانيق يتقدم منه بخطوات ثابتة فدب فيه خوف والتفت صوب الباب يغمره احساس بأنه قادر بوثبه سريعة واحدة أن يصل إليها قبل أن يدفعه الرجل دفعا وكان هذا ما يزال يتقدم منه لكنه فى اللحظه التالية تذكر أنه يرتدى البدلة الجديدة التى أشتراها عصر اليوم وانه قد حلق ذقنه ومسد شعره ثم هناك ومد يده بسرعة إلى جيب الستره الداخلى وجس للمرة ألالف حزمة النقود.
 وقف النادل فجأة فتراجع الرجل خطوات لكنه تسمر فى مكانه حين  رأى النادل يفحصه مليا
ثم يبتسم بأدب ويشير إلى مائدة قريبة، أسرع الرجل إليها وارتمى على الكرسى بلهفة وكأنه يخشى أن يبدل احدهم رأيه،  ثم كان يحس بشكل ما،  أنه لو جلس واختفى نصف جسمه على  الأنظار لما ارتاب احد فى أنتمائه إلى مثل  هذه الأمكنه. والأمر يختلف حين تكون واقفا والعيون الفاحصة تعريك من بدلتك الجديدة وقد تنفذ إلى ثيابك الداخلية المقطعة.
ولأول وهلة حار أين يضع يديه وبعد تردد طويل ارتأى أن يسند اليمنى على طرف الكرسى والأخرى يمس بها  ركبته. ومن جلسته المسترخية المتوترة تلك استطاع ان يدير رأسه حوله  ويألف النظر فى الوجوه دون أن يحمر وجهه .
رأى  بضع ياقات منشاة واربطة حريرية  وستر تحيط ابدان اصحابها مثل الخاتم بالاصبع ، ثم نظر الى نفسه : اى شىء فيه يختلف ؟ بل يكاد يقسم انه يحمل من النقود  ومست اصابعه جيب السترة -  اكثر مما لدى اى واحد منهم ... ربما صفرة الوجه تفضحه؟
لكن من يحدس ان الجوع كان السبب؟
وحين وصل الى هذا الحد من التفكير تنفس بارتياح وارخى ساقيه مد يده فى احد جيوبه واختار بمهارة احسن اعقاب السجائر الموجودة فيه لكن ما ان رفعه الى شفتيه حتى انتبه فجأة للعقب المطفأ بين اصابعه فرماه  الى الارض بسرعة  وكأن نارا لذعته .
اخرج من جيب اخر علبة السجائر الاجنبية وكان قد اشتراها لتوه  مزق السيلوفين بهدوء وتناول سيجارة مترفة وضعها بين شفتيه ، وفيما  كان ينفث الدخان بمتعة لم يشعر بها من قبل ، لاحظ لأول مرة ان اللونين الاخضر والبرتقالي يشيعان بإلحاح وأناقة في جدران واثاث المطعم .... حتى منفضة السجاير على مائدته كانت برتقالية وعلى المائدة المجاورة خضراء ....   لابد ان صاحب المطعم قد اختار اسما ملائما لمحله ... ولو كان الاختيار له لسماه الخضرة والبرتقال او ربما شيئا اكثر شاعرية مثل العشب والشمس؟
قطع خياله حضور غريب الى جانبه . رفع رأسه ... كان النادل ينحنى على المائدة يمسك قلما ودفترا ، فاُخذ الرجل على حين غرة ، ولم يدر ما يفعل سوى ان يطفىء السيجارة ويرمى عقبها فى جيبه ....   ولم ينتبه للمعة الغريبة التى انسلت الى عينى النادل ولا ابتسامة الهزء التى ارتسمت على وجهه ولا النبرة الوقحة التي قال بها :
- طلباتك
اذ رد دون اكراث :
-         قائمة الطعام .... من فضلك :
وحين قذفت القائمة امام وجهه شمر عن كمية وفتحها ... طالعته اسماء اجنبية لم تطرق سمعه من قبل وخشى  من السؤال ان يفضحه كما قدر انه لن يستطيع لفظ الكلمات صحيحا .....
وحتى يكون فى الامان وضع القائمة تحت انف النادل واشار الى الاسماء المكتوب امامها أعلى الاسعار.
تردد النادل فى كتابة الطلب وسأل الزبون :
- تريد هذا ... وهذا ؟
واتقلت الحيرة للرجل :
- اه .. اى شىء تقترح انت ؟
- سمك ؟
صرخ الرجل :
- سمك ؟ لا !
واضاف بغضب :
-         يسبب لى حساسية : اتينى بما طلبته.
  اى قدر وضع هذه الكلمة فى فم النادل ؟ اى عذاب ؟ وكان قد عزم اثر ضربة الحظ الاخيرة ان يحذف الكلمة من حياته بعد ان ظل طوال الشهرين الاخيرين لا ياكل غير وجبه واحدة فى اليوم من السردين .... مرة تكون غذاء ومرة عشاء.
وكان ترفا ان يحصل على صنف مغاير لما اكله فى اليوم السابق
ومن رحمه الله ان هناك اصنافا متعددة من السردين بالزيت ، بالطماطم ، بالليمون، بالفلفل وكانت ثيابه القديمة تفوح دوما برائحة السمك حنى عرفته جوقة كلاب الحى  وصار عليه ان يبذل الكثير  لصدها عن السباق للقياه او التعلق باطراف سترته او السير خلفه مسافات طويلة حتى ينال منها التعب او اليأس.
وكم كان ثأره منها اليوم شديدا حين طرق الحى لابسا بدلته الجديدة وما ان هرعت الكلاب لاستقباله كالعادة حتى رمى اليها بثيابه القديمة فهوت عليها نهشا لكنها ما وجدت  غير بقع الزيت تلحسها وفتاحة العلب التى اثارت معركة ضاربة انتهت بعواء حاد وبضعة اسنان مكسورة، وضحكة عميقة لم يستطع ان يكتمها الان وهو يرى اطباقا عامرة توضع فوق مائدته وكالمأخوذ تناول الشوكة والسكين ثم اعادهما  الى المائدة وجلس ينظر حالما مدهوشا.
فى احد الاطباق كانت ثمه قطعة لحم سمينة محمرة يزين حواشيها قضبان من ذهب اصفر
مد اصبعا حذرة ولمسها : كانت ساخنة هشة .......   هل يمكن ان تكون بطاطس؟
لطع اصبعه والتهمت عيناه الطبق الاخر كانت تغطيه شريحة لحم رقيقة ينتشر عليها رذاذ اسمر مع كومة قضبان البطاطس الذهبية ايضا ..... وصحن ثالث مستطيل تطرزه ورود حمراء وخضراء وبيضاء وكم كانت دهشته عظيمة حين تعرف على ورقة خس صغيرة وقطعة خيار وشريحة طماطة ....   وحبات زيتون.
رفع يده ..... حرام ان يختل هذا التشكيل الجميل .... وفى وسط كل هذا تنهض القارورة حملها والرهبة تملا جوانبه... قربها من الكأس فاندلقت حمرة الشفق فيه .
احتوى الكأس بين راحتيه كان مثل كرة بلور ساحرة.
راح يتأمل فيها ايامه فرأى باب الجنه يفتح  ينحنى رضوان ويشير الى اريكة قريبة.
يدخل بين اكوام من الذهب الساخن الهش ترى تحته انهار كوثر.. لاسمك يسبح فيها وانما قطع من اللحم يقطر منها السمن وافخاذ فراخ مشوية .
اعاد البلور الى موضعه فارتجت شمس الغروب فيه .
اطال بصره فى المائدة ثم نادى النادل الذى كان يقف على كثب يترصده:
- اين الحلوى التى طلبتها ؟
- بعد الاكل؟
- اريدها الان .
خففة ناعسة من الكريم والشيكولاتة كانت الحلوى يزينها نثار فستق وكرات من العقيق الاحمر .
دفع كرسيه الى الخلف وامال رأسه وهو يتأمل المائدة بنظرة حالمة عبثت يداه بالشوكة والسكين ثم تركهما تسقطان الى جانبه .
ادرك الان انه لن يستطيع ان يأكل !
غمر رأسه دوار خفيف وخوف لاحد له وهو يحس بقطعة حامضة تطفر من جوفه الى بلعومة اغمض عينيه اذ كان مرأى الاطباق يزيد من غثيانه .
هل هذا ممكن ؟ احس بالرعب يتنامى فى داخله .
دفع طبق اللحم بكوعة وافسح لرأسه مكانا على المائدة.
وحين زكمت رائحة الشواء أنفه عرف انه وصل قمة البؤس وان لاشىء بعد هذا، فانفجر باكيا . وعلا نحيبه ، واهتزاز جسمه حين ادرك بغريزة لا تخطىء انه يوشك ان يصرخ بالنادل ويطلب ... سردينا  .

 ----

* نشرت في مجموعة "موت إله البحر" القاهرة - 1977

 

 


الأكثر مشاهدة خلال 30 يوما