السبت، 15 مايو 2021

سيناريو فيلم صامت: مشهد أول وأخير

 بثينة الناصري

 (من مجموعة حدوة حصان المطبوعة 1974)  

(ملاحظة من المؤلفة:هذا ليس سيناريو فيلم وإنما قصة قصيرة اقتبستْ شكل سيناريو لهذه التراجيديا التي طالت أكثر من اللازم. مهداة الى أهلنا في فلسطين)


يملأ الشاشة دخان كثيف. تهبط الكامرة على شجرة زيتون مشطورة وقد مس جزء منها الأرض. تظهر فردة حذاء رجالي عتيقة ممزقة الحواف ملطخة بدم طازج. الكامرة تستعرض خياما هاوية، محترقة، يتصاعد منها دخان وغبار. حركة طفيفة خلف مزق خيمة. لقطة قريبة لوجه طفل يطل من الخيمة، ينظر الى الكامرة دهشا، في الثالثة من عمره، عيناه سوداوان وشعره أسود مترب، في وجهه الأبيض بقع سود. يتلفت حوله، يبدو عليه الفزع، يرد رأسه خلف الخيمة، ولكنه بعد قليل يطل مرة أخرى. يتعثر بخطى متأرجحة. تتحرك شفتاه دون صوت "ماما .. ماما"

تستعرض الكامرة أنقاض الخيام. الأرض المحفرة. صوت الطفل (خارج الكادر) ماما.. ماما. خشيش النار يغطي على صوته.

الكامرة تتابع ظهر الطفل وهو يتعثر بين الركام بحثا عن خيمته. يدور بعينه حوله ثم يكمد وجهه.

لقطة لشجرة الزيتون المحترق

(خارج الكادر) صوت الطفل ينفجر باكيا، يتحول الى نشيج متقطع.

لقطة قريبة لوجه الطفل، يسكت ويلتفت التفاتة حادة.

الكامرة على كومة حجارة تتحرك. تدخل الكادر يد الطفل ترفع الحجارة

لقطة لوجه الطفل المندى بالدموع ضاحكا.

الكامرة على وجه قطة سوداء ينبثق من بين كومة الحجر. تذعر القطة. تموء. يضحك الطفل. تطفر القطة بعيدا، يعدو خلفها. تتسلق الزيتونة . تنظر اليه مرتابة. يقعد على التراب يسند ظهره على الزيتونة. تشغل اهتمامه فردة حذاء، يلتقطها.

القطة في أعلى الشجرة تدفن لسانها في شعر ظهرها بطعنات متواترة. تتلفت حولها بحذر، ثم تثني مخلبيها الأماميين تحت صدرها وتغفو

صوت طفيف غامض خارج الكادر. تنتبه القطة. يتسع بؤبؤا عينيها وتنظر الى الأسفل.

لقطة من الأعلى . الطفل يضع قدمه في الحذاء ويدق به الأرض مقلدا الكبار.

ينطبق جفنا القطة مرة أخرى.

الكامرة على الطفل. يتوقف. ينظر باتجاه الخيام "ماما؟ ماما؟" يجر قدما يثقلها الحذاء، الى الشجرة. يجلس ساهما "ماما؟" يبدو عليه الغضب فجأة فيصرخ "ماما؟" تسيل دمعتان ويصيح بأعلى صوته "ماما!".

تثب القطة من الشجرة . تجلس على مقربة منه ترقبه بعينين لاتطرفان. الطفل لايأبه لها. يضع وجهه على ركبتيه ويبكي. تدنو منه القطة. يبكي. تتسل اليه. يبكي. تمسح رأسها بقدمه. يرفع رأسه. تطفر بعيدا. تمسح ظهرها في جذع الشجرة مرارا .. جيئة وذهابا. يرقبها ضاحكا.

صوت طائرة (خارج الكادر)

يجفل الطفل. يرفع وجهه نحو السماء. تجفل القطة تخفض رأسها، ترمي أذنيها الى الخلف، تتأهب.

++

لقطة من الطائرة الى الأرض. تتأثر الكامرة بحركة الطائرة. الأزيز يعلو.

صوت (خارج الكادر) "شلوم. مازي"(1)؟ "سيم ليف "(2).

تنحرف طائرة القتال الى اليسار.

  لقطة للحذاء العتيق ينقذف بعيدا عن الشجرة، تدخل الكادر القطة بقفزة واحدة. تنشب مخالبها في الحذاء. تحمله وتنقلب على ظهرها. يدنو منها الطفل حذرا ترمي الحذاء وتعتدل. تنظر للطفل نظرة لعوبا متوثبة. يهجم عليها. تروغ من يديه. تختفي تحت خيمة متهاوية. يدخل خلفها الطفل.

++

لقطة من الطائرة. الأرض ساكنة صامتة. تتصاعد خطوط خفيفة من الدخان. الطائرة تحوم فوق المنطقة. لاشيء. وكان الطيار على وشك أن يقسم أنه شاهد شيئا يتحرك. على كل حال، دورة أخرى و"بيعود ميعات ايجمور" (3)

++

كركرت ضحكة الطفل وخرج من الخيمة يضم على صدره كرة الفرو السوداء. تمطت القطة بين يديه. شد عليها الخناق. لوت رأسها وعضت رسغه.

++

"شنايم" (4) الطائرة تملأ الشاشة. لم يكن مخطئا إذن.. "توف ميئود" (5) حدد الهدف تماما، وانحدرت الطائرة نحو الحركة وسط الأنقاض.

++

آخ .. تركها تنزلق الى الأرض. مسح موضع أسنانها على رسغه حتى انبجست نقط دم. غضب. نظر حوله فوجد فرع شجرة محترق. حمله وركض به نحوها. تقافزت القطة هنا وهناك. حام حولها صارّا على أسنانه. تقلبت على ظهرها أمامه ثم مدت مخالبها تداعب طرف العصا. لطمها على رأسها. ماءت واختفت تحت الخيمة . لبد على كومة الحجارة ينتظر.

++

 لقطة من الجو للمخيم. لاحركة .. لاشيء .. عدا الدخان الذي بدأ يتبدد. "سيم ليف"! كمين مخربين ولاشك. مناورة هي إذن؟

لقطة متوسطة للطفل لابدا على الحجارة. صوت أزيز الطائرة خارج الكادر. نظر الى السماء حائرا. تحركت شفتاه دون صوت "ماما؟ ماما؟"

هز رأسه واخضلت أهدابه بالدموع. وقعت عيناه على العصا المتفحمة في يده. رماها وطفق يبكي بصوت عال. أزت الطائرة فوقه، وظل يبكي. علا صوته.

برز رأس أسود. و انسلت القطة الى جانبه. تمددت قرب قدميه. أزت الطائرة ، يملأ صوتها الفضاء.

لقطة قريبة لحضن الطفل تحوطه ذراعاه المتصالبتان على ركبتيه، ومؤخرة القطة وهي تدس جسمها بحذر وهدوء لتكمن فيه.

يتحرك الطفل بأناة. تربض القطة في حضنه. يمسح رأسها مترفقا ثم ينظر شاردا حوله.

لقطة استعراضية للخيام المقوضة، تتوقف عينا الطفل عند خيمة يعرفها. ينهض ضاما القطة الى صدره ويتجه نحو الخيمة . يكاد يركض.

++ 

"أتا مخان؟ " (6)

"مياد "  (7)

تنقض الطائرة. لقطة من الجو للجسم الصغير المتحرك. بياض يضم سوادا., يركض، تنحدر الطائرة .. تحدد الهدف، "توف ميئود". إضرب! صوت قاصف.

تخمد الحركة.

لقطة استعراضية طويلة على الأبيض والأسود يغطيهما أحمر.

________________

هوامش اللغة العبرية

 (1) مازي: ماهذا؟

(2)  سيم ليف: انتبه

(3)   بيعود ميعات ايجمور: بعد قليل أنتهي

 (4) شنايم: اثنان

(5) توف ميئود: جيد جدا. عال.

(6) أتا مخان: مستعد

(7) مياد : فورا

 

 باء

الأحد، 14 مارس 2021

عودة الأسير

 

قصة قصيرة: بثينة الناصري

(مهداة الى اسرى الحروب في كل مكان)

 

قبل كل شيء لم يكن المنزل الذي عاد اليه بيته ولا المرأة زوجته ولا الاولاد ابناءه . أخذته السيارة الى دار ذات طابقين مطلية باللون الابيض تحيطها حديقة واسعة في حي لم يطأه من قبل في اطراف المدينة . في الداخل كانت ثمة امرأة نحيفة تتحرك عروق رقبتها بعصبية وينكمش جبينها بتقطيبة لم تفلح في ازالتها الابتسامة التي غطت وجهها وهي ترحب به . اندفعت نحوه اول ما وضع قدمه داخل الدار ثم بدا وكأن شيئا ما قيد اندفاعتها فتوقفت ومدت له يدها.

أما الاولاد فقد جلسوا مسمرين على الارائك داخل الصالة محرجين ويبدو عليهم الاضطرار لالتزام السكون والادب وكأنهم في حضرة ضيف سيغادر بعد قليل. كان يعرف ثلاثة منهم وان كان عليه الان ان يستعيد اسماءهم ويتأكد من منهم من – اما الرابع اصغرهم فلم يتعرف عليه من قبل ولا يعرف حتى اسمه فقد ترك امه حاملا به قبل عشر سنوات.

ابتدأ التعارف باسئلة عامة منه واجوبة مقتضبة منهم وانتهى الى صمت حرج معلق فوق الرؤوس. سأل المرأة دون ان يستطيع رفع عينيه في وجهها :

- متى اشتريتم المنزل ؟

حتى صوتها تغير ، ازداد خشونة وهي تقول :

- لم نشتره جاهزا . لقد بنيته شبرا شبرا . بعت القديم واقترضت من البنك وقد وقفت بنفسي على العمال . كان وقتا عصيبا مع مسؤولية تربية اربعة اولاد .

قال وهو يتلفت محدقا الجدران والسقف:

- لقد انجزت عملا رائعا .

قالت : وسددت آخر قسط من القرض العام الماضي.

- لم يدر في ذهني ابدا انك قادرة على الوقوف على قدميك . المرأة التي اتذكرها كانت تعتمد عليّ في كل شيء . عندما كنت افكر بكم هناك كان هذا الشعور يعذبني .

- كان وقتا عصيبا وعشر سنوات ليست بالقليلة.

- كلا

- والايام تغير الانسان

- نعم

قالت بحماسة :

- هل تحب ان تتفرج على البيت ؟

- كما تحبين.

**

غرفة النوم لم تتغير. الشيء الوحيد الذي لم يصبه التغيير واحس بالعرفان لها ، فها هو الدولاب ذو الاربعة ابواب ، وتاج الخشب المحفور بالورود والطيور ومنضدة الزينة بالمرآة المربعة التي يتوقف امامها الان فلا يرى الوجه الذي عرفته هذه المرآة منذ عشر سنوات خلت. لقد ازداد نحافة وبرزت عظام وجهه وابيض الشعر وانحنت الكتفان بهمّ يضيف سنوات زائفة الى عمره الحقيقي.

عندما حان وقت النوم ، كان السرير هو نفسه الذي ضم احلامهما معا في الماضي من زمانهما والذي طالما حلم ان يعود للنوم عليه ولكن الرجل والمرأة كانا غريبين . حاذر ان يمس جسدها وهو يغرق في جانبه من الفراش الوثير واحس بها تنكمش بعيدا. حدق في سقف الغرفة يضيئه شعاع القمر المترامي عبر الشباك وراحت افكاره تسبح آلاف الاميال – تعبر الحدود الى معسكر الاسر . رأى وجوه من بقي من رفاقه.

تخيلهم يفترشون الارض غارقين في نوم ثقيل بعد عناء اليقظة ترف على محياهم ابتسامات خاطفة وهم يحلمون بالعودة الى البيت . تصطك الابواب الحديدية فجأة ويصرخ بهم الحراس بخشونة (انهضوا) .

ينتبهون من احلامهم ليجدوا انفسهم يدفعون بعصى غليظة الى باحة المعسكر . يقعي في الطابور الطويل ويداه اعلى رأسه . يتمشى بينهم ضابط لم يتبين وجهه . كان يتحدث برتابة (لقد تخلى عنكم وطنكم . انكم هنا معنا الى ان تتعفنوا ) تزداد اشعة الشمس لهيبا . يحس بتشنج ذراعيه وساقيه وجفاف حلقه وانه لن يستطيع التحمل لحظة واحدة بعد الان . يقع على الارض ، يتكالب عليه الحراس بالعصي ويسحب على الارض من يديه حتى تكادان تنخلعان ، يفتح باب زنزانة صغيرة مثل القبر ويرمى بها وتغلق الباب باصطفاق يرن في دماغه. يرفع رأسه – يجد ان سقف الزنزانة لا يسمح الا بأن يجلس مطويا . يتكور في الظلمة وهو يئن انينا متواصلا مثل حيوان جريح.

يسمع اسمه يتردد باصرار ، يفتح عينيه على سعتهما في الظلام – ثم فجأة يغمر نور باهر المكان فيغمض جفنيه تألما:

- هل انت على مايرام ؟

- ماذا حدث ؟

- لقد كنت تئن

- كنت احلم .

يحرك لسانا جافا في فمه وهو يضيف:

- هل يمكن ان اشرب؟

تأتي له المرأة بقدح ماء يعبه بلهفة .. ثم يستند على ظهر السرير . لم يعد يشعر بالرغبة في النوم .

- هل تتصورين ؟ كنت هناك احلم كل ليلة بالبيت والان وانا في البيت وعلى سريري احلم بالمعسكر. يبدو ان العذاب لم ينته بعد.

- اذا كنت تريد ان تتحدث فإني مصغية

- كنت اريد ان اسألك لماذا لم تبعثي لي بطاقة او رسالة طوال هذه السنوات ؟

- لم نكن نعرف انك على قيد الحياة

- لماذا لم تحاولي ان تعرفي عن طريق الصليب الاحمر كما يفعل الجميع ؟

- لقد حاولت في البداية وقيل لي ان اسمك لم يكن مسجلا لديهم .

قال بحدة :

- لو كنت بذلت جهدا اكبر لعرفت طريقي ولكنكم تخليتم عني.

ارتفع صوتها وهي تقول:

- ليس لك ان تلومني . كان ظرفا عصبيا وكان عندي من الهموم مايكفيني .. وقد اعتبرك الجميع مفقودا.

- من الواضح ان ظهوري مرة اخرى غير مرغوب فيه . فها انت ترفعين صوتك علي والاولاد لا يعرفونني ، فلم يكن عندك وقت لتحدثيهم عني . كنت مشغولة ببناء البيوت. ماذا كان يعيب بيتنا القديم ؟

نهضت من السرير وهي تقول بحزم :

- لن ارد عليك .

وغادرت الغرفة وهي تصفق الباب بشدة.

تلفت حوله مثل حبيس شاعرا ان الجدران تضيق والسقف يهبط حتى لا يستطيع ان يرفع رأسه ، فيكور جسده على السرير وقد ملأه احساس انه لم يغادر اسره وان كل ماحوله زائف. وكأنه يرى كابوسا لا ينتهي . منزل واسع يكاد يطبق عليه - اولاد غرباء وامرأة لايستطيع ان يمد نحوها اصبعا .

**

انسل مع نور الصباح محاذرا ان يحدث صوتا .. خرج الى الحديقة . هز غصن شجرة قريبة فتناثر الندى على وجهه وملابسه .حانت منه التفاتة الى جانبه فرأى اصغر ابنائه يجلس على السلالم المؤدية الى المنزل . كان يضع رأسه بين كفيه مستغرقا في التفكير أوالتأمل او الحزن . جلس الى جانبه فبدا على الولد كأنه اخذ على حين غرة فابتعد قليلا عن الرجل الذي سأله :

- ماذا تفعل هنا في هذا الوقت المبكر ؟

- افكر

- اليس عليك ان تذهب الى المدرسة ؟

- لا اريد ان اذهب اليوم الى المدرسة

- اذن لا داعي للذهاب الى المدرسة .. انا ايضا اريد ان اجلس مع بضعنا لنتعرف اكثر.

- لكني لا اريد الذهاب لسبب آخر

- لابد انه سبب وجيه . هل لي ان اعرفه ؟

- بسبب صديقي.

- ماذا فعل ؟

- انه جارنا ايضا ولا بد انه عرف برجوعك وسيخبر الجميع في المدرسة بذلك

- وما الضير في ذلك ؟ ما العلاقة بين ان يعلم الجميع برجوعي ورغبتك في الغياب ؟

حنى الولد رأسه وتمتم :

- لأن الجميع يعتقد انك مت شهيدا منذ عشر سنوات.

ألجمته المفاجأة فوجم ، ثم تساءل بعد فترة صمت طويلة :

- هل انت الذي اخبرتهم بذلك ؟ ما الضير ان اكون اسيرا ؟

لزم الولد الصمت .

- هل كنت تفضل ان اكون ميتا؟

اندفع الولد يتكلم بسرعة وقوة وكأنه يكرر درسا محفوظا :

- اصدقائي يقولون ان الشهيد يموت وهو يدافع ، اما الاسير فإنه جبان يستسلم من اجل ان يعيش .

ابتلع ريقه وهو يقول :

- في الحرب الحقيقية الامور ليست دائما على هذا النحو ، فليس كل اسير استسلم لأنه جبان .. فقد يكون هناك خطأ ما في خطة قائده .. او تكون الذخيرة نفدت او ربما بسبب تكاثر الاعداء على غير المتوقع .

هز الولد كتفيه غير آبه وقال :

- كنت اريدك ان تظل شهيدا في عيون اصدقائي .. كيف اريهم وجهي بعد اليوم ؟

- كنت تفضل ان اكون ميتا ؟!

هز رأسه غير مصدق ماسمعته اذناه ، وازداد احساسه بالمرارة واليأس .

هاهو اصغر ابنائه يتمنى ربما في اعماقه لو لم يعد. ان يظل رهن الاسر نسيا منسيا لئلا تحرجه عودته امام اصدقائه . ماذا عليه ان يفعل ؟ هل يبحث عن حرب يقاتل فيها حتى يقتل ؟ نهض فجأة وكأنه عزم على أمر وصعد السلم الى باب المطبخ فالتقت عيناه بعيني زوجته التي كانت واقفة في الباب وفهم من نظراتها انها استمعت الى المحاورة مما زاد من شعوره بالعار وبأنه غير مرغوب فيه في هذا البيت. اجتاز المطبخ بعزم وثبات الى الصالة ومن هناك ارتقى السلم الى غرفة النوم .

**

نهض من جانب ابنه واتجه الى المطبخ . التقت عيناه بعيني بنظرة بدت لي مليئة باللوم والعتاب ، ثم اخذ طريقه عبر المطبخ الى الصالة وصعد السلم الى غرفة النوم . قلت في نفسي: لندعه يهدأ ويعود الى طبيعته . كان الاولاد قد ذهبوا الى مدارسهم ماعدا الصغير وانهمكت بعدها بتحضير الغداء فلم افطن لشيء غير عادي. حين رجع الاولاد .. هيأنا السفرة لتناول الطعام وجلسنا على المائدة كالعادة ولم نفتقده الا بعد ان قال ابني الكبير:

- اين هو ؟

لم يقل (ابي) فطلبت منه ان يذهب لمناداته . بعد قليل رجع قائلا ان لا أحد يرد من خلف الباب المغلق . عندئذ شعرت بالانزعاج حقا وخطر لي خاطر لا أدري من اين جاء : ان يكون قد فعل بنفسه شيئا ، فإنه منذ ان عاد لم يكن طبيعيا . هرعت اقفز على السلم يتبعني الاولاد. دفعت الباب بقوة لأجد نفسي وسط فراغ الغرفة .

- اين ابوكم يا اولاد ؟

- لعله في الحمام ؟

ذهب احدهم الى الحمام فلم يجده ايضا .

وكررت السؤال :

- اين ابوكم يا اولاد ؟

قال الكبير :

- لقد اختفت حقيبته التي جاء بها .

قال الصغير :

- ربما عاد الى حيث كان ؟

نهره آخر :

- اسكت يا غبي!

**

نهض من جانبي وهو يهز رأسه . كانت امي تقف على باب المطبخ . تزحزت من طريقه فاختفى في الداخل.

وبعد لحظات دخلت وراءه . لم يكن في اي مكان . ذهبت الى غرفتي واخرجت مجلاتي التي قرأتها مرارا وجلست اتصفحها مرة اخرى فلم يكن لدي ما افعله غير ذلك . بعد قليل سمعت صوت اقدام متلصصة على السلم . واربت باب الغرفة واخذت بعين واحدة ارقبه وهو يهبط السلم حاملا حقيبته الصغيرة التي جاء بها البارحة . تلكأ قليلا قرب المطبخ مترددا ثم تسلل خارجا من الباب الخلفي . مشيت وراءه بخفة ملتصقا بالحائط ، ومن فتحة باب الحديقة رأيته يتوقف وسط الدرب متحيرا يتلفت يمينا تارة ويسارا تارة اخرى ثم هز حقيبته وكأنه استقر على رأي وسار يمينا في اتجاه الشارع الرئيسي . تابعته بعيني وهو يبتعد .. ذلك الرجل النحيل ذو الشعر الاشيب والظهر المحنى الذي قدم الينا بالامس وبات الليل في بيتنا وحدثني قليلا هذا الصباح .. تابعته حتى تلاشى في الافق .

---------

كتبت نيسان 1995

نشرت في مجموعة (الطريق الى بغداد) 1995

(الصورة المرفقة: لوحة بعنون (عائد من الموت) للفنان الروسي ايليا ريبين. ذكرتها الروائية لنا عبد الرحمن في نص لها، فوجدتها احسن لوحة معبرة عن هذه القصة.)

الاثنين، 22 فبراير 2021

قصة حياة "كلير سويتي" القصيرة جدا

 تأليف: بثينة الناصري



 أنهض من الفراش صباح كل يوم. أدخل الحمام، أحدق في وجهي في المرآة، وأتذكر كلير سويت.

قالت مصححة أن اسمها يُنطق (سويتي). وأنها إيرلندية من بلدة كيرك، التي لم  أسمع بها من قبل.

دقيقة ومرتبة، كما يليق بسكرتيرة تنفيذية في المشروع الدولي الذي كنا نعمل به في مدينة السويس. أنيقة ببساطة، نشيطة ومرحة، بالقدر الذي يسمح به دمها الإيرلندي، وقَصة شعرها الأشقر القصير، تحذف بضع سنوات من عمرها الذي لم استطع تخمينه تماما، ولكنها بالتأكيد تعدت منتصف العمر، ولهذا سأتذكر دائما يوم طرقتُ باب غرفتها، في ذلك الفندق في أسوان، الذي قضينا معا فيه اجازة شتائية رائعة. كان الوقت مبكرا. فتحتْ الباب، فرأيتها لأول مرة بملابس النوم، وشعرها القصير مشوشا، ثم رأيتُ وجهها، بدون مساحيق، وبدون قناع البشاشة والحيوية.

"يا إلهي" هتفتُ في أعماقي "كم هي عجوز!"

والآن، كلما أنهض صباحا، وأدخل الحمام، وأنظر في المرآة،  أتذكر كلير سويتي.

لقد مرت سنوات طويلة، عبرتُ خلالها بسرعة مذهلة، حدود الزمن الذي كان يفصل بين جيلينا. وقبل أيام، وأنا أبحث في أوراقي القديمة، وجدت بطاقة أنيقة صغيرة، كانت كلير قد أرسلتها من روما، مقر الإدارة الرئيسية للمشروع، حيث نقلت إليه، تصف فيها جولة لها في المدينة، كما رأتها في عيد الفصح من ذلك العام 1984.

"إني أقضي وقتا طويلا أتجول في شوارع روما، لزيارة المواقع السياحية. بالأمس مثلا ذهبت إلى مكان يعج بالفنانين، ومقابل مبلغ صغير، يرسمون لوحات بورتريه وكاريكاتير، وكان من الممتع أن اراقبهم وأقارن بين اللوحة والأصل. إن المكان زاخر بالحياة، واللمحات الإنسانية. للأسف، الصورة التي رسموها لي، لم تكن تشبهني اطلاقا. ماذا أقول؟ كانت لعجوز لا أعرفها" ثم أضافت في نهاية البطاقة، جملة ضحكت لها يومها، ولكني أراها الآن غريبة و(كئيبة)

"من فضلك، إبقِ على اتصال، وإبقِ على قيد الحياة"

ذلك أن كلير ماتت بعدها بوقت قصير.

الأربعاء، 3 فبراير 2021

ميلاد

 قصة قصيرة

بثينة الناصري

 كان موتي مفاجأة صاخبة ، آخر ماسمعت صوت اصطدام صخّ أذني ثم صراخ وارتطام جسدي على منضدة حديدية وصليل نصال، وأخيرا صرير باب معدني ثقيل حيث حشرت في درج بارد ضيق ارتجّ وهو ينصفق .. وبعدها احتواني صمت حالك .

هكذا إذن .. 

 لكن وجودي عاريا متخشبا في هذا الحيّز الخانق هو آخر ماكان يخطر على بالي . إنها ورطة لم أتهيأ لها ولم أحقق بعدُ كل أحلامي .. إني حتى لم .. اجل .. هناك شيء ما كنت أريد ان أفعله قبل أن .. بل أشياء كثيرة .

صرخت دون صوت حتى تفجر الدم في عيني  المقفلتين ثم تراءى لي كما لو كنت وسط حديقة كل مافيها بلون الدم .. الاشجار والتراب والحصى . جاثيا كنت في عريي أخشى ان أرفع وجهي للّهيب الذي أحسه ولا أراه ، ثم فتحت عيني .

من بعيد كانت تلوح كوّة نور ساطع . زحفت نحوها ملتاعا ، تلحّ عليّ رغبة واحدة .. أن اعود ..  الى .. أحاول ان أتذكر المكان ؟  هناك ..خارج هذا الجحيم .. ولكن كمثل وريقة طُوِّح بها في نار متأججة ، كنت أحس بكل ما في رأسي .. بكل ما  اختزنته من معرفة .. يسوّدُ ، يذوي ، يتلوّى ، يتساقط رمادا . ألملمُ ما تبقى مني وأجرّ جسدي نحو النور . أمد ذراعي ثم رأسي وتعتريني زمهريرة برد يرتعش لها كياني .

أجدني مرة أخرى في الحديقة ذاتها ولكنها مغطاة بالجليد ، كل مافيها أبيض .. الاشجار والتراب والحصى وضباب بارد يغشى رأسي ويتسرب الى الخلايا ثم ينساب في دمي داخل الشرايين والاوردة طامسا الخير فيّ والشر ، فأغتسل بالبراءة وأنهض ، وقد تسلط عليّ هاجس واحد .. أن اصل الى الخضرة التي تطل من كوة صغيرة نائية ، لعل هناك عالمي الذي عشته من قبل ؟ ومع أني لم اعد أذكر كيف كان أو كنتُ .. ولكن شعوري بالانتماء الى ذلك العالم يشدّ قدمي خارج هذا الصقيع.

وأدلف ثانية الى الحديقة نفسها وقد  اكتسى كل مافيها بلون أخضر .. يغشاني سلام وشيء من الفرح . هل وصلت ؟ لابد أني اوشكت ، سأذكر إسمي .. إسمي ؟ ولكني لا أعرف من .. أنا .. لاشك انه هذا الصمت اللعين الذي لم أعتده . ربما يذكره بعض الذين كنت أعرف ؟ لقد كنت .. بل أني متأكد إني كنت .. كائنا من أكون .. جاهلا ، بريئا ، منسلخا حتى عن إسمي .. يجب ان أخرج من هنا . 

أمد بصري فيرتطم بباب  معدني . في البدء أدرك أني لا استطيع زحزحة أطرافي ، فالمكان يطبق عليّ، فيشل حركتي .. يخطر لي أن لو دفعت برأسي لانفتح الباب .

وهكذا جمعت إرادتي كلها في رأسي كأنها قبضة مضمومة واحدة وضربت الحديد عدة مرات .. دون طائل .

أتوقف هنيهة ألتقط فيها أنفاسي .. الرغبة في الخلاص هاجس لايقاوم حتى يخيل اليّ ان جدران المكان تضيق بي وتحملني في إعصار عارم بدفعة قوية اهتز لها الباب حتى انفرج قليلا .. أم كنت أحلم  ؟

لم يعد ثمة وقت أضيعه .. ضربة أخرى وربما  استطعت ان اخرج رأسي ولو فعلت لتدبرت أمري بشكل ما .

لم أتوقف لحظة لأفكر فيما سيكون عليه حالي خارج السكون والظلام .. أين أذهب ومن أكون ؟

 لقد تجمعت أحلامي في حلم واحد .. هو أن اغادر المكان الذي أحس به الان يطبق علي ويعتصرني حتى كأنه يوشك ان يلفظني خارجه . وأضرب  الباب بكل قوتي هذه المرة ، تلفحني هبة هواء ، فأعرف ان الباب انفتح.

فجأة يصخّ  سمعي ضجيج لا أحتمله ..وصراخ ، ثم أحس بأيد تمسك برأسي وتمتد الى كتفي ، تسحبني بصعوبة الى فضاء أرحب .. يد قوية تمسك قدميّ وترفعني منها الى الاعلى فأظل معلقا برهة في الهواء ..افتح عيني .. يخترقهما ضياء هائل ، فأشهق ، وإذا بماء دافيء يصب على جسدي الصغير ، ثم أمدد على منضدة حديدية ، وأحس بأيد تتلقفني .. تحيطني بقماط يشل أطرافي ، ثم أرفع مرة أخرى ، وإذا بي أهبط على شيء ناعم الملمس . كان رأسي طليقا أحركه كما أشاء .. أتلفت في كل اتجاه .. حتى يتعثر فمي في نتوء لحمي أتشبث به كطوق نجاة ، وفجأة ينساب  الى داخلي سائل دافيء حلو المذاق .. تحيطني ذراعان حانيتان .. أفتح عيني .. فأرى، لأول مرة ، وجه أمي


السبت، 16 يناير 2021

الأستاذ عزمي يغادر المنزل

كتب باء
قصة قصيرة
بثينة الناصري 

 


ساعات الصفاء 

فى الدرج الأعلى على يمين التسريحة، بحذاء سرير الزوجة الذى لم ينم فيه أحد منذ وفاتها قبل ثلاث سنوات، تصطف جوارب الأستاذ عزمى نظيفة، منسقة رغم أنها لم تعد جديدة تماما .. ففى بعضها ثقوب صغيرة وبعضها تهدل واتسع، وآخر ضاق وانكمش. وأغلبها أزواج غير متطابقة، إلا بدرجة متقاربة من اللون، ولكن بسبب ضعف نظر الأستاذ عزمى، مع كبر السن، والإنغماس فى عادة قراءة الصحف اليومية، لم يكن يميز الاختلاف، وغالبا ما كان يستل فردة جوارب سوداء وأخرى رمادية، ولكن ذلك لم يكن يحدث كثيرا، لأنه ما كان يغادر البيت سوى يوم الجمعه، للصلاة فى الجامع القريب، حيث يرتدى جلبابا اعتاد أن يضعه على الشماعة، داخل دولاب الملابس لهذه المناسبة .. وكانت زوجته - رحمها الله- إبّان حياتها وفى ساعات الصفاء، تمسحه بنظراتها الثاقبة، وهو يضع يده على أكرة باب البيت، وغالبا ما كانت تهتف به "رح غيّر الجلباب يا رجل! هل عميت عيناك عن كل هذه البقع والوساخة؟" وكم كان التوبيخ يسعده، ويدفىء فؤاده، معتبرا إياه بادرة حميمة من زوجته التى لم تكن لتعيره أى اهتمام في الأحوال الإعتيادية. 

أما الآن، فلم يعد هناك من يستوقفه عند الباب، بل كان يلتقط عصاه المعلقة على الكرسى خارج المطبخ، ويتأكد للمرة العاشرة من وجود مفتاح البيت فى جيبه، ومن وجود القروش القليلة التى اعتاد أن يدسها فى يد الشحاذ الضرير الذى يجلس، منذ سنوات لا حصر لها، عند باب الجامع.

وكان الاستاذ عزمى، فى رحلة الجمعة هذه، يصادف عنتا شديدا ..

فقد كان عليه أن يجر ساقيه، متساندا على عصاه، هابطا السلالم، من الطابق الثانى فى العمارة، وإذا لم يجد البواب، ليأخذ بيده لنزول الدرجات الخمس التى تؤدى إلى الحوش، كان عليه أن يتساند على الدكة المنخفضة للسلالم، وهو محني الظهر، مما كان يسبب له إحراجا ينسيه آلام ركبتية ... ثم يدب فى الحوش حتى يصل الشارع، فيمشى متباعدا عن السيارات الهادرة. وفى أحيان كثيرة كان يرتد فزعا إلى الخلف متشبثا بعصاه، وهو يفاجَأ بسيارة اجرة لم يسمعها، وهى تقف بمحاذاته لتلفظ راكبا أو تتلقف آخر.

وبرغم كل هذه المشاق، لم يكن الأستاذ يتكاسل عن صلاة الجمعة، فقد كان يؤمن أن كل خطوة صعبة يخطوها فى سبيل ذلك، تُحتسب له أجرا مضاعفا ينفعه فى آخرته. 

حكاية كل يوم

فى الأيام الأخرى، كان نمط حياته لا يتغير. فى الثامنة صباحا يرن جرس الباب فيعرف قبل أن يفتح، أنها أمل إبنة البواب، تحمل له جريدة اليوم، وأرغفة الخبز، قبل ذهابها إلى المدرسة، وكان يهتف .. حيثما يكون:

- نعم يا أمل ... أنا قادم.

تدخل أمل، وهى تحمل فى يد حقيبة المدرسة، وفى يد أخرى أرغفة الخبز ملفوفة بالجريدة. يأخذها منها، فتجلس على الكرسى القريب من المطبخ، ريثما يفتح الأستاذ الثلاجة، ويمد يده يتناول علبة الجبن الابيض، ويقطع أحد الارغفة نصفين، فيمسح أحدهما بقليل من الجبن، ويلف الشطيرة بعدئذ بقطعة من جريدة الأمس، ويقدمها لأمل قائلا مثل كل يوم:

- خذى نصيبك ...  ها ... مبسوطة؟

وبعد أن يغلق الباب وراءها، يرجع إلى المطبخ، فيضع إبريق الشاى على النار، ويجلس إلى المائدة الصغيرة، فى المطبخ يتناول فص ثوم، ويقطعه بأناة عدة قطع، يبتلعها على الريق بالماء، ثم يملأ نصف الرغيف بالجبن، ويصب الشاى، ثم يقطر فيه قطرتين من عصير أعشاب موصوف لشفاء جميع الأمراض.

بعد أن يفرغ، يتحامل على نفسه، ويذهب إلى غرفة الجلوس، حاملا معه الجريدة. يمد يده إلى الرف العلوى فى المكتبة، ويأخذ النظارة الطبية، ثم يرتمي على المقعد الوثير الذى كانت الراحلة زوجته تفضله على سواه، وكان إذا جلس عليه لحظات وأقبلت، ينتفض، ويخلى لها المكان، وقد ظل بعد وفاتها، مدة طويلة، يجلس عليه قلقا، يحسبها، بين فينة واخرى، مقبلة، فيتململ فى جلسته.

الآن يرتخى على المقعد، واضعا ساقا على ساق، يثبت النظارة على عينيه، ويفتح الجريدة .. يقرأ آنا ويغفو آنا، حتى إذا ما انزلقت الجريدة من بين اصابعه انتبه، وأكمل القراءة من حيث انتهى، حتى يغالبه النعاس مرة اخرى، ويصحو على أذان الظهر .

في الساعة الثانية والنصف بعد ظهر كل يوم، كان الأستاذ عزمى ينظر فى ساعة يده، فيعرف أنه قد حان وقت الغداء، فينهض إلى الثلاجة، ليأخذ قِدرا صغيرا إلى المطبخ، ليغترف منه مقدارملعقتين من الخضارالمطبوخ فى طبق معدني، يسخنه قليلا، ثم يفتت فيه قطعا من الخبز. وكان وهو يأكل يفكر فيما يجب أن يطلب من فوزية إمرأة البواب أن تطهو له يوم الجمعة المقبل. 

ما أن ينتهى، حتى يهرع إلى غرفة النوم، شاعرا أن عظامه قد استحقت نوم القيلولة، فيتمدد هامدا على السرير. وفى كل مرة يصحو، وقد انتشر الظلام فيجلس على السرير للحظات، وهو يحوقل ويبسمل، محاولا أن يتبين إن كان عليه أن يصلى صلاة الفجر، أوالمغرب، فيكتشف، فى كل مرة، أن المؤذن يدعو لصلاة العشاء، فينهض مترنحا ويدلف الى الحمام. يتوضأ ويذهب إلى غرفة الجلوس، يفرش السجادة، ويصلى المغرب والعشاء معا، ويطيل السجود، والتهجد، ويدعو لأبيه وأمه وزوجته ... ولأموات المسلمين وأحيائهم.  

وبعد أن يتم واجبه نحو ربه، يقوم عن السجادة مرتاح الضمير، متلهفا على اللحظة التى كان ينتظرها طوال يوم.

يعدل جلسته على المقعد، واضعا جهازالتليفون فى حجره، يفتح دفتر أرقام هواتف أبنائه ومعارفه، على المنضدة المجاورة. 

أي ريح طيبة؟  

فى ذلك المساء الخريفى وأثناء إنهماكه فى هذه العادة اليومية، حدث أن رن جرس التليفون رنينا مفاجئا، وكان الصوت على الجانب الاخرغريبا:

- السلام عليكم .. الاستاذ عزمى؟

- وعليكم السلام ورحمة الله ... نعم ... من؟

- أنا عباس .

- أهلا عباس ...

ثم استدرك:

-  عباس من يا إبنى؟  

- عباس كامل .. ألا تتذكرنى؟ مدرس التاريخ  فى مدرسة نور العلم .

- لا اله إلا الله .. كيف حالك أستاذ عباس؟ طبعا أتذكرك وأتذكر أيامنا الجميلة .. أين أنت الآن؟ كان اخر ما سمعته عنك، سفرك إلى بلد عربى.

- ورجعت منذ سنوات، وحاولت أن أفتح سوبر ماركت، لكنى فشلت، والحمد لله على كل حال.

- أهلا ... أهلا .. عباس. والله زمان ... ولكن  أى ريح طيبة حملتك إلينا اليوم، كما كان يقول أجدادنا العرب؟

- لا .. والله، أنت فى ذهنى دائما، ولكنك تعرف مشاغل الحياة .. وبالأمس .. إبنى محمد هل تذكره؟ صار رجلا ملء هدومه، يعمل محاسبا فى شركة، فاتحنى بفكرة إنشاء مدرسة خاصة، فقلت لن نجد خيرا من أستاذنا وعمنا عزمى لإرشادنا، فهو من أوائل من أداروا المدارس الخاصة فى القاهرة.

اتسعت إبتسامة الأستاذ عزمى، كاشفة عن لثته العارية من الأسنان.

- الله يخليك .. وماذا فى ذلك يا إبنى ... أنا فى الخدمة، تفضل فى أى وقت 

جاء صوت عباس ناعما، مراوغا، مفعما بالغواية:

- لا  لا .. دعنا من جلسات البيوت. أراك غدا صباحا فى مقهى الفردوس. أنت تذكره؟ ليس بعيدا عن مدرسة نور العلم .. ما رأيك؟ موافق؟ نلتقى هناك إذن .. أعزمك على سحلب ونتكلم.

كان عزمى على وشك أن  يقول "ولكنى لا أخرج عادة من البيت"، وكان يمكنه أن يصرعلى حضور الآخر إلى مسكنه، ولكن شيئا ما ألجمه، فقد كان للحديث وقع المفاجأة الحلوة. أن يرغب أحد ما، بعد كل هذا العمر، فى الإستفادة من خبرته. أن يكون ما يزال ذا نفع .. ألا يستحق هذا الإحساس أن يغير لأجله شيئا من عاداته اليومية؟  

الأستاذ يغير عاداته

تلك الليلة لم ينم. ظل عدة ساعات يتقلب ويتعوذ من الشيطان. كان سيل من الافكار ينثال على راسه، كإنثيال حبات مطر خشنة، تتساقط بوقع رتيب سريع. فتح عينيه وحدق فى نور الشارع المنعكس على النافذة المقابلة لسريره، وطفق يرتب الكلام الذى سيقوله لعباس غدا. لابد أن يجمع في دفتيه عصارة خبرته .. سيحدثه عن الإنضباط .. إختيار المدرسين. الإشراف على كل صغيرة وكبيرة .. سيبدأ حديثه هكذا "إدارة مدرسة خاصة مسؤولية يابنى تختلف قطعا عن إدارة السوبر ماركت" أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ما الذى جاء بسيرة السوبر ماركت؟ ربما سيظن أنى أسخر منه، أو أشير إلى فشله فى مشروع السوبر ماركت! وأعاد صياغة جمله، حتى استنفد كل ما أراد قوله، وبلغ به الإجهاد مبلغا كبيرا. تقلب على جانبه اليمين الذى تعود أن ينام عليه. وحينئذ تذكر أنه فى غمرة انفعالاته هذا المساء، نسي أن يبتلع فص ثوم قبل النوم .. وظلت هذه الهفوة تؤرقه حينا، ثم راح فى إغفاءة قصيرة، رأى نفسه خلالها يجوس داخل مدرسة (نور العلم) .

وكان خفيفا، حتى عجب لنفسه، وهو داخل الحلم، كيف استعاد شبابه وقوته بهذه السرعة. ثم لفت إنتباهه لغط يصدر من أحد الفصول، فلما دفع الباب وجد عباس يحاول إسكات الطلاب دون فائدة، فضرب عزمى الباب بخيزرانة قصيرة كانت فى يده، فران الصمت. وتقدم من عباس وسلمه العصا، وهو يقول "الانضباط أولا".

  وتلفت عزمى حوله فرأى التلاميذ مرصوصين على أرفف وكأنهم قرنبيط فى سوبر ماركت. وكان عباس يقول وهو يكاد يبكى "الله يجازيه ... إبنى السبب".

واطلقت رؤوس القرنبيط ضحكات عالية، فيما سمع الأستاذ عزمى صوت شهقته وهو يفز يقظا.

  جلس فى السرير يحاول أن يخترق الظلام بعينيه، وهو يتمتم "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، اللهم إجعله خيرا". وتمدد ثانية فى الفراش، حتى صاح المؤذن الله أكبر، فنهض يسحب ساقه الموجوعة إلى الحمام، ثم أدى  صلاة الفجر. ولم تطاوعه نفسه على النوم مرة اخرى، فسحب علبة الصور القديمة من الدولاب، وأخذ يبحث عن عباس فى صورة زيارة مدير التعليم الابتدائى لمدرسة نورالعلم، حيث توسط الضيف الجليل جموع المدرسين جالسا فى الصف الاول، وحوله الأستاذ عزمى ووكيلا المدرسة، والمدرسون الأوائل، ثم يقف فى الصف الثانى، بقية المدرسين وكان يفترش الارض، تحت أرجل الجالسين ، عدد من الطلاب المثاليين وابناء المدرسين .

تفرس عزمى فى الصورة، لكنه لم يستطع أن يتعرف على عباس "لا حول ولا قوة إلا بالله .العتب على النظر" وبعد أن أطال النظر دون جدوى، أعاد الصورة إلى العلبة، وهو يحمد الله على كل حال .

وتناول من الدولاب ملابس الخروج، وجعل ينفضها لعل غبارا لا يراه يغشاها، ثم وضعها على السرير استعدادا. وتمشى نحو المطبخ . كان الوقت ما يزال مبكرا، لكنه لم يجد بدا من أن يملأ الإبريق بالماء، ويضعه على النار. وكان على وشك أن يبلع فص ثوم، ثم تذكر أن عليه اليوم أن يقابل صديقه. ولعل الرائحة تفضحه فأرجا تناول الثوم لما بعد العودة "اذا كان لنا نصيب". أخذ قدح من الشاى وجلس فى الصالة المظلمة إلا من شعاع ضوء المطبخ المترامي عبرها. إحتسى السائل الساخن، وهو شارد الفكر. لم يكن مرتاحا لفكرة الخروج هذا اليوم ... لا يدرى لماذا ظلت ذكرى أمه تلح على ذهنه ... كانت أمه ماتفتأ تردد "لا أدرى ما الذى دعاه للسفر ذلك اليوم الأسود ... توسلت إليه يا حاج لا تسافر .. قلبى منقبض . طيب خذنى معك ... هذه أول مرة تسافر وحدك ... ولكنه ظل يقول لابد أن اسافر .. هناك من ينتظرنى ... ولا أستطيع خذلانه .. وفعلا ياإبنى كان عزرائيل فى انتظاره ... آخر ما رأيت منه يده وهى تغلق الباب ... لن أنسى ما حييت هذا المنظر".

حقا ما الذى يجعل شخصا ما يقدم على غير مألوف عادته؟ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ... لماذا هذا التفكير؟ ولكن ... لماذا تذكرنى عباس فجأة؟ إنى حتى لم أتبينه في الصورة! 

رشف عزمى الشاى ساهما، فتناثرت قطرات منه على صدره ... لسعته فانتفض ... ودعك جلده بأصابعه. هل يكون هذا تحذير من الرحمن؟

عدل من وضع نظارته، وفكر إنه سيجن لو استمر فى إرهاق ذهنه بهذه الطريقة. "إما أذهب أو لا أذهب" طيب .. لو ذهبت وحصل المقدر والمكتوب؟

سيقول الناس  "مسكين عزمى ... أول مرة يخرج إلى المقهى .. كان عزرائيل في إنتظاره" وماذا لو لم أذهب؟ ما أسهل ألا أذهب. ولكن هل أتخلى عن متعة مجالسة عباس والحديث عن أيام زمان؟ والجلوس مرة اخرى على مقهى، والفرجة على الدنيا. وربما يكون الرجل فى حاجة يائسة فعلا لمشورتى، فهل أحرمه منها بسبب بعض الترهات والأوهام؟   

تنهد الاستاذ عزمى تعبا ونهض، وهو لم يحسم أمره بعد، ودب نحو غرفة النوم، وبدا وهو يخلع ملابس البيت، ويرتدى ملابس الخروج، كأنه يفعل كل ذلك بدون إرادته. ومثل من يحمل، مجبرا، هما لا طاقة له به، غادر الغرفة إلى الصالة. تفرس فى ساعة الحائط، ثم نظر إلى ساعة يده، وهز رأسه، وهو يتجه إلى الشباك فيغلقه، وكذلك فعل بباب المطبخ النافذ إلى الصالة. إلتقط عصاه، ووضع يده على باب الخروج، وقبل أن يغادر البيت، أدارعينيه بأرجاء المكان، وقد استقر فى خاطره أنها المرة الاخيرة التى يحتضن بنظره الغرفة التى شهدت أفراحه وأتراحه وياما لعب فيها أولاده، وخيل إليه أن زوجته الراحلة تجلس فى مقعدها الاثير، تشير إلى ياقته وتعنفه قائلة "كيف تخرج بهذا القميص المبقع يارجل؟ أليس عندك عينان تنظران هذي الوساخة؟" تندت عيناه بالدموع وابتسم بحنان، ثم نظر إلى يده وهى تمسك بالباب وتذكر أمه "آخر ما رأيت منه، يده وهى تغلق الباب. لن أنسى ما حييت هذا المنظر".

ومع أول إرتطام العصا ببسطة السلم ردد "قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا. توكلت عليك يارب" .

فى حوش العمارة خف إليه (سيد) البواب يخبّ فى جلبابه النظيف، متسائلا باستغراب وهو يأخذ بيده:

- إلى أين العزم يا عمى الحاج؟

أجاب عزمى باقتضاب:

- مشوار

ثم أضاف:

- أوقف لى سيارة أجرة والنبى يا سيد.

- حاضر .. إلى أين يا عمى الحاج؟

- المنيرة.

- من عينى .

سبحان الله ... فكر عزمى ... كل شىء متيسر وكأنه بترتيب من رب العالمين ... سيد هذا الذى لا نراه طوال اليوم .. يبدو وكأنه كان ينتظر خروجى.

وقف سيد قلقا يشير للسيارات، ويجرى وراءها دون طائل . نقل عزمى عصاه من يد إلى أخرى، ولكنه لم يحس بوطأة الإنتظار، بل كان كلما طالت وقفته، إزداد اطمئنانا،  وأخيرا أشار لسيد أن تعال، ونفحه ربع جنية كاملا، وقال:

- شكرا ياسيد ... سأتمشى قليلا.

- إلى المنيرة يا عمى الحاج؟

ضحك عزمي وربت على كتف سيد، وهو يتحرك نحو الدرب الذي اعتاد السير فيه كل جمعة، ولكنه كان كمن يكتشفه لأول مرة. كان شعورا بالخفة والرضى يطير بساقيه وعصاه، حتى وصل الجامع.. رأى المتسول الضرير مقتعدا مكانه المعتاد .. فهتف به :

- كيف الحال ياحاج محمد؟
- من؟ عمي عزمي؟ ولكن هذا ليس يومك؟
ضحك عزمي، وهو يجيب بلا مبالاة:
- قلنا نغير العادة!
ثم خلع حذاءه، وتسور العتبة إلى المصلى
.

**

نشرت في مجموعة (الطريق الى بغداد) 1998 


الأكثر مشاهدة خلال 30 يوما