الخميس، 24 يونيو 2021

المنزل

كتب باء

 قصة قصيرة

 بقلم: بثينة الناصري

المنزل عمره نصف قرن: طابقان وبدروم. ينفتح الباب الخارجي على صالات واسعة تحيطها غرف جانبية كانت ايام زمان مكتب السيد وغرفة الموسيقى التي يتصدرها بيانو السيدة وغرفة الطعام الفخمة. ويضم الطابق العلوي غرفة النوم الكبرى وغرفة الزينة وغرف نوم الاولاد وصالة اجتماع العائلة. أما البدروم فله باب جانبي صغير يتوارى في جانب من الحديقة ويتصل بالطابق الارضي بسلم ملتوٍ، وكان يضم سكن الخدم و المطبخ الرئيسي الذي كانت تجهز فيه وجبات العائلة وولائم الضيوف.

بعد موت الزوج وهجرة الاولاد ومَيَلان الحال، أغلق الطابق العلوي على غرف فارغة الا من ثريات قديمة معلقة بالسقف بخيوط العنكبوت. واحتشد البدروم بالأرائك المكسرة وكتب اصفرّ ورقها ، وأشياء أخرى كثيرة غطى معالمها الغبار.

وأُغلقت ابواب الطابق الارضي على مكتب السيد الذي لم يتبق منه سوى الكرسي الهزاز، وفي غرفة الموسيقى ظل البيانو الالماني الكبير صامتا ناشز اللحن، فهناك أشياء لا تباع مهما مال الحال.

الغرفة الوحيدة المسكونة الان كانت فيما مضى استراحة للزوار .. وصارت منذ سنوات عديدة ملاذا للسيدة فيها تنام وتأكل محاطة بصور العائلة التي تزحم الجدران وأرفف الدولاب الاثري . ومن شباكها الوحيد الطويل على طرز شبابيك زمان ، تطل السيدة احيانا على الحديقة.

السيدة عمرها قارب القرن . وجه مجعد مليح وشعر أبيض معقوص بعناية وثوب نوم بدون كمين يلوح منه ذراعان رقيقان . تتطلع الى الحياة المائجة خارج نافذتها وتصيح بصوت مرتعش لحوح: ابراهيم .. ابراهيم .. ابراهيم.

تلكز فتحية زوجها "رد على الهانم " لكنه يستمر في تنظيف البندقية العتيقة التي اشتراها من عشرين سنة خلت ، ولكن لما يستمر اسمه يتردد في أرجاء الحديقة .. لايجد بدّا من الصعود اليها. يدق باب الغرفة الذي تغلقه على نفسها بالمفتاح ليلا ونهارا، فيأتيه صوتها:

- من ؟

- ابراهيم

- من ؟ من أنت ؟

- أنا ابراهيم !

- ابراهيم ؟ ماذا تريد؟

- انت التي طلبتني ياهانم!

تصمت فترة طويلة ثم يسمع صوتها متسائلا بضعف:

- أنا تغديت ياابراهيم؟

ابراهيم عمره من عمر المنزل وآخر من بقي من سكان البدروم الذي ولد فيه ابنا لصفية الوصيفة ومحمد الطباخ، وأول ما شب عن الطوق خرج الى الحديقة وتعلم على يد البستاني العجوز كيف يعنى بها، فلما انتهى أجل هذا، صار ابراهيم بستانيا وهو بعد شاب صغير، وعلى مر الايام تحولت الحديقة الى جنة مشذبة منسقة تفوح برائحة الياسمين والفل والورد البلدي .. بل انه ملأ جوانب الحديقة بأشجار الفاكهة التي جاء بشتلاتها من قرية أبيه .. أشجار مانجو وجوافة وخوخ وبرتقال وليمون .. ومازالت الاشجار سخية تطرح ثمارها كل سنة. وقد استطاع ابراهيم ان ينال تعليما بسيطا شذب من طباعه ورقق جوانبه، فاستنّ تقليدا جديدا .. كان يختار كل صباح باقة ورد ملونة يضعها في زهرية وسط المائدة المنصوبة في الحديقة التي اعتاد السيد والسيدة تناول إفطارهما عليها.

ولكن مع موت السيد وتغير الحال وانقطاع اجرته، انتقل ابراهيم للعمل في حدائق اخرى وتحول الفردوس المنسق الى غابة متوحشة من الدغل والنباتات الطفيلية.

وفي جانب من الحديقة تحول الجراج الواسع الى سكن دائم لابراهيم .. فيه تزوج فتحية وأنجب منها محمد وأحمد وعوض وزينب. وكانت فتحية قد ابدت رغبتها بعد ولادة بكرها محمد في توسيع "المطرح" فأضاف ابراهيم الى الجراج بضعة أمتار من الحديقة وبنى غرفة صغيرة ثم أقام عشة للطيور والارانب .. ومع توالي الاولاد زادت وامتدت حبال الغسيل المربوطة كالاشرعة بين أشجار المانجو والجوافة والبرتقال والليمون، وتنتهي أطرافها بالإلتفاف حول رقبة تمثال فينوس دي ميلو القائم وسط النافورة الصغيرة الى فزاعة طيور، بعد ان سربلته فتحية بثوب قديم كالح لتحمي احواض الكرفس والبقدونس والملوخية.

كان كل شبر من أرض الحديقة يموج بالحياة الجديدة ، فقد تشعبت أذرعها كجذور شجرة كبيرة راسخة ، لكنها توقفت فجأة عند السلالم المرمرية المؤدية الى مدخل المنزل فما زال ابراهيم يحافظ على النظام القديم .. لا احد يجرؤ على دخول حرمة "المنزل" سواه ليلبي طلبا او امرأته لتأخذ هدمة السيدة لتغسلها مع هدوم اولادها او لتحمل لها طبق طعام صغير كانت في كثير من الاحيان لاتمسه ، فمع ازدياد نوبات نسيانها وهذيانها ، لم تعد تعرف الاحساس بالجوع او الشبع. وعلى مدى سنين طويلة ، ظل ابراهيم وامرأته يحلمان باليوم الذي لابد منه . كانت زوجته تهمس أحيانا وهي تنام الى جواره ليلا ..

- لما ربنا يتذكرها ..يا ابراهيم.

فيخرسها قائلا:

- لما !!

ويمد بصره حالما من نافذة الجراج الى المنزل الصامت الذي يشكل كتلة جامدة يحدّها الليل .. ورغم الظلام فقد كان في استطاعة ابراهيم ان يميز السلالم المرمرية الملتمعة بضوء بارد والباب المقوس والنوافذ العالية التي تزينها عقود وأطواق معمارية .. كان يعرف كل شبر وكل منحنى اكثر مما يعرف خبايا نفسه وما تحت جلده .. وطالما ولت ساعات الليل وهو يحتضن المنزل بعينيه.

 ومع إطلالة النهار .. وبعد ليلة مؤرقة حافلة بالخيالات .. تدفع السيدة بيديها الواهنتين ضلفتي الشباك وتجلس هادئة على المقعد المواجه للحديقة في لحظة خاطفة من لحظات وعيها.

يلتمع شعاع الشمس على بياض شعرها .. ترى اشجار الياسمين مزهرة وطرقات الحديقة نظيفة والحشائش مقصوصة واحواض الورد مبتلة بالندى.

- الافطار جاهز ياهانم.

ومن مكانها ترى صفية الوصيفة ترتب منضدة مدورة تحت شجرة الليمون ثم تروح وتجيء بالطباق وابريق الشاي بالنعناع. ويأتي ابراهيم .. شابا، يافعا، مهندما ليضع كعادته باقة ورد منمقة في زهرية صغيرة وسط المائدة .. ويكون ذلك ايذانا لها بالنزول.

تهبط السلم المرمري .. درجة .. درجة ..

ويبدأ يومها الحافل ...

 

الأربعاء، 23 يونيو 2021

الخروج من البحر الأحمر

  بثينة الناصري

 صخور الجرانيت الأحمر في ظل ليل أبيب، سوداء مبعثرة في الطريق الصحراوي، قميئة أو شامخة أو مائلة، تشرف على أشباح منسلة تجر الخطى، مقنعة بأردية تعبث بها الريح، بعضها فوق ظهور الدواب وبعض يمشي مطوي الظهر بوجه الريح. كانت الجمال تنوء جوانبها بالأحمال، تسير أمام القافلة وخلفها الأبقار يختلط خوارها الحزين لامتلاء ضروعها مع صراخ الأطفال على أكتاف أمهاتهم، واللعنات المكبوتة يطلقها الرجال وهم ينحنون على أقدامهم ينزعون الشوك المغروس في نعالهم الخفيفة.

منذ الفجر يسيرون ، توقفوا مرتين على عجل، مرة لملء قربهم بالماء ومرة لملء بطونهم بالخبز، قبل ان يسوقهم بعصاه السحرية ، هذا القادم من مديان.

- إسرعوا، لا وقت للراحة.

قال شيخ منهم:

- ولكنا خرجنا بإذنهم. ألم يقل: إخرجوا من بين شعبي؟

غضب القادم من مديان ونظر اليه بعين نارية ثم مال على أخيه لأن الغضب ألجم لسانه، فقال هذا:

- إتركوا الأمر لنا. مازلتم تناقشون فيما لا تفقهون.

استدار السائل متعبا. رأى وجه ابنه فهز رأسه وهمس:

- أبوك الشيخ لا يفقه! سمعته بإذني يقول: إذهبوا وباركوني أيضا.

جرّه الشاب بعيدا:

- ألم أقل لك دعنا يا أبي نموت في البلد الذي فيه ولدنا؟

سحب الرجل ذراعه من قبضة إبنه وقال وهو يبتعد:

- الموت؟ أم تلك البنت المصرية؟

ومن ترتيل االشيوخ وهم يصلون سرا، تنحدر دموعهم على لحاهم الشائبة ، ودمدمة الشباب وآهات النساء ، كانت جبال الصخر ترجّع صدى همهمة لا يقطعها سوى صفير الريح وهي تجرف الرمل تلقيه في الوجوه.

(من سكّوت نزلوا في إيثام)

تعلق ذرات الرمل في مناخير الجمال فتحم وتهز رؤوسها ثم تدفنها في ارتعاشة باقات الشوك. تميل العدول وترتفع صرخة خائفة ولكن لا شيء يحدث.

وبعد أن دفنوا رجلا آخر خلف الصخور، وخلفوه دون علامة، انسحب بضعة رجال وبدأوا يتهامسون. ارتفعت أصواتهم . صاح أحدهم محذرا، وتفرقوا.

قبل الفجر بقليل تعثرت القافلة ، كان التعب باديا في العيون الذابلة . أشار القائد بالتوقف ثم لف عباءته حوله وأومأ لأخيه أن يتبعه.

تبعتهما العيون المنهكة ، يصعدان رابية . يقفان. ينظران في كل اتجاه، ثم يجلسان متقابلين. كانت أولى خطوط الفجر تبهر الشبحين الرابضين فوق الرابية.

- إنزل يا أخي فقل لهم إنا تهنا.

ظل الآخر صامتا يحدق في وجهه.

- قل تهنا بمشيئة الرب.

نهض هارون. وقف برهة يرنو نحو المنحدر. الظلام يحجب النظر، لكنه استطاع ان يتبين كتلا من الناس والدواب مكومة على الأرض ساكنة تماما، كأنه يطل على قبور ترعى في جوانبها إبل تائهة.

تنهد هارون وبدأ يهبط.

***

كانت قاعة الإستقبال في قصر الملك رحبة تحيط بها أعمدة اسطوانية ومضلعة منقوشة بالكتابة والرسوم الملونة ، ترفع أفاريز مزخرفة بالورد والحيوانات والراقصات. وعلى الأرض المرصوفة بقطع كبيرة من الحجارة، تمتد سجادة حمراء من الباب حتى الدرجات المفضية الى العرش.

كان (مري ن بتح) يجلس على كرسي ذهبي ينتهي مسنداه برأسي ليثين رابضين، يلبس رداءه الأبيض ذا الطيات العديدة، يوشحه حزام مرصع بالذهب والجواهر ، يتدلى طرفه بين ساقيه. يقف خلفه حاملا مهفات الريش يروحان عنه حرارة الصيف، وإلى جانبيه حارسان عاريان إلا من غطاء الرأس المخطط والتنورة البيضاء البسيطة والنعال ، وكان كل منهما يحمل رمحا ودرعا.

يبدو القلق واضحا على الفرعون حتى يدخل وزيره يخب بردائه الطويل ليقف بين يديه، وقبل ان ينطق مري ن بتح بما يشغل باله، يقول الوزير لاهثا:

- سيدي. تقول الاخبار انهم تاهوا في الصحراء قرب البحيرات المرة.

ترف بسمة صغيرة على وجه الملك ويقول بصوت خفيض:

- هذا الموسى لا يخلف وعدا؟

- يبدو انه كذلك يا سيدي.

- طيب. مرهم ان يخرجوا ستمائة مركبة منتخبة مع محاربيها.

***

عند ظهر اليوم التالي ، وصلت القافلة الى مابين مجدل والبحر أمام بعل صفون. وبعد أن راح موسى جئية وذهابا أمام المكان، وضع يده فوق عينه وراقب الضفة الأخرى ثم أشار بالتوقف ونصب خيمة له اختفى داخلها مع بعض رجاله المقربين حتى حل الليل.

وتحت جنح الظلام دبت حركة طفيفة بين الخيمة والبحر، ثم خرج رجال يتأبطون شيئا، خلع قسم منهم ملابسه وقفز الى البحر يجر معه طرف شيء طويل يبدو لانهاية له.

وقف موسى ملتفعا ببردته يرقب ما يجري على الطرف الاخر من البحر. وبعد فترة بدت كأنها دهر، عاد رجاله معلنين انتهاء مهمتهم. وسرعان ماشرعوا يعالجون شيئا على الضفة القريبة من الخيمة.

همس هارون بإذن أخيه:

- الآن؟

- كلا. لم يحن الوقت بعد.

- ماذا ننتظر؟

التفت موسى وزجر أخاه:

- قلت لك إفهم هذه الحكمة الحربية: التوقيت نصف النصر.

نظر هارون الى أخيه بإعجاب ثم قال وهو يشير الى ضبابة بعيدة.

- بوادر عاصفة.

- بل أقسم ان هذا غبار المركبات المصرية.

دبت حركة عارمة، خائفة، مرتبكة في صفوف بني إسرائيل لكن هارون استطاع ان يبث فيهم السكينة بلسانه الذلق وروحه المتفائلة. ثم حثهم ان يكونوا على استعداد لعبور البحر عند انطلاق الاشارة.

اقترب جيش فرعون وسُمعت جعجعة العربات وسنابك الخيل وهي تقترب، تدك الأرض ثم تتوقف في مكان قريب.

استدعى (مري ن بتح) وزيره الى عربته وتشاور معه طويلا. كان الفرعون منفعلا. استطاع الوزير ان يلحظ ذلك إذ كان يحرك عصاه الإلهية بين يديه ويعبث بالقلائد التي تحيط رقبته حتى كاد يقطعها، وعزا الوزير هذا القلق الى جهل الفرعون بالسباحة. وأراد أن يؤكد له أنه سيكون الى جانبه طوال الوقت ، لكنه خجل في آخر لحظة وقال:

- أحس أن علينا أن ننتظر.

ومر الهزيع الأخير من الليل، وقبل أن ينبلج الصبح أحس الوزير بحركة غير عادية في معسكر العدو فأيقظ الفرعون من نومه بهزة خفيفة ، وأشار الى ما يجري في الجانب الآخر من التل.

اصطف بنو اسرائيل صفا طويلا، وبحذر شديد سار هارون أمامهم وموسى وراءهم يخفي أثرهم بعمود من الدخان والنار.

ظل الفرعون يرقب العمود الناري المتراقص بعينين مدهوشتين حتى خيل اليه أن العمود يتضاءل فيصير لهبة نار على الجانب الآخر من البحر.

استدار ونظر الى وجه وزيره مليا ثم اشار اليه أن يأمر الجيش بالحركة ، وفي اللحظة التي صعد المحاربون الى عرباتهم وهمز سائقوها الخيل ، تساقطت العجلات على الأرض محدثة أصواتا عالية وهي ترتطم بعضها ببعض.

ثم أن (مري ن بتح) أصر على جر المركبات المعطوبة خلف بني اسرائيل، وكان مما يزيد من صعوبة السير بهذا الشكل ، طبقات الرمل الكثيفة التي تغوص فيها الأقدام حتى اضطر المحاربون بعد فترة الى الهبوط من المركبات ودفعها حتى ساحل البحر.

وقف قوم موسى على تربة سيناء يراقبون بعيون لا تطرف، جيش الملك المصري يتقدم نحو الضفة الأخرى، ثم وهو يجر المركبات على الطريق الذي عبروا لتوهم عليه، وحين توسط المحاربون وخيلهم وعرباتهم الطريق ، انفصل موسى عن قومه وأشار برأسه لأخيه وسرعان ما انهمكا في عمل سريع على الضفة وقبل ان يدرك المصريون ماحدث، أحسوا بالجسر الذي ساروا عليه يهبط بهم.. يغوص.. وينطبق عليهم البحر.

هليلويا ..

ارتفعت هتافات العبرانيين تشق عنان السماء، وأعلن موسى بيانا سمعه كل شعب اسرائيل وأذاعوه بين قبائل البدو الذين جاءوا يستطلعون الخبر.

"دفع الرب المصريين في وسط البحر فرجع الماء وغطى مركبات وفرسان جميع جيش فرعون الذي دخل وراءهم في البحر، لم يبق منهم ولا واحد. وأما بنو اسرائيل فمشوا على اليابسة في وسط البحر والماء سور لهم عن يمينهم وعن يسارهم ، فخلص الرب في ذلك اليوم اسرائيل من يد المصريين ونظر اسرائيل المصريين امواتا على شاطىء البحر" (1)

انطرح المصريون على الرمال منهوكي القوى يقطر الماء منهم. كان بعضهم مايزال يحمل رمحه، ومن أطراف عيونهم المجهدة رأوا تاج (مري ن بتح) يلوح فوق الماء. ثم جسد الفرعون يسحبه الوزير الى الشاطىء ، ويرميه على الرمل.

سعل الملك وفتح عينيه، فرأى ساعده الأيمن يحدق في وجهه. هز رأسه وحاول ان ينهض فأعانه الوزير وأسنده الى صخرة. قال مري:

- ألم يشتط موسى هذه المرة؟

قال الوزير وأسبل جفنيه:

- ضرورة تاريخية يا سيدي.

اندكت الأرض قربهما. التفت الفرعون فزعا فرأى جنديين غير مسلحين يمسكان بآخر يرتجف، ويقطر الماء من تنورته الملتصقة بفخذيه الى الأرض.

- ضبطناه يقول نكتة.

قال الملك غاضبا:

- ولم ينتظر حتى ينشف؟ خذوه !

كان الفجر قد غزا الليل بلون قرمزي.

- ولضرورتك التاريخية يا عزيزي الوزير، اكتب عني هذا البلاغ ولينقله الى المدينة أسرع جندي:

- "حاق بكنعان كل سوء وسبيت عسقلان وقبض على قاجر. ينوعان أصبحت كأن لم تكن واسرائيل ابيد ولن يكون له بذر، وبلاد خارو كالأرملة لمصر، وكل البلاد مجتمعة في سلام" (2)

وقف الوزير حائرا مترددا ، ولما لحظ نفاد الصبر على  وجه الفرعون ، قال بخجل:

- سيدي.. أردت أن أقول: ألم يكن سيدي خصب الخيال في .. في .. هذا؟

وأشار الى البلاغ.

أجاب ملكه وهو يعقد مابين حاجبيه مفكرا:

- كلا.. تعرف إن أبي كان شديدا على البدو والآسيويين ، وقد انتصر عليهم انتصارات باهرة ، فصدقني لن يرضى شعبي بأقل من هذا. آه .. ياصديقي ، لو قدر لك أن تكون سليل آلهة ، لعرفت إن الحكم ليس نكتة.

***

"أرنم للرب فإنه قد تعظم"

اتحدت حناجرهم بترنيمة تمايلت أجسادهم عل وقعها وصفقت أكفهم بهزج واحد.

"هذا إلهي فأمجده"

"إنه أبي فأرفعه"

"ربي رجل الحرب"

رفع موسى ذراعيه مكشوفين الى السماء وقد اصطبغت بالنجيع، تخططه سحابة بيضاء خطوطا متوازية أفقية.

"ربي رجل الحرب"

في جانب من السماء، مازالت النجوم تلتمع فوق رقعة زرقاء داكنة.. نجوم مرصوفة لا حصر لها مثل ولايات الرب، وتمنى موسى وهو يملأ عينيه من السماء ان يكون جبل صهيون نجما يهديهم إليه.

"حتى يعبر شعبك يارب

حتى يعبر الشعب الذي اقتنيته،

تجىء بهم وتغرسهم في جبل ميراثك.

المكان الذي صنعته يارب لسكناك."

ارتفع صوت الفرعون عبر الشط قويا عميقا ملتاعا..

"ادع ياموسى لنا ربك يكشف عنا الغمة"

وكان بيرق الرب المرسوم على صفحة السماء يخيم فوق سيناء..

*

هوامش:

(1)  التوراة – خروج 14

(2) النص مترجم عن الهيروغليفية من لوحة (انتصارات مرنبتاح)

**

(كتبت في كانون أول/ديسمبر 1973) (جرت احداث هذه القصة في القرن الثالث عشر قبل الميلاد ولا صلة لها بالقرن العشرين)

الأربعاء، 2 يونيو 2021

مانيكان

كتب باء

بقلم: بثينة الناصري

أربعة أزواج من العيون الزجاجية، كانت تتابع حثيثا تحركات السيد فاضل البطيئة، وهو يقوم بروتينه اليومي، لإغلاق محل الملابس الذي يمتلكه على ناصية الشارع العمومي.

لم تكن أوضاع العيون، تسمح لها بحرية المتابعة، فقد كانت نظراتها مثبتة، بشكل أبدي، في اتجاهات مختلفة، لكنها كانت تهجس بطريقة ما، خطوات السيد فاضل، فما أن أتم حركته الأخيرة بإسدال الواجهة الحديدية للمحل التي حجبت فضول العالم الخارجي، حتى انطلقت أربع تنهيدات، في وقت واحد، أعقبتها فوضى وجلبة، في نافذة العرض.

"آه .. أستطيع أن أجلس الآن" قالت الأولى.

قالت الثانية "لقد تيبست رقبتي"

"آن لظهري أن يعتدل" قالت الثالثة.

أما الرابعة، فقد نهضت من جلستها الأزلية، وحركت قدميها "لو كان هذا المكان أوسع!"

قالت ذات الشعر الكستنائي القصير "آه .. ماكان أكثر المتفرجين اليوم! لقد حاصرني الجميع بنظراتهم"

كانت ترتدي فستاناً أخضر مفتوحاً من الجانبين، يزمّ وسطه حزام من الجلد الأبيض.

قالت الشقراء، وهي تحرك خصلات شعرها الطويل:

" لم تكن كل الأنظار عليك. هل تذكرين السيدة بصحبة الرجل البدين؟ لقد ظلت تتفرس في فستاني من كل الجوانب".

كانت ترتدي فستان سهرة أسود عاري الكتفين، ينزلق ملتصقا بجسدها حتى كاحليها.

"لا أدري لِمَ لابد أن يكون البنطلون والبلوزة من نصيبي دائما؟" اشتكت ذات الشعر الأسود المنسدل حتى كفتيها.

ردت ذات الشعر الأحمر "هل نسيت أني ارتديت البنطلون طوال الإسبوع الماضي؟ ماذا أقول عن نفسي إذن؟ بهذا الطقم الفاقع، الذي لم يلفت غير انتباه تلك الطفلة ذات الظفائر، التي ظلت واقفة تحدق بي مشدوهة؟"

قالت ذات الشعر الأسود مخاطبة الشقراء:

"مارأيك؟ هل نتبادل ملابسنا بعض الوقت؟"

ردت الشقراء بغنج، وهي تنظر مشفقة إلى البنطلون والبلوزة:

"لا أدري ، أعتقد أن تركيب هيكلي، لايناسب الدخول في بنطلون"

"ولكن هياكلنا واحدة"

"ثم أن لون شعري، لا يليق مع اللون البنفسجي!"

"ولكنا سنفعل ذلك فيما بيننا. لن يرانا أحد. تعرفين كم أشتهي أن أرتدي فستان سهرة. لم أدخل في واحد طوال وجودي هنا"

حركت الشقراء جدائلها بحيرة، وهي تنظر إلى الأخريات، مستنجدة، ثم هزت كتفيها يائسة، وشرعت تخلع رداءها. كانت الأخرى قد سبقتها، في التخلص من البنطلون والبلوزة، وتناولت الفستان بلهفة، وارتدته. سوّت فتحة الصدر، وضعت كفيها على خصرها، وهي تتمايل بجسدها يمينا ويسارا.

"كيف أبدو؟"

أطلقت ذات الشعر الكستنائي، صفيرا خافتا وقالت: "رائع إن شعرك الأسود، أكثر انسجاما مع سواد الفستان. يبدو كأنه صنع لك" ثم التفتت الى الشقراء، وقالت معتذرة: "لا أقصد الإساءة. ثم هل تصدقين؟ إنك أكثر إغراءً بالبنطلون!"

"هل ترين ذلك؟"

قالت ذات الشعر الأحمر "هذا صحيح. لا أدري لماذا يصرّ منسق العرض، أن ترتدي الشقراء منا فستان السهرة الأسود دائما"

"آه.. لو كان في الإمكان، أن نختار نحن ما نرتديه!"

أجابت إحداهن بحسرة: " ولكن هذا مستحيل!"

بعد فترة من الحركة المضطربة، داخل الحيز الضيق. أبعدت الشقراء، كرسيا كانت تجلس عليه، وارتمت على الأرض، وقد طوت ساقيها تحتها، وأشارت لصاحباتها أن يفعلن مثلها، ولكنها، رفعت إصبعا في وجه ذات الشعر الأسود "إحذري أن يتمزق القماش. إنه من الدانتيلا الغالية"

هزت الأخرى رأسها، وهي ترفع ذيل فستانها، ثم تجلس بتؤدة، وتسوّي أطرافه بأناملها.

واستغرقت الفتيات بأحاديث، مثل كل ليلة تقطعها ضحكات خافتة، حتى غلبهن النعاس، فنمن وهن يتساندن،على أكتاف بعضهن البعض.

كانت الشقراء أول من أستيقظت فزعة، على صوت الأقفال، وهي تُفتح. هبّت وكمن به مسّ، خلعت ملابسها، ورمتها تحت قدمي صاحبتها، وهي تحثها أن تخلع الفستان الأسود، فقامت هذه متعثرة، والنعاس يغشي عينيها، وخلعت الفستان، وناولته لزميلتها التي ارتدته بسرعة، تساعدها جارتها ذات الشعر الكستنائي، ولكن ذات الشعر الأسود، والتي لم تتمالك نفسها بعد، كانت بالكاد تضع ساقا واحدة في البنطلون، حين طوّح السيد فاضل إلى الأعلى، بالباب الحديدي المنسدل على نافذة العرض، فاخترق الزجاج، ضوء النهار الباهر، وكان على العارضات أن يجمدن، في أوضاعهن الأزلية.

ظن السيد فاضل، أول الأمر، أن الشمس أعشت نظره، ولكن حين قرب عينيه من زجاج العرض، أدرك أن مايراه ليس خيالا أو وهما. كانت إحدى العارضات، تقف عارية تماما.

"لصّ كان هنا؟!"

كان أول ماتبادر إلى ذهنه. ولكنه حين تفحص الأقفال مرة أخرى ، وتحسس الأبواب، بحثا عن شرخ أو كسر، شعر بالحيرة، وتردد في الدخول إلى المحل، لئلا يفاجأ بما لا يحب.

"إذا كان هناك لص، فلابد أنه يمتلك نسخة من المفاتيح. لا أثر للعنف هنا"

استجمع شجاعته، ودفع باب المحل، وأطل في الداخل. كان كل شيء كما تركه. مد يده الى زر النور وضغط عليه، فامتلأ  المحل ضياء.. أجال النظر فيما حوله. فتح الدواليب التي يحتفظ بها بالفساتين القيمة وعدّها. كان كل شيء تاما كما تركه بالأمس. تقدم نحو نافذة العرض من الداخل، وتفحص محتوياتها. وجد ملابس العارضة العارية مرمية تحت قدميها، بل أنه وجد إحدى قدميها داخل البنطلون. تنهد بارتياح قائلا لنفسه:

"ذلك المنسق الغبي! لابد أنه لم يحبك وضع الملابس على المانيكان، فانزلقت عنها."

ولما لم يجد تفسيرا أكثر إقناعا من هذا، ارتمى على كرسي، وطفق يفكر في المشكلة القائمة. لن يستطيع ترك العارضة عارية أو مكانها فارغا، ولكن لم يجرب مرة تلبيس عارضاته. كانت هذه مهمة منسق العرض الذي يأتي مرة كل إسبوع ليغير تنسيق النافذة، ولما كان قد جاء فعلاً منذ يومين ، فليس من المنتظر أن يجيء قبل بضعة أيام. استقر رأيه أخيرا أن يجرب إلباس المانيكان بنفسه، فهي على أية حال ليست بالمهمة المستحيلة.

أغلق الباب وأحكم إسدال الستائر.

+++

يدان ضخمتان أمسكتا في وقت واحد بركبتيّ ورقبتي، وحُمِلتُ خارج المكان، ثم مُدِّدتُ على أرض الصالة عارية الرأس، إذ سقط شعري الأسود اللامع أثناء نقلي، ومن وضعي اليائس، حيث لا أستطيع لنفسي نفعاً ولا ضراً، رأيت السيد فاضل يحوم حولي، يقبض في يد على شعري وفي اليد الأخرى على البنطلون والبلوزة. ثم وضع حمله على الكرسي، وأقعى على الأرض، ينظر إليّ مترددا. أخيرا رأيته يتناول البنطلون، ويحاول أن يدخل ساقي فيه. كانت يده فظة، وهي تضغط على فخذي دافع به داخل البنطلون، ولا أعلم هل كان بسبب تجمد هيكلي أو قلة خبرته، أنه ارتبك كثيرا في التعامل مع جسدي، وكنت أتعجل أن انتهي من هذه المحنة التي لم أمرّ بها من قبل مع المنسق الذي كان يتم عمله معنا في غمضة عين، بيدين مدربتين لا تكادا تستقران على الجسد.

أخيرا إنتهى السيد فاضل من دفع البنطلون إلى أعلى. قلبني على وجهي وتعثرت يده بين جسدي والقماش ثم سمعت ضحكة مكتومة وهو يربت عليّ. فجأة، توقفت يده، وأحسست بها تتسلل ناعمة تحت القماش، ثم شرعت تجس جغرافيتي صعودا وهبوطا ثم أدارني وأخذ يتفحصني. كانت عيناي ترمقان السقف، ولكني كنت أهجس نظراته تلسعني، وأنفاسه الثقيلة المتسارعة تلفح صدري، ووجهي، وهو يكاد يجثم عليّ محاولا أن يلبسني الشعر. إعتدل، وتخللت أصابعه خصلات شعري هبوطا إلى عنقي، ثم أطبق بكفيه الكبيرين على ثدييّ فترة خلتُها دهراً.. بعد ذلك رفعهما ومرر إصبعاً على بطني وسرّتي، نزولا حتى اصطدم بالحزام. كان نَفَسَه يتسارع مرتعشا.

++

لم يكن إلباسها البلوزة صعباً.. أقفل السيد فاضل الأزرار بأصابع ثابتة، وأنهضها من الأرض، وحدق في وجهها ملياً، ثم ابتسم إبتسامة متواطئة، قبل أن يحملها برفق إلى نافذة العرض.

ارتعشت رموشها إضطراباً، وهي تحس بعيون رفيقاتها الزجاجية تتحرك ببطء من اتجاهاتها المتنافرة لتستقرّ جامدة عليها.

**

 نشرت في مجموعة (لماذا لا نذهب الى  البحر كثيرا)- القاهرة -2008


الأكثر مشاهدة خلال 30 يوما