السبت، 2 يناير 2021

لا أحد يمسح الغبار عن وجهي





قصة قصيرة 
بثينة الناصري

(ملاحظة للقارىء: لكل حذاء قصة وتاريخ ومن هنا تبدأ هذه الحكاية)

_**

المرأة

آخر ما تتذكره في غرفة المستشفى تلك، انها كانت تقف الى جانب سريره حين قال انه يشعر بالغثيان وطلب ان تعد له عصير برتقال. وفيما هي تقطع الثمرة بالسكين سمعته يسعل بصوت مكتوم. التفتت اليه. كان قد انقلب على وجهه في السرير هو يشهق طلبا للهواء. وقفت حائرة وحاولت ان تعدل من انكفائه، وفي نفس الوقت راقبت انسلال زرقة خلف أذنيه. فجأة اقتحم الغرفة رجال بثياب المستشفى. دفعوها خارج المكان وانقضوا عليه بأجهزتهم.

بعد قليل، رأت أخاها مقبلا نحوها يلطم خديه. كان أول ما تبادر الى ذهنها أن الرجال لا يلطمون خدودهم. وقبل ان تسأله ، تقدم منها وسحبها من يدها الى قاعة اخرى. كان ثمة رجال لاتعرفهم متحلقين وكأنهم يتآمرون. افسحوا لها المجال بينهم. حدق أحدهم، وكان قصيرا وبدينا، فيها بعينين ثابتتين وهو يتمتم بإيات قرآنية.

صرخت بوجوههم:

-      هل تأكدتم؟ تأكدوا أولا. لم يمت. طلب مني عصير برتقال. دعوني ادخل اليه.

لم يسمحوا لها بالدخول. غاب أخوها في الداخل فترة طويلة ثم خرج وهو يحمل

 فردتي حذاء وكيسا منفوخا. قادها من يدها الى خارج المستشفى. جلس على السلالم

 المؤدية الى الشارع، أجلسها الى جانبه، ووضع بينهما الحذاء والكيس.

امتدت يدها الى الكيس فتحته قليلا ثم وضعته على حجرها. قلبت مافي داخله. كانت

 ملابس داخلية مشقوقة ومنقطة بالدم. أقفلت الكيس بسرعة وأعادته الى مكانه.

عندما حان وقت المغادرة ، أمسكت فردتي الحذاء وقلبتهما. كانا اسودين لامعين.

 تأملت الكعبين، متآكلين من الخارج. وأحست بثقل الساقين المنفرجتين اللتين

 لبستهما في السنوات الأخيرة.

حملتهما معها وانصرفت.

الراوي

حين اكتملتُ وبدأت أعي ما حولي، وجدتني على رف زجاجي في مكان هادىء

 ودافيء يطل على شارع مزدحم بالأحذية الرائحة والغادية. أحيانا تسرع، وأحيانا

 تتعثر، البعض يتمهل، يقف، يحدق بي من كل الجوانب ويمضي، وأنا اتطلع بأسى من

 نافذة النعيم الذي أرفل به الى الأحذية الكادحة في شمس الصيف ومطر الشتاء، وقد

 تغضنت وجوهها المتربة وتكسرت بالتجاعيد وتكلس الطين على جنباتها.

لوني أسود لامع. قبعت على رف زجاجي رقيق زمنا طويلا. كانت بين حين وآخر تمتد

 الي يدان تحملاني برفق وتمسحاني بقطعة قماش وتعيداني الى المكان. حتى جاء هذا

 الرجل في ذلك اليوم. لم أحب ملامحه المريبة في أول الأمر. أشار إليّ.

وهكذا وجدتني وتوأمي على الأرض لأول مرة. 

هذه هي الأرض إذن، ثابتة وصلبة ولا تهتز مثل الرف الزجاجي. كان الغريب يحاول

 اختراقنا بقدميه، بصعوبة بادىء الامر، ثم انسلتا بنعومة داخلنا.

قال الرجل "سآخذه" بعد ان تمشى قليلا بنا. وضعونا في علبة صغيرة، كدت أختنق

 في أفقها الضيق.

ركبنا معه السيارة وفي بيته الصغير، تنفست الصعداء حيث وجدت الدفء داخل

 دولاب ملابسه. مرت ليال ونهارات كثيرة. كان كل يوم يفتح الدولاب ويتحسسنا ثم

 يغطينا، حتى جاء يوم، استلنا بيد مرتعشة، وضعنا على الأرض ثم دس قدميه فينا.

 وقف أمام المرآة . كان يرتدي ملابس مثل لوني. وقف كثيرا أمام المرآة، استدار ثم

 تمشى ثم عاد، واخيرا خرج من الباب حيث كان كثير من الناس يصخبون ويضجون.

كانت اولى خطواتي على الطريق مؤلمة، حاملا كل هذا الثقل، هل هذا ما خلقت له؟

 كان الرجل يترنح بقدميه بطريقة غريبة كأن في ساقه اليسرى عوج ما، فقد كان

 الضغط يميل بي وبتوأمي الى جانب واحد مع أن الأرض تحتي كانت مستوية وثابتة.

سار الرجل متأنيا حتى لقيت الى جانبي تحت خيمة بيضاء فضفاضة واحدة مثلي ولكن

 بكعب عال رفيع. حاولت ان استرق النظر اليها من تحت الخيمة المتحركة لكني لم

 استطع، فقد قضينا وقتا طويلا نتحرك ونركب سيارات ونهبط منها وسط ضجيج وقع

 أحذية من حولنا، ثم في نهاية ليلة مضنية وجدتنا نسرع في صعود سلم ثم باب يفتح

 ويغلق وسط ضحكات.

أخيرا افلتتنا القدمان بقوة فوقعت انا ملامسا صاحبتي ذات الكعب العالي التي كانت

 هي الاخرى مرمية بغير عناية على الأرض.

المرأة

دخلت بيتي . كل شيء في مكانه ولكن استجد شيء مختلف: الغياب.

وضعت الحذاء على مائدة الطعام ودلفت الى غرفة النوم. تمددت على السرير أحاول

 أن ألملم أفكاري المشتتة.  

في الصباح، كان الحذاء مايزال على المائدة . جلست أتأمله. كان في حياته شديد الأناقة ، وحذاؤه لابد ان يكون لامعا في كل المناسبات.هناك تجاعيد كثيرة في الوجه ولكن الكعبين متآكلان الى الخارج بسبب تقوس ساقيه قليلا، وقد داعبته مرة متسائلة "هل حدث ذلك لركوب الخيل؟ لماذا لم تخبرني انك كنت فارسا لايشق له غبار؟"  

كان لديه أحذية أخرى ولكنه كان المفضل عنده منذ زواجنا قبل خمس سنوات. كان

 يعتني به كثيرا. يخرجه من مكمنه ويلمعه ويلبسه في المناسبات المهمة قائلا حين

 ألفت نظره " أتفاءل به"

وضعتهما على الارض، وادخلت قدمي فيهما، انزلقتا الى الداخل بسهولة. غاصتا في

 دفء غريب وكأنك نزعت قدميك منهما للتو، أحسست برعشة في نبضات قلبي،

 والدفء يتسلل صاعدا الى جسدي فيغمره بفيض من حنان ولأول مرة ينتابني شعور

 بأني أتوحد معك بطريقة ما، وأني لن أكون وحيدة وانت تملأ كياني وفضائي البارد

 مرة أخرى. مشيت بهما الى غرفة النوم. فتحت دولاب ملابسك ونزعتهما برفق من

 قدمي. أودعتهما الدولاب وأغلقت بابه بقوة. هل خشيت أن يرحلا عني بعيدا؟

الراوي

مرة ثانية أجد نفسي في دولابه، ملتفعا برائحة ملابسه. اتدثر بدفء الراحة أخيرا

 من المشي وصعود السلالم وضرب كرة طائشة عبرت الشارع من بين سيقان

 صبيان يلعبون، نخوض في مياه آسنة ، او نغوص في طين، نقفز عبر مجرى ماء

 في وسط الشارع. ننتظر ساعات في مكان مزدحم بالاحذية، تنغرز فيّ هذه القدم أو

 يخف الضغط كلما حوّل صاحبي ثقله من ساق الى أخرى، أو الجلوس طيلة النهار

 خلف مكتبه وهو يحرك أصابع قدمه داخلي أو يخرجها ويدعكها ويعيدها اليّ. أو ما

 حدث ذلك اليوم حين دخل بنا صاحبي مكانا فيه رجل آخر اشار له ان يخلعنا ويتمدد

 على سرير حديدي، ومن مكاني تحت السرير، رأيت الغريب يقترب ومعه جهاز

 يجره وراءه ، ثم يوصل اسلاكا بصدر صاحبي. بعد فترة، نهض هذا ومد أصابع

 قدمه داخلي وسحبني الى كرسي جلس عليه وهو يحادث الغريب بصوت خافت.  

  لا ادري إن كان سيغيب طويلا هذه المرة، ولكنا نستحق قليلا من الراحة داخل هذا الدولاب الآمن بعيدا عن ّحفر الطريق واشواكه التي تنغرز احيانا في باطن احدنا، او الايدي الخشنة التي تتداولنا بقسوة كما حدث قبل يومين حين كنا خارجين من مكان العمل، وإذا بي أدور حول نفسي وتوأمي ثم بصاحبي يتهاوى علينا بجسده الضخم فأختنق تحته. ثم سمعت صياح جمع من الناس، ثم نوضع في سيارة تسرع بنا ثم تتوقف، وايقاعات احذية راكضة ثم نمدد على سرير، وفجأة تنتزعني ايد فظة ترمي بي وتوأمي على الارض بعنف.

الآن  في هذا الصمت الحالك داخل الدولاب إلا من أصوات متباعدة، رنات أوان

 معدنية، ايقاع خطوات رتيبة متثاقلة. لقد مضى وقت طويل قبل ان ادرك اني وحدي

 مع توأمي في هذا المكان. لم  يكن معنا رفاقنا : الحذاء الرياضي الأبيض، وحذاء

 جلد بني، والاخر ذا اللون الأحمر الغريب. ولم يكن ذلك يهمني كثيرا فلم يكن بيننا

 حقا شيء من الود. كانوا ينظرون الينا وكأننا غريمان لهم بشكل ما، وربما كانوا

 وكنا، فما زلت  اذكر يوم كنا نصعد معه هذا التل الترابي، ثم نزلنا بسرعة ، جلس

 على الارض، خلعنا، وارتدى الأبيض الذي كان يحمله في كيس وقال لغرباء كانوا

 معه "الرياضي أحسن من الجلد هنا" لكنا كنا نتفرد برعايته. ففي كل مكان نسير

 اليه ، ينظر الينا بين الفينة والاخرى ، ثم ينحني وبمنديله يمسح ذرات تراب علقت

 على وجهينا.

أحيانا وهو يخرجنا من الدولاب، وهو يرتدينا، يحادثنا مترنما بالكلمات "امامنا طريق

 طويل اليوم، طريق صعب، لكنا معا سوف نصل" ثم يسكت وحين يتأهب للخروج،

 يطل علينا من عليائه ويقول "نحتاج شيئا من  الصبر" وكانت كلماته تشحذ همتنا

 لئلا نخذله، بل ربما ندوس على آلامنا كما حدث حين كشط جلد جانب وجه توأمي

 إثر احتكاكه بمسمار ناشز من سور سلم حديدي.  

ولكن هذا اليوم فوجئت بأبواب الدولاب تفتح على مصاريعها، والنور يقتحم ظلمتي

 ثم يد تجذبني بقوة الى الخارج.

المرأة

جاء أخي في ذلك الصباح مبكرا وقال بحسم "أمامك ساعتان لتحزمي اغراضك. اتفقت

 مع سيارة نقل صغيرة لنقل أشيائك"

وكانت أمي قد همست لي ونحن نتلقى  العزاء وسط نسوة ملتفات بالسواد، "لن تبقي

 وحدك. ستأتين للعيش معي. مازلت شابة وكلام  الناس كثير"

دخلت مع أخي غرفة النوم وأشرت الى السرير متسائلة، فقال:

-      لن نأخذه. ليس له مكان في شقة أمي. سنأخذ السرير الفردي المخصص للضيوف.

- المكتبة؟

- خذي بعض الكتب المهمة فقط.

- ولكني سآخذ هذا المكتب الصغير الذي كان يجلس إليه كل يوم.

تأمله أخي وقال مترددا "لابأس" ثم وضع أمامي صندوقين من الكرتون .

-      واحد للكتب واشيائك الضرورية  والاخر لملابسك.

-      - وملابسه؟

تنهد أخي وقال "ضعيها في اكياس وسوف نتصدق بها على روحه"

فتحت أبواب الدولاب على مصاريعها.

الراوي

تقدمت المرأة من سائق سيارة النقل الذي حمّل السيارة، بمساعدة عامل معه، بالاثاث

 القليل ، وسألته على استحياء:

-     " كم مقاس حذائك؟"

-      "43"

قالت وهي تسلمه الكيس :

-      "إذن هذا لك. والله هذا الحذاء بالذات عزيز علي، فساعة القضاء والقدر كان المرحوم

 يرتديه. وماكنت افرط فيه ولكن يمكن ينفعك، خذه واقرأ له الفاتحة".

أمسك السائق بالكيس حذرا وفتحه ونظر الينا ثم أغلقه بسرعة ، ثم رمى الكيس على

 ارض السيارة وبعد ان تحركت سمعت صوته يقول لمساعده:

-      "انت مقاسك مثلي تقريبا. سوف أخذ الحذاء الرياضي وانت خذ الحذاء الاسود."

أجاب الآخر: "ولكن المرأة اهدتك الاسود، والرياضي ينفعني في الشغل اكثر."

قال السائق ضاحكا:

-      "حذاء شؤم يا اخي وانت سمعت المرأة تقول ان المرحوم مات فيه وانا مازلت شابا."

ضحك الاخر وهو يقول :

-      "وانا اطفالي مازالوا صغارا . خذ الرياضي وأنا سآخذ  الحذاء الأحمر."

-     " طيب ، ناولني الكيس."

أخذه وباليد الاخرى حاد بالسيارة الى جانب الطريق  ومد يده من الشباك ، وهو يقول

 "يروح لصاحب الرزق" ولم اشعر إلا وأنا اطير في الهواء ثم اسقط في هاوية

 عميقة.    

استقبلتني روائح نفاذة تختلف عما كان صاحبي يرشها على جسمه وملابسه. هذا

 عالم جديد يموج بالحركة . قبل قليل مزقت آظافر حادة  الكيس وأطل علينا وجه قط

 تشممنا ثم ابتعد، ولم يمر وقت طويل حتى  انهالت علينا اثقال لزجة باردة، واخرى

 صلبة مثل الحجارة . ثم اخترق الزحمة زعيق قطط تتعارك على شيء ما داخل

 الهاوية التي وجدت نفسي فيها. ولم يهدأ الضجيج حتى سمعت صوت رجل ينهرها

 فتتقافز خارج المكان. حينها امتدت يدان تفتشان حولنا، سمعت اصوات زجاج يتكسر

 على الارض وآهة اطلقها الرجل ثم تحوم اليدان حول الكيس الذي نقبع فيه

 وتلتقطانه. ارتفعت من الهوة ونزع الرجل الكيس عني فوجدتني ارتفع من صندوق

 قمامة في يدي رجل بأسمال رثة وشعر أشعث، حملني الى الرصيف حيث جلس وهو

 يحاول ان يحشر قدميه داخلي. ظل يمطني من الجانبين ويدفع احدى قدميه الكبيرتين

 في حيزي الصغير. ولما عجز عن اختراقي، قلبني بيديه، تأملني مفكرا ثم رماني

 وتوأمي في كيس قماش كبير ملىء بأغراض متنوعة : خبز يابس، قناني ماء

 بلاستيكية فارغة، قميص ممزق، وحقيبة جلدية مقطوعة وأكياس صغيرة لم اعرف

 ما بداخلها.

نهض الرجل ، طوح الكيس على ظهره ، ومضينا. سار الرجل بنا مسافة كبيرة، ثم

 توقف فجأة والقى تحية على آخر وسمعت صوته يقول "اهلا . عندي لك هدية

 فاخرة، تشتري؟" هبط الكيس على الأرض، وامتدت يد لاخراجنا. تلقفتنا يدا الغريب

 الذي كان يبدو اقصر حجما واكبر عمرا وأشد رثاثة. وجلس على حافة الرصيف،

 يحاول انتهاكنا فلم يستطع. قال الغريب " قدمي عريضة والحذاء لا يناسبني ولكن

 بكم تبيعه؟ ربما يناسب أبني"

وهكذا بعد حوار طويل انتقلنا الى كيس غريب آخر، وسط علب معدنية صغيرة واشياء

 اخرى صدئة وبقايا طعام، ومضينا على درب طويل. ورغم الزحمة الشديدة التي كنا

 فيها، فلم يكن  الجو خانقا، لأن خرقا صغيرا في جانب الكيس كان يدخل الهواء

 وضوء النهار.. ومع تأرجح حركة الكيس على ظهر الغريب وصخب العلب المعدنية

 واصطكاك القناني ببعضها ، ودمدمة الرجل مع نفسه، بدأت أفكر في ما آل اليه حالي.

كنت أعيش في فردوس زجاجي عال، بعيدا عن المنال، يتأملني الناس  بإعجاب، وأنا

 انظر اليهم هانئا، مسرورا، مرتخيا بنعيم الراحة والأمان. ثم جاء هذا الغريب

 يراودني فأنزلني صانعي الى الأرض ومعي توأمي، وبدأت رحلة شقاء مع صاحبنا

 الذي سوف نكون معينا له على خوض غمار الأرض.    

كم من الدروب سرنا فيها وكم من التلال تسلقناها وكم من الأوحال خضناها، وكم من

 الانتظارات صبرنا عليها،   واحيانا كنا ونحن نخترق أرضا جرداء، نجد فردة حذاء

 مرمية في زقاق منكفئة على وجهها تشكو فراق توأمها، كان صاحبي ينظر اليها ثم

 يقول مع نفسه "فردة واحدة لن تنفع أحدا" ونمضي معا.

 لا  ادري لماذا طردتني وتوأمي هذه المرأة من البيت قبل رجوع صاحبنا. وكيف تستطيع اي قدمين غريبتين ان تنتهكا الحيز الذي ترك صاحبه بصمات لاتمحى عليه، بل شكّله بملامحه ومشيته ووقفاته وجلساته ومزاجه.  في السراء والضراء كنا معا، حتى فرقنا هذا الغياب المفاجىء. حين وصلت الى هذه النقطة من التفكير، عقدت العزم.

التصقت بتوأمي اعتذر له، فما أنوي فعله سوف يقدم له طوق النجاة والحرية أيضا.

 لم يكن القرار الذي وصلت اليه سهلا، فقد عشنا معا في كل أحوال صاحبنا الذي

 امتلكنا ثم ما أن اعتدنا عليه حتى تخلى عنا، ولكن لن نظل  نتنقل بين أقدام الغرباء.

 تحركت ببطء نحو الضياء..دفعت مقدمة رأسي من ثقب الكيس. وبعد جهد وعناء،

 انزلقت بصعوبة منه.

وجدتني أتدحرج هابطا على أرض رخوة، انكفأت على وجهي الذي تمرغ بالتراب

 ولكني تابعت بنظري الكليل اهتزاز الكيس على ظهر الغريب وهو يمضي بتوأمي

 بعيدا حتى صار نقطة في الأفق.


السبت، 19 ديسمبر 2020

البحث عن نهاية سعيدة

قصة قصيرة

بثينة الناصري

لا أحد يعرف كيف اكتسبت (الحاجةعديلة) لقبها القدسي هذا، وقد اختلط على أحفادها إن كانت ذهبت فعلا الى الحج أو إنه مجرد لقب شرفي حازته لكبر سنها وقدرها في العائلة. ولم تعد الحقيقة تهم أحدا لولا الواقعة الأخيرة.

الحاجة عديلة رحلت عن دنيا البشر منذ أكثر من عشرين عاما، ولم يعد أحد يذكرها إلا في نادرة او طرفة في جلسة عائلية. ولكن ابنتها الوحيدة (بكرية) لاتفتأ تذكرها بالدعاء عقب كل صلاة.

إلا أن ماحدث أخيرا حرك مياها راكدة كثيرة، بُعثت فيها الحاجة عديلة في عنفوان لم يعهد فيها مع قبل.

ولا يدري أحد ما الذي حدا بالصحفي كامل فهمي الذي لم يعرف عنه كتابة القصص والروايات أن يملأ صفحته الثقافية في الجريدة التي يعمل بها بجزء أول من مسلسل قصصي كما أعلن ووعد القارى بنشر الجزء الثاني والختامي في الإسبوع التالي.

كانت القصة المسلسلة بعنوان (حج الست عديلة) وكانت ستمر مرور الكرام لولا أن كاملا كان قد انتسب للعائلة بالزواج من ابنة عمة (عديلة) والتي توفيت ايضا في وقت مبكر دون أن تخلف ذرية، وهكذا تقطعت سبل التواصل بين العائلة وكامل، حتى يمكن القول انه على مدى ربع قرن لم يقرأ له أحد من العائلة شيئا من مقالاته الصحفية، وبالتأكيد لم يعرف أحد بإشرافه منذ عدة سنوات على صفحة ثقافية إسبوعية في جريدة (الناس).

ولكن في يوم ما ، حين كانت إحدى الحفيدات تقلب صفحات الانترنيت ، وقع بصرها على عنوان الجزء الأول من القصة الى جانب اسم (كامل فهمي).

(كانت امنية (الست عديلة) أن تذهب الى مكة والمدينة حاجة، وتزور قبر الرسول وتطوف حول بيت الله ، ومن اجل ذلك كانت تضع القرش على القرش في صندوق مخف تحت طيات الملابس في دولابها. على مدى سنوات ، كانت تكابد حرمان نفسها من شراء هدمة جديدة، أو متعة من متع الدنيا، وكانت تتحايل على توفير قروش قليلة من مصروف البيت حتى شاع عنها بخلها وتقتيرها ، واقتصارها على شراء الرخيص والتالف من الخضروات والفاكهة.)

***

هكذا بدأ كامل فهمي قصته، فصاحت الحفيدة تنادي أمها:

- ماما .. العم كامل كتب قصة عن الحاجة عديلة.

- الحاجة عديلة ؟ عديلتنا؟ أين؟ ماذا يقول؟

استمرت الحفيدة تقرأ :

(بعد سنوات تجمع مبلغ كاف في ذلك الصندوق الصغير المخفي تحت طيات الهدوم.

عدته مرارا ونقلته الى حقيبة يدها بحرص وعناية. وضعت الحقيبة تلك الليلة تحت مخدتها. ومع أول تباشير الفجر، نهضت قلقة. سحبت الحقيبة وعدت الجنيهات مرة أخرى. ثم صلّت وتناولت افطارها على عجل، ثم ارتدت ملابس الخروج، احتضنت الحقيبة .. وغادرت المنزل.)

اشتبكت خطوط الهواتف النقالة بين أفراد عائلة الحاجة عديلة . وصل الخبر الى إبنتها (بكرية) فشاطت غضبا وطلبت من آخر محدثيها أن يقرأ عليها القصة كلمة كلمة في الهاتف أو يرسل اليها نسخة مصورة.

- لن أسكت وسوف أحصل على القصة بأي وسيلة. هل قال انها كانت بخيلة وتسرق فلوس مصروف البيت دون علم أبي؟ 

(تلفتت الست عديلة حولها وهي تخترق الشوارع القريبة، حتى أوقفت سيارة أجرة . صعدت اليها مسرعة، وتلفظت للسائق بالعنوان. فكرت فيما السيارة تنهب الطريق ان عليها بعد دفع ثمن رحلة الحج أن تستبقي بعض النقود لشراء ملابس الإحرام وربما حقيبة سفر تتسع لأشيائها وللهدايا الصغيرة المباركة التي ستأتي بها من الحج.)

كان كامل فهمي قد عانى كثيرا في جمع أجزاء القصة. كانت هناك عدة روايات استمع اليها أثناء وجوده داخل العائلة. كان البعض يبتسم حين ياتي ذكرها ويهز رأسه أسفا، والبعض يشيد بإصرارها على تحقيق حلم حياتها وآخرون كانوا يكتفون بالصمت.

صاحت ابنتها في وجه محدثتها:

- أريد رقم هاتف كامل. لابد أن أوقفه عند حده.

**

(عندما وقفت سيارة الأجرة أخيرا عند المكان، وأرادت الست عديلة الهبوط، اشتبكت عباءتها بالباب، وبعد لأي ، وشد وجذب ، استطاعت تخليص نفسها ، وقبل ان تغلق الباب، أشار لها السائق أنها نسيت حقيبتها، فتناولتها من يده بقوة ، فيما انطلقت السيارة مبتعدة.

صعدت درجات السلم المؤدي الى شركة السفر. دلفت الى الداخل وجلست في انتظار دورها.

تحسست الحقيبة وفتحتها للمرة الأخيرة.. توترت أصابعها وهي تهوي الى فراغ، لم تجد رزمة النقود في موضعها. هبط قلبها وهي تقلب الحقيبة . لم تجد سوى المبلغ الذي عزلته في جيب لشراء ملابس الإحرام.

تلفتت حولها مذعورة . هرعت الى باب الخروج. نظرت الى السيارات المارقة في الشارع..

أحست بتنميل وخدر في رأسها .. ومثل دوار .. أمسكت حافة الباب لئلا تهوي الى الأرض.)

- ماهذا ؟ هل هذه كل القصة؟

- بل الجزء الأول والثاني بعد إسبوع

اقترحت العمة الكبيرة أن تدعو كامل فهمي الى اجتماع عائلي في بيتها ، وحاولت تهدئة (بكرية)

- اتركي الموضوع لي

- ماذا ستقولين له؟ لقد نشر الفضيحة وانتهى الأمر. سوف أقدم ضده شكوى قضائية.

- بأي تهمة؟

- ماذا تقصدين بأي تهمة؟ السب والقذف طبعا. وصف المرحومة أمي بأنها كانت مقترة وسارقة وألمح أنها لم تذهب الى الحج . التهمة ثابتة فقد ذكر اسمها الحقيقي.

هزت العمة رأسها مؤيدة وقالت:

- هذه هي الغلطة في الواقع. ماذا جرى له؟ أين كان عقله؟

ثم عادت تتوسل :

- ولكن ارجوك.. اتركي المسألة لي..

كان رأي كبراء العائلة ان الضرر قد وقع ولابد من تدارك الآتي.

قال حكيمهم:

- المهم الآن أن نعرف ماذا يريد ان يكتب في الجزء الثاني، وليكن الاجتماع في أسرع وقت

احتدم النقاش في بيت العمة الكبيرة ، وكان رجال ونساء العائلة القادمون من شتى أطراف القاهرة يتحلقون حول كامل فهمي الذي كان يمسك بعصبية نسخة من الجريدة يلوح بها ويقرأ منها بين الحين والآخر مقاطع من القصة المنشورة ، ويعود يؤكد لهم:

- هذه قصة .. يعني خيال ..

قاطعته بكرية :

- كيف خيال؟ وانت ذكرت وصف المرحومة واسمها؟

- ياسيدتي .. إفهمي .. الكاتب يستوحي شخصياته من الواقع ولكنه يخلق عالما خياليا يعيشون فيه

قال كبير العائلة وهو يشير للجميع بالسكوت:

- باختصار، هل تريد القول ان الحاجة عديلة لم تذهب الى الحج؟ ,أن لقب (الحاجة) لا أساس له؟

هاجت الأصوات مرة أخرى، زاعقة ، ضاجة، متداخلة . ارتفع صوت (أحمد) ابن بكرية وهو يكاد يصرخ:

- نحن نفهم القصص. انت تريد أن تقول أن جدتي الحاجة سرقت فلوس الحج من مصروف البيت ولهذا حرمها الله من زيارة بيته

رد كامل "إذا كان هذا هو تفسيرك للقصة ، فهذا أمر يخصك"

تجهمت بكرية وهي تقول بإزدراء:

- سرقت؟ عيب عليك ياكامل. لم اكن أتوقع ذلك منك

صرخ كامل بنفاد صبر :

- أين كلمة ” سرقت“  ؟

ووضع الجريدة تحت عينيها:

- هل قرأت القصة أولا؟

رفعت بكرية صوتها عاليا :

- لاحاجة لقراءة هذه القمامة . الكل يتحدث عنها

أشار كبير العائلة للحاضرين بالسكوت ، وتنحنح وهو يقول:

- إهدأوا قليلا.. دعونا نقول المفيد. القصة نشرت وانتهى الأمر مهما كان قصد السيد كامل غفر الله له. الان انصت لي يا كامل. ماذا تنوي ان تكتب في الحلقة القادمة؟ الست عديلة ضاعت فلوسها ، تحويشة العمر.. ماذا بعد؟

- والله ياعمي الحاج.. لا أدري. لم أكتب النهاية بعد. تعرف عند كتابة قصة ، القصة تكتب نفسها

- كيف تكتب نفسها؟ هل هذا جوابك للتخلص من الورطة؟

- ياعمي الحاج .. بل أنا أقصد أن الأفكار تنهال على الورق في حينها

ارتفعت الاصوات زاعقة مرة اخرى ، مع ضحكات عصبية ساخرة

” طبعا هو ذنب القصة التي كتبت نفسها“ .. ”القصة لما كتبت نفسها ، راحت نشرتها في الجريدة ”

توجه كبير العائلة بكلامه الى ربة المنزل:

- اعتقد حان وقت الشاي؟

أشارت هذه الى احدى بناتها فتهادت متثاقلة الى المطبخ.

ومع رشفات الشاي الساخن، قال كبير العائلة:

- ياكامل يا إبني، فهمت قصدك، ولكن بالتأكيد لديك فكرة ولو بسيطة عما تنوي كتابته

رد كامل:

 - ليس شيئا أكيدا. ولكن واقعية السرد تفرض أنها ترجع للبيت يائسة وحزينة وقد فقدت الأمل الذي كان في لحظة على وشك التحقق ثم في لحظة أخرى ضاع كل شيء. ولكن حلمها لا يموت.

سكت كبير العائلة دقائق، ثم مال بجسمه على كامل فهمي قائلا:

- اسمع يا ابني. انت اغضبت الأهل والأحباب في الجزء الأول ولكن مافات قد مات، وعليك أن تسترضيهم في الجزء الثاني

- قل لي ماذا أفعل؟ مستعد للإعتذار

صاحت بكرية وهي ترفع سبابتها لتأكيد كلامها:

- الاعتذار أن ترجّع فلوس الحاجة

سألها كامل وقد بدأ الغضب يحتشد في داخله:

- ماذا تقصدين؟ هل هذا ابتزاز؟

رفعت العمة الكبيرة صوتها :

- بكرية تقصد ترجع فلوس الست عديلة لتتمكن من السفر.

ضحك كامل وهو يسأل:

- في القصة؟ وكيف أفعل هذا وقد سُرقت الفلوس منها؟

قال كبير العائلة :

- استخدم خيالك .. انت الكاتب

قالت الحفيدة داليا:

- احتمال أن يشعر اللص بالندم ويرجع الفلوس

قال أحمد " أو بواب شركة السفر يلتقط رقم التاكسي ويبلغ الشرطة"

وتوالت الاقتراحات:

"يكافئها ربنا بأن تتعثر وهي راجعة حزينة الى البيت برزمة فلوس أكثر مما سرق منها"

تعالى صوت ناعم:

- يرجع سائق التاكسي الى الشركة ويقول للست عديلة : هذه الفلوس وقعت منك ياحاجة 

انبرت داليا تقول:

- أنا قلت هذا : يشعر اللص بالندم ويرجع الفلوس

كان كامل يستمع اليهم واضعا رأسه بين كفيه. أدار عينيه بينهم وقال يائسا :

- لايمكن .. لايمكن إنهاء قصة بهذه الصدف اللامعقولة 

قال الشيخ محمد وهو شاب اكتسب لقبه في العائلة بسبب لحيته الكثة التي أطلقها منذ وقت مبكر:

- بالعكس. أنا أرى أن القصة تكون أكثر فائدة وعبرة حين يندم اللص ويتذكر آخرته ويعيد المبلغ وهو يستغفر تائبا

"اسمعوا ! أنا عندي فكرة جديدة . تسمع بقصتها مقدمة برنامج في التلفزيون . تستضيفها وتحكي قصتها . يتصل رجل اعمال بالبرنامج ويعلن تبرعه بمصاريف الحج"

تصايح الحاضرون "نعم نعم .. يحدث كثيرا. صحيح .. فاعل خير"

قال الشيخ محمد وهو يمسد لحيته "نهاية طيبة وواقعية وتشجع الناس على فعل الخير. ولكن هناك شيئا لست متأكدا منه والأفضل يا أستاذ كامل ان تسأل فيه أهل الذكر . هل يصح الحج بأموال التبرعات؟ اعتقد ان هذا ينطبق على العمرة فقط . الأفضل أن تسأل قبل الكتابة"

ردت عليه الست بكرية :

- لايهمني ياشيخ محمد : يصح أو لا يصح. المهم أمي تروح للحج. أنا أعرف مذيعة كانت تعرض مثل هذه المشاكل. هذا مريض يحتاج عملية وهذه أرملة معاشها قليل، وواحد يحتاج بضاعة للكشك الذي حصل عليه من البلدية، تطلع على قناة .. نسيت والله ..

ولكزت ابنتها "اية قناة يابنت؟"

قاطعها كامل وهو ينهض:

- طيب ياجماعة . استأذن للإنصراف

تصايح الجمهور معترضا، وقالت العمة الكبيرة :

- تنصرف قبل أن نتوصل الى نتيجة؟ 

رد كامل:

- أنا استمعت وفهمت وسآخذ كل اقتراحاتكم بنظر الإعتبار، وإن شاء الله يحصل خير

أشار كبير العائلة لكامل بالإنتظار قائلا له:

- انظر للوجوه الطيبة حولك. كل هؤلاء يعقدون الآمال عليك فلا تخيب ظنهم. وانت الكاتب ولن نفرض عليك أفكارنا ولكن أكرر لاتخيب أمل هؤلاء الطيبين فيك. ولا أملي . اكتب ماتشاء ولكن المهم أن تكون النهاية سعيدة 

**

(تأخذ الحاجة عديلة نفسا عميقا، وتدفع الباب، فتشعر بشيء أشبه بدوار.. كانت الصالة مزدحمة بنساء العائلة والجيران، ولغط شديد، وصيحات أطفال، ثم ترتفع زغاريد عالية. يضيء وجهها بابتسامة عريضة وهي تسبح في اتجاه صدر الصالة، والنساء يتلمسن ملابسها البيضاء تبركا، وفي ذيلها تتقافز ابنتها الصغيرة (بكرية).

تجلس الحاجة عديلة على كرسي يتوسط الصالة المزدانة بشرائط خضراء وبالونات بكل الألوان. تقفز الى حجرها بكرية. وتجلس الى جانبها ابنة عمتها وهي تتلقى التهاني معها من الزائرات اللواتي مافتئن يتوافدن بن حين وآخر.

وعند قدوم كل زائرة ، تميل الحاجة عديلة على ابنة عمتها وتهمس في أذنها:

- هدايا الحج كلها في الحقيبة الحمراء. المفتاح معك؟

"في جيبي"

وتضحك الحاجة ضحكة صافية وهي تتلقى زغرودة العمة الكبيرة التي تتمايل مقبلة عليها من ألم ركبتيها، فتهتف بها :

- لك هدية عندي..تعالي

وتجلسها الى جانبها وتهمس لها "ماء زمزم .. صبّيه على ركبتيك، ترجعي غزال البراري")

  ** 

كتبت ونشرت في شباط/فبراير 2017



الاثنين، 23 نوفمبر 2020

OnLine

 قصة قصيرة: بثينة  الناصري

كان "ألف" يقيم على مسافة 15 مترا مني ، أما ما بيني و"باء"  فقد كانت المسافة 20 مترا، و"جيم" يقيم على مبعدة 21 مترا . أعرف المسافات بدقة لأني قستها بنفسي قبل شراء الأسلاك التي تمتد بين غرفنا.

 سلك التليفون أسود اللون يمتد عبر شرفة غرفتي إلى الآلة القابعة على سطح مكتبي، ومن الموديم الذي غيرناه ثلاث مرات، تمتد أربع أسلاك رمادية سميكة، واحد منها يزحف على الأرض مخترقا صالة الاستقبال ملتفا حول باب المطبخ عبر ممر طويل حتى يصل الى "ألف" ، وسلكان يقطعان طريقا مختصرا يمر عبر الحمام الصغير المقابل لغرفتي وبمثابة حبل غسيل أعلق عليهما أحيانا اشيائي الصغيرة، ثم من خلال الشرفة الضيقة اللصيقة بالمطبخ والتي تحولت الى مخزن لما تكسر وتهرأ في حياتنا، من علب فارغة وقدور قديمة وألواح خشب قديمة ولعب أطفال مهشمة ، يحلق السلكان فوق ذكرياتنا القديمة هذه ثم يتفرعان الى فرعين يصب أحدهما في غرفة باء والآخر عند جيم. 

 كنا في أحيان نادرة نتمكن من الاجتماع معا في غرفة المعيشة التي تقع بين غرفة ألف وصالة الاستقبال مطلة على الممر الذي يتلوى على  امتداده سلك ألف، لمشاهدة مقاطع من فيلم أو أغنية ، أو اذا أصررت أنا على شريط إخباري لحين انتهاء كل منا من التهام مافي طبقه من طعام لم يتسع له سطح مكتبه.

 ولكن بعد أول أجر قبضه باء من تصميم فاصل إعلاني لاحدى الشركات، غادر غرفة معيشتنا إلى الأبد حيث اشترى شريحة لمشاهدة برامج التلفزيون على حاسوبه ولكن بسبب ذلك مد سلكا جديدا سميكا وصلبا من طبق الستلايت فوق سطح العمارة مخترقا شباك غرفة المعيشة زاحفا تحت الأرائك حتى باب الغرفة ثم متقاطعا مع سلك ألف في اتجاه باب باء.

 حاولت أول الأمر أن أغطي الأسلاك المتعرجة الممتدة على الأرض بقطع من السجاد ولكني سرعان مانبذت الفكرة حين اكتشفت أن النتوءات تحت السجاد قد تؤدي الى تعثرنا ونحن نجوس خلال المنزل في بعض شؤوننا. وهكذا ظلت  الأرض باردة في عريها.

 كانت غرفتي هي مركز هذا الكون، ففيها الأجهزة التي تديره، وأنا التي أصل وأقطع، وأنا التي أرد على جهاز الهاتف الوحيد في عالمنا .. ولكن على أية حال، أنا ربة هذا البيت.

 غرفتي الصغيرة تطل على شرفة أجلس فيها احيانا حين أشتاق للشمس، يغطي أحد جدرانها مكتبة شاهقة حتى السقف، ولم أستطع يوما أن أنجز ترتيب الكتب فيها وبقيت مكومة على بعضها يعلوها التراب. على الجدران الأخرى خارطة للعالم واخرى كبيرة للعراق .. إلى جانبها كولاج صور لآثار وأشخاص من بلادي. ويتوسط هذا العالم بالتأكيد المكتب الصغير وجهاز الحاسوب والهاتف الذي يشعرني أن هناك آخرين من لحم ودم وصوت.. خارج هذا الكون الإفتراضي الذي أدخل رحابه الفسيحة من شاشة 17 بوصة.

 التواصل مع الأصوات الآدمية عبر الهاتف لم يكن معضلة.. "ألف" غير موجود للجميع دائما، و"جيم" يضطر إلى مغادرة الغرفة إلى أقرب نقطة يستطيع أن يسمع فيها صوتي بوضوح . أما "باء" فإني أقول للمتصل "لحظة"، وأفتح المسنجر فأجده   offline  وهذا يعني إنه نائم أو في الحمام أو خارج المنزل .. أو لا يريد اتصالا.

 أنهض كل صباح، وقبل أن أعرج على الحمام الملاصق لغرفتي ، أضغط بأصبعي على مفتاح الجهاز فيملأ هديره الغرفة وتومض أنواره الخضراء على الشاشة ولوحة الكتابة والموديم، وتنبض الحياة في فأرتي الرقمية، فأحس أن كل شيء على مايرام في عالمي هذا، وبعد قليل سأدخل أكوانه الواسعة التي تأتمر بنقرات بناني.

 حتى نحل مشكلة "جيم" الذي يتوقع دائما إتصالا هاتفيا مهما من جهة ما، اتفقنا جميعا ونحن في إحدى لحظات لقائنا النادرة في غرفة المعيشة أن نستخدم وضع الغائب "offline" على المسنجر، طالما لا نريد اقلاق راحتنا بأي شكل، أما إذا كان أحدنا ينتظر اتصالا أو يكون في حالة ضجر أو إن كان سعيدا لسبب ما ويريد الحديث عن ذلك مع الآخرين ، فما عليه الا استخدام وضع موجود online،  لنكون على بينة من حالته. وهكذا لم أعد في حاجة للصراخ مرات منادية "جيم" ولم يعد هو في حاجة إلى الخروج من غرفته ليسمعني، كان يكفي أن ابعث له رسالة اذا كان وضعه "موجودا" أبلغه بوجود نداء هاتفي له.

كان كل شيء يسير على مايرام، والحياة في بيتنا جميلة ورائقة، لا حركة غير محسوبة، لا صوت، سوى أصوات الموسيقى المكتومة التي يستمع اليها الأولاد عبر الميكرفونات الملتصقة بآذانهم. حين يحين موعد الطعام، يكفي أن أنقر على الفأرة "الطعام جاهز لمن يريد ولمن موجود".

كنت أحيانا، من أجل الذائقة البصرية، أغير من وضع الأسلاك الممتدة كالثعابين بين الغرف، أرفعها بمسمار على الجدار، أو أمدها مخفية وراء مقاعد غرفة المعيشة، أو أرتبها متقاطعة بشكل مبهج. ولكن أيامنا لم تكن رتيبة او مملة، فهي حافلة بالمفاجآت .. وكل واحد منا لايكاد يصحو من غيبوبة النوم حتى يهرع إلى صندوقه السحري لينفذ منه إلى عالمه الضاج بالحياة والأحداث. حتى جاء هذا اليوم الذي صحوت فيه شاعرة بالاختن
اق، أفقت فيه من كابوس، غطست فيه تحت الماء وكنت أكافح بلا جدوى للطفو فوق السطح، ولكن أسلاكا متشابكة تثقل جسدي المنهك تلتف مثل اخطبوط حول ساقي وتشدني إلى القاع.

أفقت وأنا أختنق، لم استطع حتى رفع صوتي بالصراخ... وبين شهقاتي، تشبثت أصابعي بالكيبورد، أبحث مثل غريق عن "باء"؟ offline ، عن "ألف"؟ offline، عن "جيم" ؟ offline.

ماذا حدث لكم: نائمين؟ غائبين؟ مشغولين؟

ضربت على الكيبورد، ثم وأنا أغطس تحت الماء، وأطفو قليلا من أجل شهقة هواء، لاحت لي خاطرة أن وضعي الدائم في البيت كان online وهذا يعني أني موجودة وعلى مايرام ولا حاجة للسؤال أو البحث عني، ولن يفعلوا حتى أغيرها إلى offline . ولكني لم استطع تحريك إصبعي لأضغط على الفأرة. كان خدر غريب قد بدأ يسري في أطرافي...

+++

القاهرة - 2015

 

 

 


الأكثر مشاهدة خلال 30 يوما